الرقيب 

انتفاضة الأقصى..

سنة ثانية 

29/9/2001 - 28/9/2002

قتل وتدمير..  حصار وتجويع

  

 

الرقيب 2002

أرشيف الرقيـــــــب

 

 تعريف المجموعة  -  بيانات صحفية - الرقــيب -  مصادر و مراجع -  روابط ذات صلة - الصفحة الرئيسية

 

السنة السادسة –العدد -اكتوبر 2002 

السنة السادسة - العدد الواحد والثلاثون - اكتوبر/ تشرين أول 2002

انتفاضة الأقصى... سنة ثانية

(29/9/2001 -28/9/2002)

الحكومة الاسرائيلية ترتكب انتهاكات خطيرة لحقوق الانسان والقانون الدولي

                                  قتل وتدمير .. حصار وتجويع         

1) قتل الفلسطينيين أصبح أمراً روتينياً

تميّزت السنة الثانية من انتفاضة الأقصى بارتفاع عدد الشهداء الفلسطينيين، وأيضاً الضحايا من الجانب الإسرائيلي، وهذا جاء نتيجة لتصاعد حدة العنف واشتعال الصراع بين الجانبين. وفيما يلي مقارنة بالأرقام للشهداء الفلسطينيين ما بين السنة الأولى والثانية من الانتفاضة:

(الأرقام صحيحة حتى تاريخ 28/9/2002)  

الموضوع خلال السنة الاولى من الانتفاضة

29/9/2000 - 28/9/2001

خلال السنة الثانية من الانتفاضة

29/9/2001 - 25/9/2002

الشهداء الأطفال دون سن 18 146 161
شهداء في عمليات اغتيال 29 66
شهداء قتلهم مستوطنون يهود 17 4
شهداء في عمليات تفجيرية 27 73
شهداء على الحواجز العسكرية 26 39
قتلوا في ظروف غير واضحة 52 44
شهداء بأيدي القوات الاسرائيلية 389 849
المجموع 686 1226

 

(المصدر: تقوم المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان بتوثيق يومي لقوائم الشهداء الفلسطينيين، للاطلاع على القوائم كاملة يمكن زيارة موقع المجموعة على: www.phrmg.org)  

فقد واصلت القوات الإسرائيلية استهداف المقاومين الفلسطينيين، والمدنيين وكبار السن والنساء والأطفال والتلاميذ وغيرهم. فقتلت المئات من الفلسطينيين باطلاق نار مباشر أو بقصف لمنازل ومبان سكنية أو بسبب الحواجز العسكرية المشددة المنتشرة في مختلف المناطق الفلسطينية. ورغم إعراب العديد من المنظمات الحقوقية الدولية عن قلقها الشديد لاستمرار قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين اليهود بقتل المدنيين الفلسطينيين، إلا أن ذلك لم يثن الحكومة الإسرائيلية عن مواصلة سياسة القتل هذه.  

منذ الأيام الأولى للانتفاضة اقترفت القوات الإسرائيلية، ولا تزال تقترف، انتهاكات جسيمة ضد المدنيين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وفي ذلك انتهاك واضح وفاضح لمبدأ الحق في الحياة والسلامة البدنية كما جاء في نصوص القانون الدولي.  

لكل فرد حق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه.

المادة 3 / الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المؤرخ في 10/12/1948

 

لقد استخدم الجيش الإسرائيلي مختلف أنواع الأسلحة والذخائر التي تستخدمها الجيوش في المعارك الحربية المتكافئة، ضد المدنيين الفلسطينيين، مثل القصف بالمروحيات الحربية (من طراز اباتشي وكوبرا) والمقاتلات الحربية (من طراز ف-16) والدبابات والمدرعات مما أوقع خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات الفلسطينية، وخير مثال على ذلك ما حدث في مخيم جنين وفي البلدة القديمة في نابلس، وفي رفح وخانيونس وغزة، وطولكرم والخليل. سوف نأتي على تفاصيل ذلك فيما بعد.  

