|
من مهام الحكومة الأساسية تطبيق
القانون وحماية أرواح وممتلكات وحقوق الناس التي هي مسئولة عن أمنهم. هذا
المبدأ متعارف عليه في القانون الدولي وكذلك في القانون المحلي في جميع
الديمقراطيات في العالم. أن واجب إسرائيل لا يقتصر على المواطنين
الإسرائيليين بل يمتد أيضاً ليشمل الفلسطينيين في المناطق التي تحتلها
إسرائيل، وعلى نفس القدر من المساواة. سوف يحاول هذا التقرير بيان مدى تجاوب
إسرائيل مع القانون الدولي من خلال فحص كيف يتعامل الجهاز القضائي الإسرائيلي
مع المدنيين الإسرائيليين والفلسطينيين الذين يسكنون في المناطق المحتلة
وقطاع غزة الذين يقتلون أفراداً من الجانب الآخر.
وللأسف النتيجة أظهرت أن إسرائيل فشلت
في حماية أرواح وحقوق الفلسطينيين. في دولة إسرائيل هناك نظامان قضائيان
منفصلان يعملان جنباً إلى جنب، واحد للإسرائيليين وآخر للفلسطينيين. كما سوف
نرى، فبينما تتم محاكمة ومعاقبة الفلسطينيين بأقصى الأحكام التي يجيزها
القانون، في المقابل لا يُحاكم الإسرائيليون الذين يقتلون الفلسطينيين إلا
نادراً، وإذا حدث ذلك، فأنهم يعاقبون بأحكام مُخففة جداً لا تتناسب مع ما
اقترفوه من جرائم. من الأمثلة على ذلك، التي سوف نأتي على ذكرها لاحقاً، هو
قضية الحاخام موشيه ليفنغر، الذي أدين في العام 1990 بتهمة "القتل بسبب
الإهمال" والتسبب بجروح خطيرة في حادثة اعتداء على مواطنين عرب. في البداية
صرّح ليفنغر أنه "لم ينل شرف قتل ذلك العربي"،
ثم اعترف أنه أطلق النار من مسدسه بعد أن ألقى عليه شبان فلسطينيون بعض
الحجارة فقتل تاجراً فلسطينياً كان يقف أمام دكانه. وعلى الرغم من تاريخه
الإجرامي الحافل إلا أن المحكمة الإسرائيلية حكمت على ليفنغر بالسجن فترة 12
شهراً، منها 7 أشهر مع وقف التنفيذ. ثم خرج من سجنه بعد ثلاثة أشهر فقط لأنه
"أدين بتهمة ثانوية".
(حسب ما جاء في صحيفة دافار بتاريخ 2/5/1990)
بالتأكيد ليس المقصود بمثل هذا الحكم
السخيف أن يردع القاتل عن تكرار جريمته، أو أن يردع إسرائيليين آخرين ممن
يكرهون العرب عن الحذو حذوه. إن هذا الفشل الواضح في معاقبة الإسرائيليين
الذين يرتكبون أفظع الجرائم ضد الفلسطينيين يُشكّل انتهاكاً لكل من القانون
الإنساني الدولي والقانون الأساسي الإسرائيلي
أ- القانون الدولي
أن الحق في الحياة هو من المبادئ
الأساسية في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان ولا يمكن انتقاصه أو تجاهله بأي
حال من الأحوال، وهذا ما نصّت عليه المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق
الإنسان:
(لكل فرد حق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه)
كما أن المادة 6 فقرة 1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية،
الذي صادقت عليه إسرائيل سنة 1991، تنص على:
(الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان. وعلى القانون أن يحمي هذا الحق.
ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا)
هناك حق أساسي آخر أقره القانون الدولي يتعلّق بهذا التقرير، وهو الحق في
الحصول على إنصافٍ فعال ضد الجريمة. وقد تم تأكيد هذا الحق في الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان، المادة 8 التي تنص على:
(لكل شخص حق اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة لإنصافه الفعلي من أية أعمال
تنتهك
الحقوق الأساسية التي يمنحها إياه الدستور أو القانون)
من خلال مصادقتها على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فإن
إسرائيل تتعهد بـ:
(احترام وكفالة جميع الحقوق للأفراد الموجودين في اقليمها والداخلين في
ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين،
أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو
النسب، أو غير ذلك من الأسباب)
المادة 2 فقرة 1
تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد:
(أ) بأن تكفل توفر سبيل فعال للتظلم لأي شخص انتهكت حقوقه أو حرياته
المعترف بها في هذا العهد، حتى لو صدر الانتهاك عن أشخاص يتصرفون بصفتهم
الرسمية.
