|
2)
ملاحظات على تقرير الأمين العام للأمم
المتحدة حول أحداث مخيم جنين
فوجئت
الأوساط السياسية المحلية والدولية
بالتقرير الذي قدمه السيد كوفي عنان
الأمين العام لهيئة الأمم إلى الجمعية
العامة بتاريخ 11/8/2002 حول أحداث مخيم جنين
وما جرى في بعض المدن الفلسطينية في
الفترة من نهاية شهر آذار إلى 7 أيار 2002،
حيث جاء تقرير الأمين العام مبتوراً ولم
ترد فيه أية إدانة مباشرة للحكومة
الإسرائيلية. وبعد قراءة متأنية للتقرير
أود أن أسجل الملاحظات التالية على ما ورد
فيه:
1-
أسلوب كتابة التقرير كان روائياً اعتمد
على سرد ما حدث دون تعليق من الكاتب (الأمين
العام) ودون ملاحظات تقييمية، ولم يتسم
سرد المعلومات بالثقة والتأكد منها،
والدليل تكرار عبارات مثل: إدّعت تقارير،
أشارت بعض المصادر، تختلف التقديرات بشأن
عدد المدنيين، شككت منظمات حقوق الإنسان ..
. طالما أن
الأمين العام للأمم المتحدة اعترف في
تقريره أن:
أ)
بعثة
تقصي الحقائق التي شكّلها لم تتمكن من
زيارة موقع الحدث (مخيم جنين والمناطق
المحتلة) بسبب (شواغل) الحكومة
الإسرائيلية.
ب)
لم
ترد الحكومة الإسرائيلية على طلب تقديم
المعلومات حتى تاريخ تقديم هذا التقرير،
كما جاء على لسان السيد كوفي عنان.
إذن،
كان حريّأً أن يقوم السيد كوفي عنان
بكتابة تقرير موجز للجمعية العامة لهيئة
الأمم يعلن فيه صراحة عدم إمكانية إصدار
تقرير شامل عن أحداث مخيم جنين بسبب عدم
تعاون الحكومة الإسرائيلية في ذلك الأمر،
ويطلب بالتالي من مجلس الأمن اتخاذ ما
يراه من إجراءات عقابية ضد إسرائيل، خاصة
أن مجلس الأمن قد كلّفه وفق قرار رقم 1405
(2002) باستقاء معلومات دقيقة بشأن الأحداث
الأخيرة في مخيم جنين للاجئين عن طريق
فريق لتقصي الحقائق.
2-
ذكر السيد كوفي عنان في تقريره نصاً من
اتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين
في وقت الحرب المؤرخة 12 آب 1949 والتي تعتبر
إسرائيل واحداً من الأطراف السامية
المتعاقدة فيها: (والتي تنص على أنه لا
يجوز قتل المدنيين عمداً أو تعذيبهم أو
أخذهم رهائن أو إخضاعهم لمعاملة مهينة أو
حاطة بالكرامة). ولكن غاب عن ذهن السيد
كوفي عنان أن يذكر صراحةً أن ما تفعله
حكومة إسرائيل وممارسات جيشها في المناطق
الفلسطينية تعتبر انتهاكات صارخة لهذه
الاتفاقية ولمبادئ القانون الدولي، وأن
على الهيئة الدولية، التي يمثّل هو أحد
أهم ركائزها، أن تقف جادة في وجه هذه
الممارسات.
3-
لم يقتصر تقرير الأمين العام لهيئة الأمم
على تبني المواقف السياسية الأمريكية
والإسرائيلية، بل إنه استخدم عبارات
يرددها الساسة الإسرائيليون والأمريكان،
فقد وردت كلمة "إرهاب" ومشتقاتها "إرهابي
وإرهابية" لوصف الفلسطينيين 17 مرة في
التقرير، واستعمل السيد كوفي عنان عبارات
ذات صميم إسرائيلي مثل "جيش الدفاع
الإسرائيلي" و "عملية الدرع الواقي" و "البنية
التحتية للإرهاب الفلسطيني" و "مكافحة
الإرهاب الفلسطيني". وهذا أمر مستغرب،
لأن كاتب التقرير هو الأمين العام لهيئة
الأمم الذي يجب أن تكون كلماته وكتاباته
موضوعية وتتسم بالتوازن والحياد.