 

1/1) مجازر، وليس مجزرة واحدة  

يلاحظ المتتبع لأحداث السنة الثانية من الانتفاضة توالي المآسي على أبناء الشعب الفلسطيني، وتوالي مسلسل القتل والبطش على أيدي الجيش الإسرائيلي. ومن خلال قراءة متأنية لعمليات القتل التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية خلال اقتحامها واجتياحها للمناطق الفلسطينية نلاحظ وقوع سلسلة من المجازر، وليس مجزرة واحدة بعينها. وفيما يلي جدول يبيّن عمليات القتل الجماعية التي وقعت خلال السنة الثانية من عمر الانتفاضة:

(الجدول والأرقام صحيحة حتى تاريخ 28/9/2002)

 

الرقم المنطقة التاريخ عدد الشهداء وصف الحدث
1 الأراضي المحتلة ( بيت ريما، وبيت لحم، وطولكرم ، وجنين وخانيونس ورفح الفترة من 18 24اكتوبر /تشرين أول 2001 بلغ مجموع الشهداء 41 شهيدا وجرح المئات عمليات اقتحام وتوغل في عدة مدن وقرى ومخيمات فلسطينية للقضاء على المقاومين، وقتل فيها عدد كبير من المدنيين.
2 جنين  3/12/2001 4 اقتحام وتوغل الجيش الاسرائيلي
3 عنبتا 9/12/2001 4 قتل الجيش الاسرائيلي 4 من أفراد الشرطة الفلسطينية
4 خانيونس 12/12/2001 4 اقتحام وتوغل الجيش الاسرائيلي
5 سلفيت 14/12/2001 4 اقتحام وتوغل الجيش الاسرائيلي
6 بيت لاهيا 15/12/2001 4 اقتحام وتوغل الجيش الاسرائي
7 بيت لاهيا 30/12/2001 3 اقتحام وتوغل الجيش الاسرائي
8 رفح 21/2/2002 6 توغل الدبابات الاسرائيلية
9 مخيمي بلاطة وجنين 28/2/2002 13 اقتحام وتوغل الجيش الاسرائي
10 مخيم الأمعري 4/3/2002 أم وخمسة أطفال قذيفة دبابة إسرائيلية قتلت الأم وأطفالها الخمسة
11 بلدة خزاعة / خانيونس 8/3/2002 16 إجتياح إسرائيلي بأكثر من 50 دبابة
12 مخيم طولكرم 8/3/2002 7 اقتحام من الجيش الاسرائيلي
13 مخيم جباليا 12/3/2002 17 شهيدا بينهم أب وابنه وشقيقان اقتحام من الجيش الاسرائيلي بالدبابات والمدرعات
14 رام الله والبيرة 13/3/2002 13 شهيدا اجتياح كامل بالدبابات
15 مخيم البريج 15/3/2002 أم وأطفالها الثلاثة إطلاق نار كثيف من الجيش الاسرائيلي
16 خانيونس 13/3/2002 4 قصف ورشة للألمنيوم بطائرة أباتشي
17 رام الله والبيرة 3/4/2002 22 إجتياح كامل وإعادة إحتلال ، تم دفن الشهداء في قبر جماعي
18 رفح 8/4/2002 5 بينهم طفلان نتيجة قصف منطقة تل السلطان
19 الخليل 29/4/2002 8 اجتياح كامل بالدبابات
20 رفح 1/5/2002 5 بينهم طفلة إطلاق نار كثيف من قبل جنود الاحتلال
21 مخيم بلاطة 22/5/2002 4 استهداف فلسطينيين وقتلهم من جانب القوات الاسرائيلية
22 غزة / حي الدرج 22/7/2002 15 بينهم 9 أطفال استشهدوا في غارة إسرائيلية بطائرات ف -16
23 غزة / الشيخ عجلين 29/8/2002 4 أفراد من نفس العائلة سقوط قذيفة دبابة إسرائيلية على منزلهم
24 طوباس 31/8/2002 5 بينهم 4 أطفال عملية إغتيال نفذتها مروحيتان إسرائيليتان من نوع "أباتشي" استهدفت رأفت دراغمة (عضو في كتائب شهداء الأقصى - حركة فتح)
25 بني نعيم / الخليل 2/9/2002 4 قام جنود الاحتلال باقتياد العمال الأربعة من مكان عملهم إلى بيارة ثم قاموا بقتلهم بدم بارد
26 غزة 24/9/2002 9 بينهم طفل قصف إسرلئيلي على أحياء التفاح والزيتون والشجاعية في قلب مدينة غزة.

* ملاحظة: هناك جزء خاص عن ما ارتكبه الجيش الإسرائيلي من فظائع في كل من مخيم جنين والبلدة القديمة من نابلس خلال شهر نيسان / أبريل 2002.