(ب) بأن تكفل لكل متظلم على هذا النحو أن تبت في الحقوق التي يدعي انتهاكها
سلطة قضائية أو إدارية أو تشريعية مختصة، أو أية سلطة مختصة أخرى ينص عليها
نظام الدولة القانوني، وبأن تنمي امكانيات التظلم القضائي.
(ج) بأن تكفل قيام السلطات المختصة بانفاذ الأحكام الصادرة لمصالح
المتظلمين.
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادة 2، فقرة 3
بالإضافة إلى القانون الدولي المتعلق
بحقوق الإنسان، هناك القانون الإنساني الدولي الذي يجب أخذه بعين الاعتبار.
فإسرائيل تعتبر مواجهتها مع الفلسطينيين "صراعاً مسلحاً"، وإذا صحّ ذلك فهناك
تداعيات تتطلب ضمان توفر الحماية للسكان المدنيين، وفق ما جاء في اتفاقيات
جنيف المتعلقة بحماية السكان المدنيين وقت الحرب. فتحت عنوان "وضع الأشخاص
المحميين ومعاملتهم، تنص المادة 27:
(للأشخاص المحميين في جميع الأحوال حق الاحترام لأشخاصهم وشرفهم وحقوقهم
العائلية وعقائدهم الدينية وعاداتهم وتقاليدهم. ويجب معاملتهم في جميع
الأحوال معاملة إنسانية، وحمايتهم بشكل خاص ضد جميع أنواع العنف أو التهديد،
وضد السباب وفضول الجماهير.)
نستنتج أن اتفاقيات جنيف، التي تقول
أن السلطة التي تسيطر على منطقة ما تكون مسئولة عن ضمان تطبيق القانون
والنظام في تلك المنطقة، تفرض على إسرائيل واجب حماية حياة المدنيين الذين هم
تحت حكمها.
موقف إسرائيل القانوني هو أنها لا
تعترف بأن المناطق الفلسطينية "محتلة"، لأنها أخذت الضفة الغربية من الأردن
وقطاع غزة من مصر، وهاتان لم تكن سيطرتهما على المناطق ذات صبغة دولية معترف
بها. فالحكومة الإسرائيلية تقول أن كلمة "احتلال" يجب استخدامها فقط في حالة
خضوع المناطق بشكل قانوني لسيطرة دولة أخرى.
ب- القانون الأساسي الإسرائيلي عن
الكرامة والحرية الإنسانية
إن فشل إسرائيل في حماية المدنيين
الفلسطينيين يشكل انتهاكاً للقانون الإسرائيلي المحلي، وخرقاً لالتزامات
إسرائيل بالقانون الدولي. ومع أنه لا يوجد دستور مكتوب في دولة إسرائيل إلا
أنه يوجد فيها قوانين وأنظمة تضع الأسس العامة لهيئة الحكومة وحقوق الفرد.
وهذا موضّح في القانون الأساسي الإسرائيلي حول الكرامة والحرية الإنسانية
الذي تم اعتماده في 17 آذار 1992، وفي القسم الأول منه هناك نص صريح:
"أن حقوق الإنسان الأساسية في إسرائيل
مبنية على الاعتراف بقيمة الحياة الإنسانية، وقدسية حياته وحريته."
والقسم الثاني منه ينص على: "يجب أن لا يكون هناك أي انتهاك لحياة وشخص
وكرامة أي شخص." وقد تم التأكيد مجدداً على ذلك في القسم الرابع: "يجب
أن تتم حماية حياة جميع الأفراد وأشخاصهم وكرامتهم." أما القسم العاشر من
القانون فيطرح تطبيق هذه الحقوق الأساسية: "جميع السلطات الحكومية يجب أن
تلتزم باحترام الحقوق وفق القانون الأساسي."
|