4-
تحدث السيد كوفي عنان في تقريره عن
ممارسات الجيش الإسرائيلي من قتل
المدنيين وتدمير المنازل والمدارس وتخريب
الممتلكات ومنع وصول المساعدات الإنسانية
من أدوية وغذاء للمدنيين والحصار
العسكري، ولم يذكر السيد عنان أن محافظة
جنين كانت تعتبر "سلة الغذاء"
الفلسطينية حيث كانت تضم أكثر من 300 ألف
دونم من الأراضي الزراعية، وأن غالبية
سكانها من المزارعين. وقد كان التوغل
وإعادة الاحتلال من جانب إسرائيل بمثابة
تدمير تام لهذه الغلة الزراعية والاقتصاد
الفلسطيني.
5-
لقد قام السيد كوفي عنان بذكر سلسلة من
الانتهاكات التي قامت بها السلطات
الإسرائيلية، التي كان لها آثار إنسانية
على الشعب الفلسطيني، في الأرقام من 37-41
كما جاء في التقرير، ثم يقدم بعد ذلك
تقديماً عن الوضع في مخيم جنين، وما كان
يحتويه من "بنية تحتية داخل مخيم جنين
لشن هجمات إرهابية" كما جاء في التقرير (بند
رقم 46) وكأن السيد كوفي عنان يبرر بذلك ما
قامت به الحكومة الإسرائيلية من إجراءات.
6-
رغم أن الأمين العام يذكر في موجز التقرير
في البداية أنه (اعتمد اعتماداً تاماً على
الموارد والمعلومات المتاحة بما في ذلك
البيانات المقدمة من خمس من الدول الأعضاء
وبعثات المراقبين لدى الأمم المتحدة
والوثائق المتاحة للعموم والورقات
المقدمة من بعض المنظمات غير الحكومية،
وما قدمه المراقب الدائم لفلسطين) إلاّ
أنه لم يقدم إحصائية دقيقة لعدد
الفلسطينيين الذين قتلهم الجيش
الإسرائيلي في مخيم جنين، وهذا محور الحدث
الرئيسي. فقد ذكر السيد كوفي عنان في
التقرير (كان 52 فلسطينياً على الأقل،
بينهم عدد يصل إلى النصف من المدنيين، .. قد
قتلوا) ، وجاء أيضاً (يقدر الجيش
الإسرائيلي عدد الخسائر بالأرواح بنحو 52
شخصا) وهو الرقم الذي اعتمده كوفي عنان.
ويبدو أن مبالغة المسؤولين الفلسطينيين
في عدد شهداء مخيم جنين قد جعلت الأمين
العام يصدق الرواية الإسرائيلية!.
7-
يذكر السيد كوفي عنان في تقريره (فقرة رقم
60) أنه "استخدمت طائرات الهليوكوبتر
الحربية لإطلاق قذائف "تو" على هذه
المنطقة الكثيفة السكان، مدافع مضادة
للطائرات قادرة على إطلاق 3000 قذيفة في
الدقيقة، وعشرات الدبابات والمركبات
المدرعة المزودة بمدافع رشاشة، وجرافات
بولدوزر لهدم المنازل وشق ممرات واسعة".