 

1/2) مآسي إنسانية في مخيم جنين والبلدة القديمة في نابلس

 

أ - مخيم جنين

لم يكن يعرف أهالي مخيم جنين أن هناك المزيد من القتل والتشريد ينتظرهم، خاصة بعد رحيلهم القسري عن ديارهم داخل الخط الأخضر (إسرائيل) في العام 1948، وبعد أن نزح عدد كبير منهم مرة ثانية في حرب حزيران 1967. ففي الثالث من نيسان / إبريل 2002 وضمن عملية "الجدار الواقي" العسكرية التي أعلنت عنها إسرائيل، بلغت الاعتداءات الإسرائيلية على المخيم ذروتها حيث دفعت الحكومة الإسرائيلية التي يرأسها اريئيل شارون بالمئات من الدبابات وناقلات الجند المصفحة والآليات الثقيلة المعززة بالمروحيات القتالية إلى مخيم جنين، وبدأت بقصفه بالصواريخ والقذائف والرشاشات الثقيلة.  

وشكّلت المنازل التي كان المواطنون يعتقدون أنها آمنة هدفاً مباشراً لقوات الاحتلال، التي تعمّدت قصف جميع منازل المخيم بهدف القضاء على كل أشكال المقاومة الفلسطينية في المخيم، فدمّر الجيش الإسرائيلي مئات المنازل فيما أصبحت الغالبية المتبقية غير صالحة للسكن بسبب حجم الدمار الهائل الذي لحق بها. وقد جاء في وكالات الأنباء بتاريخ 10/4/2002 أن الطائرات الحربية الإسرائيلية من طراز "إف 16" الأمريكية الصنع شاركت أكثر من مرة في قصف مخيم جنين. فيما استبسل المقاومون الفلسطينيون في الدفاع عن مخيمهم، وواصلت الجرافات العسكرية الإسرائيلية هدم منازل المخيم وتشريد سكانها. وقد اشتدت شراسة الهجمة الإسرائيلية من قصف وتدمير لكل مظاهر الحياة في المخيم بعد مقتل 13 جندياً إسرائيلياً في كمين نصبه لهم المقاومون الفلسطينيون داخل المخيم بتاريخ 9/4/2002.

وفي تقرير صدر عن الجيش الإسرائيلي نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية بتاريخ 20/4/2002 جاء فيه أن المروحيات الإسرائيلية العسكرية أطلقت 300 صاروخ على مخيم جنين خلال المعركة على المخيم. وقد نقل مراسل صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية عوفر شيلح بتاريخ 19/4/2002 عن أحد جنود الاحتياط الذين شاركوا في المعركة على مخيم جنين قوله أنهم تلقوا أوامر بإطلاق الرصاص على كل نافذة واحاطة كل بيت في المخيم سواء أطلقت منه النار أو لم تطلق، وأضاف الجندي قائلاً، قيل لنا بوضوح "حطموهم، وأطلقوا النار على كل شيئ يتحرك في المنطقة". وأنهى جندي الاحتياط حديثة قائلاً "صحيح أننا تعرضنا لنيران كثيفة، ولكننا بالمقابل أبدنا مدينة".

أما بالنسبة لعدد الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا في أحداث مخيم جنين، فهم بالتأكيد ليسوا 500، كما صرح مسؤولون في السلطة الفلسطينية، وهم أيضاً ليسوا "حوالي أربعين" كما جاء على لسان وزير الدفاع الإسرائيلي بنيامين بن اليعزر. ففي تقرير وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" جاء أن عدد الضحايا الفلسطينيين يصل إلى 52 شهيداً، وهذا هو عدد الشهداء الذين تعرّف عليهم الأهالي وتم دفنهم أو التأكد من موتهم، لكن هناك عدداً آخر من المفقودين يزيد عن 50 ، كما جاء على لسان عبد الرزاق أبو الهيجا، عضو اللجنة الشعبية في مخيم جنين، بتاريخ 26/4/2002.

أما عن الدمار الذي لحق بالمخيم، فقد قامت الجرافات العسكرية الإسرائيلية بتدمير 150 وحدة سكنية تدميراً كاملاً حيث سوّتها بالأرض، فيما تم تدمير 80 وحدة بشكل جزئي، وقامت القوات الإسرائيلية بإحراق 60 وحدة أخرى ولم تعد صالحة للسكن. أما القصف الإسرائيلي بالمروحيات وقذائف الدبابات والرشاشات الثقيلة فقد ترك خراباً جزئياً بـ 600 منزل لم تعد صالحة للسكن. وقد تسبب العدوان الإسرائيلي بتشريد 1300 أسرة فلسطينية أصبحت بلا مأوى بعد تدمير منازلها.

(كما جاء على لسان عبد الرازق أبو الهيجا عضو اللجنة الشعبية في مخيم جنين)

 

هل كان عطية أبو ارميلة إرهابياً؟

لم يكن هناك خيار أمام المواطنة هالة محمد صادق أبو ارميلة (32 عاما) من مخيم جنين، سوى تمديد جثمان زوجها الشهيد عطية ابو ارميلة (44 عاما) على مدار سبعة أيام متواصلة بين أطفالها الثلاثة في محاولة منها لأن تهدئ من روعهم، وتوهمهم أن والدهم نائم ولم يصب بأي أذى بالرغم من أنه لفظ أنفاسه الأخيرة جراء إصابته بعيار ناري من قبل جنود الاحتلال الإسرائيلي.

تقول هالة أبو ارميلة إنها كانت وزوجها وأطفالها الثلاثة: محمد (7 سنوات) وهازار (6 سنوات) ورامي (4 سنوات) يتواجدون داخل منزلهم الكائن في "خلة الصوحة" جنوب شرقي المخيم، عندما بدأت قوات الاحتلال بقصف المخيم بصواريخ المروحيات القتالية وقذائف الدبابات ورصاص الرشاشات الثقيلة.

عند الساعة الخامسة من مساء يوم الجمعة الموافق الخامس من إبريل/ نيسان 2002، لجأت عائلة أبو ارميلة إلى مطبخ منزلها اعتقاداً منها أنه المكان الأكثر أماناً داخل منزلها الذي كان يتعرض للقصف الشديد من قبل قوات الاحتلال شأنه في ذلك شأن بقية منازل المخيم.

تقول أبو ارميلة: "سألني زوجي عطية عن حجم الأضرار التي لحقت بغرفة الضيافة، فأبلغته أنني لا أعلم حجم الضرر الذي لحق بها، لكنني شاهدت فتحتين كبيرتين في الجدار الخارجي اعتقد أنهما ناجمتان عن إصابة الغرفة إما بصاروخين أو قذيفتين."

إلا أن ذلك الزوج والأب الذي أمضى سنوات طويلة من حياته في بناء منزله المتواضع، قرر التوجه إلى غرفة الضيافة من أجل تفقد آثار الدمار الذي لحق بها، وهو يحبي على قدميه حتى وصلها. ولكن استأنفت قوات الاحتلال قصف المنطقة، فعاد إلى المطبخ حيث كانت تتواجد زوجته وأطفاله.

في تمام الساعة السادسة إلا ربعاً من مساء ذات اليوم، وبعد أن شرب أبو ارميلة كوباً من الشاي، أبلغ زوجته أنه عاقد العزم على التوجه إلى غرفة الضيافة بغية تفقد ما لحق بها من أضرار رافضاً طلبها عدم فعل ذلك وهو يقول "ما تخافيش يا هالة، أنا حريص، واللي بدو يموت بيموت".

وما كاد أبو ارميلة يصل إلى غرفة الضيافة حتى سمعت الزوجة صوت رصاصة واحدة أطلقها قناص إسرائيلي من جنود الاحتلال ممن كانوا يحتلون أسطح البنايات المرتفعة، تبعها صوت زوجها وهو ينادي عليها. وعندما وصلت أبو ارميلة إلى غرفة الضيافة ومعها أطفالها، وجدت الدماء الغزيرة تسيل من رأس زوجها وفمه وأنفه، فاقتربت منه وأمسكت بيده، فبدأ يرتمي على الأرض بشكل تدريجي، وهو يتمعن بأطفاله الواحد تلو الآخر، وكأنه يودع من حوله للمرة الأخيرة.

وسرعان ما حدق أبو ارميلة بزوجته لثوان معدودة لفظ بعدها أنفاسه الأخيرة بعد أن نطق بالشهادتين بينما كانت الزوجة وأطفالها يصرخون ويبكون من هول الجريمة التي أفقدتهم والدهم. ثم ما لبثت الزوجة أن تمالكت نفسها، فقامت بإغلاق عيني زوجها، وسحبته إلى المطبخ حيث كانت تبيت العائلة، ومددت جثمانه في ذات المكان الذي كان ينام فيه منذ أن بدأ الغزو الإسرائيلي لمخيم جنين.