ونحن نسأل الأمين العام: أليس استخدام هذه
المعدات والأسلحة ضد مخيم للاجئين
الفلسطينيين من المفترض أنه تحت رعاية
وكالة الاونروا التابعة لهيئة الأمم
يعتبر جريمة حرب يجب محاكمة من قام
بارتكابها؟
8-
مما كتبه السيد كوفي عنان في تقريره (قامت
القوات الإسرائيلية مستخدمة مكبرات الصوت
بحثّ المدنيين باللغة العربية على إخلاء
المخيم) –فقرة رقم 51- ، ولكن ما لا يعلمه
السيد عنان أن القوات الإسرائيلية كانت
تقتل الرجال الذين كانوا يخرجون مستجيبين
لمثل هذه النداءات، مثلما حدث مع العجوز
أحمد بشير حمدوني (70 عاما) الذي خرج يوم
4/4/2002 يبحث عن طعام لحفيده فقتله الجنود
الإسرائيليون بدم بارد، ومثلما حدث مع
المواطنين عبد الكريم يوسف السعدي (27 عاما)
وجاره وضاح فتحي الشلبي (36 عاما) حيث خرج كل
منهما يحمل طفلاً صغيراً بين ذراعيه،
فانتزع الجنود الإسرائيليون الطفلين
وسلموهما للنساء، وأدخلوا الرجلين إلى
بيت مجاور وقتلوهما بدم بارد.
9-
تقوم إسرائيل منذ حزيران 1967 بفرض احتلال
عسكري على المناطق الفلسطينية، الضفة
الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع
غزة، وهذا بالتأكيد معروف لدى الأمين
العام للأمم المتحدة. فالمشكلة الأساسية
هي وجود الاحتلال الإسرائيلي وليس مقاومة
الاحتلال. ومقاومة الاحتلال أمر طبيعي عند
الشعوب الحيّة، ولا يمكن اعتباره إرهاباً.
فالمقاومون الفلسطينيون الذين سقطوا في
معركة مخيم جنين لا يمكن تصنيفهم بأنهم
"إرهابيون مسلحون" كما جاء في تقرير
السيد كوفي عنان (فقرة 53)، بل هم رجال شرفاء
حاولوا الدفاع عن بيوتهم في مخيم
اللاجئين بعد أن فشلت هيئة الأمم في توفير
الحماية لهم، وبعد أن عانوا الإبعاد
والتشتت مرتين، في عامي 1948 و 1967.
10-
لم يتطرق السيد كوفي عنان في تقريره لا من
قريب ولا من بعيد إلى عدم تنفيذ إسرائيل
لقراري مجلس الأمن رقم 1402 بتاريخ 30/3/2002
ورقم 1403 بتاريخ 4/4/2002 الداعيين إلى انسحاب
القوات الإسرائيلية الفوري من المناطق
الفلسطينية التي أعادت احتلالها. أليس
جديراً بالسيد عنان أن يطالب مجلس الأمن
باتخاذ إجراءات عقابية لحث إسرائيل على
الانصياع لهذه القرارات؟.
يبدو
أن السيد كوفي عنان يوافق على أنه (يوجد في
المجتمع الدولي تأييد واسع النطاق للتوصل
إلى حل تعيش فيه دولتان إسرائيل وفلسطين
جنباً إلى جنب داخل حدود آمنة ومعترف بها
على نحو ما دعا إليه قرار مجلس الأمن رقم
1357 / 2002) –حسب ما جاء في الملاحظات
الختامية للتقرير، ولكن ما لا يريد أن
يعلنه السيد عنان، وهو يدركه تماما، أن
مثل هذا الأمر لن يتحقق طالما بقيت
الولايات المتحدة الأمريكية مهيمنة على
هيئة الأمم وقراراتها، وطالما بقي مجلس
الأمن رهينة بيد الإدارة الأمريكية.
ووسط
كل هذه الأحداث، كان للرئيس الأمريكي جورج
بوش أيضاً رأي استثنائي، حيث وصف الرئيس
بوش رئيس الحكومة الإسرائيلية اريئيل
شارون بأنه "رجل سلام" وأنه "واثق
بأن شارون يريد تحقيق السلام في المنطقة"
وقد جاءت أقوال بوش بتاريخ 18/4/2002، أي بعد
انتهاء عملية الجيش الإسرائيلي في مخيم
جنين وفي نابلس بثلاثة أيام فقط.
(صحيفة
هآرتس الإسرائيلية بتاريخ 19/4/2002)
|