وأوهمت الزوجة والأم أطفالها أن والدهم لم يمت وإنما نائم لفترة طويلة من شدة التعب، وطلبت منهم عدم إزعاجه أو إفاقته من نومه. وأبلغت أبو ارميلة قسم الاسعاف والطوارئ في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بنبأ استشهاد زوجها، إلا أن سيارات الإسعاف لم تتمكن من الوصول الى المنزل على مدار سبعة ايام متواصلة، عاشت خلالها الزوجة برفقة أطفالها مع زوجها ووالدهم جثة هامدة بلا حراك.

وعلى مدار الأيام السبعة تمنت أبو ارميلة مئات المرات اللحاق بزوجها الشهيد على أن تعيش تلك الأيام التي كان أطفالها على مدارها دائمي السؤال عن والدهم. ولن تنس أبو ارميلة طيلة حياتها تلك الأيام خصوصاً عندما كان أطفالها يتقاتلون وكل منهم يتحدث إلى الآخر ببراءة، ويبلغه أنه سيشكوه إلى والده عندما يفيق من نومه، بينما كان رامي الابن الأصغر يحاول لعدة مرات أن يهز جثمان والده ويطلب منه أن يفيق من نومه ويشتري له الحليب.

وبعد انقضاء سبعة أيام على استشهاد أبو ارميلة تمكنت إحدى سيارات الإسعاف من الوصول إلى منزله،        ونقل جثته إلى مستشفى جنين الحكومي، ومن ثم دفن في مقبرة جماعية أعدها أهالي المخيم في الجهة الغربية منه.                                                                   صحيفة الأيام، بتاريخ 24/4/2002

 

 

وقد قالت منظمة الصليب الأحمر الدولية أن سلطات الجيش الإسرائيلي لم تستجب لطلبها إزالة القنابل والعبوات الناسفة التي ما زالت في مخيم جنين، وقد طلب رئيسا الصليب الأحمر ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" من إسرائيل تقديم العون في انتشال الفلسطينيين المحاصرين تحت الأنقاض في مخيم جنين، وقال بيتر هانسن رئيس الأونروا أن السلطات الإسرائيلية لم تسمح لطواقم الإنقاذ الدولية بدخول المخيم ومنعت تقديم علاج طبي لائق لسكانه. حيث استشهد الفتى مراد عبد الحكيم الغول (16 عاما) بتاريخ 17/5/2002 نتيجة انفجار لغم في مخيم جنين، وأصيب 14 فلسطينياً آخرين، معظمهم من الأطفال، في انفجار أجسام مفخخة بعضها إسرائيلي والبعض الآخر فلسطيني تم زرعها في المخيم.  

ب- البلدة القديمة في نابلس

الزائر لمدينة نابلس القديمة هذه الأيام يظن أن حرباً ضروساً حدثت في هذه الرقعة القديمة، فالخراب ينتشر في كل مكان من أرجاء البلدة القديمة، والشوارع تبدو وكأنها أخليت من ساكنيها، بيوت كاملة انهارت على رؤوس أصحابها، ومحال تجارية أصابها التدمير والنهب، وميادين قلبت رأساً على عقب، وبنية تحتية تحتاج إلى سنين حتى تعود إلى ما كانت عليه. مآذن وقباب سويّت بالأرض، مثل مسجد الخضرا في البلدة القديمة الذي انهار وتم تدميره. وقد سقط في البلدة القديمة في نابلس في شهر إبريل/ نيسان 2002 ما لا يقل عن 75 شهيداً عدا عن مئات الجرحى. كل هذا القتل والتدمير قامت به قوات الاحتلال الإسرائيلي، في نفس الفترة تقريباً التي جرى فيها ما جرى في مخيم جنين.

ولم تكن عمليات الجيش الإسرائيلي في البلدة القديمة في نابلس، ومخيم بلاطة المجاور، أقل حدة ووطأة على الفلسطينيين سكان هذه المناطق. فقد قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ تاريخ 3/4/2002 بشن حملة اجتياح كامل على مدينة نابلس ومخيماتها، خاصة في نابلس القديمة حيث قامت الدبابات الإسرائيلية تساندها المروحيات وطائرات (اف 16) الحربية بقصف المنازل والأماكن التاريخية الأثرية التي تعود إلى مئات السنين، ودمرت الكثير منها وحولتها إلى ركام، خاصة في حي "الياسمينة" حيث أخرجت القوات الإسرائيلية السكان من منازلهم وقامت بتلغيمها وتفجيرها، فيما استبسل المقاومون الفلسطينيون في الدفاع عن الحي. وقد عانى، ولا زال، سكان البلدة القديمة في نابلس والمخيمات القريبة، بلاطة وعسكر والعين، من أوضاع كارثية بسبب الدمار والحصار وفرض نظام منع التجول لفترات طويلة.

لقد عاشت مدينة نابلس ومخيماتها خلال السنة الثانية من عمر الانتفاضة فصولاُ متتالية من الاحتلال العسكري والتوغلات والاقتحامات والحصار ومنع التجول، والقتل والتخريب والتدمير، كل ذلك قامت به قوات الاحتلال الإسرائيلي. ومن تلك الفصول ما جرى بتاريخ 20/2/2002 حيث حصد الجيش الإسرائيلي أرواح عشرة فلسطينيين بينهم سبعة من قوات الأمن الوطني أثناء وجودهم على حاجز جنوب المدينة. وأفاد شاهد عيان، محمود بطة (21 سنة) أن الجنود الإسرائيليين اتخذوا مواقع لهم قرب الحاجز الفلسطيني وبدأوا بقنص الفلسطينيين واحداً تلو الآخر بدم بارد. وكان الجيش الإسرائيلي قد قام بتاريخ 6/11/2002  بقتل ثلاثة فلسطينيين من قرية دير استيا بدم بارد بعد أن أصابهم بجراح، وقد علّق "بوب جروسر ايدر" المدير العام للجنة الدولية للصليب الأحمر للصحافيين على الحادث بتاريخ 7/11/2002 فقال: "أنه شيء غير مقبول على الإطلاق. إنه لعمل وحشي بحق أن نمارس هذه الأشياء مع الجرحى أو الناس الذين يحتاجون رعاية الممرضين وسيارات الإسعاف".

عاشا أسبوعاً مع الموت!

مكث الزوجان المسنان شمسة وعبدالله شعيبي طيلة أسبوع كامل مدفونين تحت أنقاض منزلهم في نابلس ينتظران الموت بجوار جثث ثمانية من أفراد عائلتهما، وليس لديهما من زاد سوى زجاجة مياه وقليل من الطعام. عبد الله الشعيبي خباز متقاعد (71 سنة) ظلّ تحت أنقاض منزل ابن أخيه سمير مع زوجته خلال الفترة من 5 إلى 12 ابريل / نيسان 2002. لقد انهار منزل العائلة القديم المكون من طابقين عندما حاولت الجرافات الإسرائيلية فتح ممر لكي تتمكن الدبابات من الدخول إلى حارات القصبة الضيقة. ومن تلك اللحظة، لم يعد هناك فرق لدى عبد الله وشمسة، وهما مريضان بالقلب والسكري، بين الليل والنهار ففقدا الإحساس بالوقت وظلا لمدة ساعات طويلة يصليان ويبكيان. وفي يوم 12 نيسان وخلال فترة رفع نظام منع التجول التي استمرت ثلاث ساعات فقط، وجد الجيران جثة سمير أبن شقيق عبد الله ممددة أمام نافذة كان يحاول الفرار منها، فتأكد للجيران أن باقي أفراد العائلة موجودون تحت حطام المنزل. وفجأة سمع عبد الله أصواتاً تنطق بأسمه فعرف أنه أحد أصدقائه جاء يبحث عنه. وتحت أنقاض المنزل عثر أيضاً على جثث جد عائلة الشعيبي وزوجة سمير التي كانت حاملاً في الشهر السابع بالإضافة إلى أبنائه الثلاثة الذين تقل أعمارهم عن عشر سنين واثنتين من شقيقاته.

ويقول عبد الله: "لم أرَ في حياتي مثل هذا. لقد عاصرت العديد من الحروب من دون أن أشارك فيها، وأفراد عائلتنا من الخبازين البسطاء، فلماذا يدمرون حياتنا بهذا الشكل؟".

صحيفة القدس بتاريخ 22/4/2002

 

1/3) قتل الأطفال الفلسطينيين

خلال السنة الثانية من انتفاضة الأقصى سقط 160 طفلاً فلسطينياً تقل أعمارهم عن 18 عاماً شهداء على أيدي جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين. ورغم النداءات المتواصلة من منظمات وجمعيات حقوق الإنسان والهيئات الدولية للحكومة الإسرائيلية بضرورة وقف مسلسل قتل الأطفال الفلسطينيين، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحصل. فعلى سبيل المثال، طالب مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة (بتسيلم) بتاريخ 28/11/2001 الحكومة الإسرائيلية بالتحقيق في مقتل 147 طفلاً فلسطينياً، 79 منهم في قطاع غزة و68 منهم في الضفة الغربية. وقد طالب بيان صدر عن المركز الإسرائيلي بأن تشرع الشرطة العسكرية بالتحقيق في ملابسات قتل الأطفال بسبب قيام الجنود الإسرائيليين بإطلاق نار مخالف للأوامر العسكرية.

1)     تعترف الدول الأطراف بأن لكل طفل حقاً أصيلاً في الحياة.

2)     تكفل الدول الأطراف الى أقصى حد ممكن بقاء الطفل ونموه.

المادة3/ إتفاقية حقوق الطفل التي بدأ العمل بها في 2 أيلول/ سبتمبر 1990

 

وفي الوقت الذي كانت فيه بعض المحطات الإذاعية تشيع أجواءً احتفالية بمناسبة الذكرى الثانية عشرة لتوقيع اتفاقية حقوق الطفل، انشغلت المحطات الفضائية بمتابعة فاجعة استشهاد خمسة أطفال فلسطينيين في خانيونس بتاريخ 22/11/2001 حيث انفجر لغم مضاد للأفراد زرعه الجيش الإسرائيلي فحوّل أجساد الأطفال الخمسة  إلى أشلاء تناثرت على مساحة واسعة في المنطقة. والشهداء الخمسة هم: الشقيقان محمد وأكرم نعيم عبد الكريم الأسطل (12 و 6 سنوات) والشقيقان أنيس وعمر إدريس محمد الأسطل (10 و 13 سنة) ومحمد سلطان محمد الأسطل (12 عاما). وكان الأطفال الشهداء يسيرون في طريق ترابي يؤدي إلى مدرسة عبدالله صيام في حي الأمل في خانيونس عندما انفجر بهم اللغم. وأكد شهود عيان في المنطقة أن دبابة إسرائيلية توغلت في مناطق السلطة الفلسطينية فجر يوم 22/11/2001 وقام الجنود الإسرائيليون بزرع اللغم الأرضي المضاد للأفراد على جانب الطريق الترابي. وقد قال المواطن إدريس الأسطل (50 عاما) والد الشهيدين أنيس وعمر الذي بدا صابراً على فراق فلذتي كبده: "لقد تعرفت على أحد أطفالي في ثلاجة الموتى، وتعرفت على الآخر بصعوبة حيث لم يبق شيء من ملامحه إلا أنني تعرفت على وصل دفع رسوم المدرسة في جيبه ودفاتره وكتبه التي تم جمعها من المكان." 

والأمثلة على قتل جيش الاحتلال للأطفال الفلسطينيين كثيرة، نذكر منها إضافة إلى الخمسة في خانيونس، الطفلة رهام نبيل الورد (11 عاما) التي سقطت برصاص جندي إسرائيلي بتاريخ 18/10/2001 في ساحة مدرسة الابراهيميين في جنين. وهناك أوجه شبه كثيرة بين مقتل الطفلة رهام ومقتل الطفل محمد الدرة في بداية الانتفاضة، فالطفل الدرة احتضنه صدر أبيه ولكن لم ينجح في حمايته من رصاص الاحتلال، والطفلة رهام احتضنتها أختها عبير في ساحة مدرستهما ولكنها استشهدت بنفس الرصاص ونفس القتلة.

 

ولا يمكن أن نغفل عن توضيح أن القتل والتدمير والقصف الذي يمارسه جيش الاحتلال الإسرائيلي يترك آثاراً نفسية خطيرة على الأطفال الفلسطينيين، مثل حالات الفزع والخوف الشديد في الليل، والتبول اللا إرادي، والرغبة في الانطواء والعزلة، واللجوء إلى العنف.

 تعريف المجموعة  -  بيانات صحفية - الرقــيب -  مصادر و مراجع -  روابط ذات صلة - الصفحة الرئيسية