تعريف المجموعة  -  بيانات صحفية - الرقــيب -  مصادر و مراجع -  روابط ذات صلة - الصفحة الرئيسية

 

السنة السادسة – العدد التاسع والعشرين - حزيران 2002 

النظام القضائي الاسرائيلي

                                   تمييز عنصري ضد الفلسطينيين         

  • دراسة حالات

سوف يركّز هذا التقرير على مفصلين أساسيين في عملية محاكمة المجرمين أمام القضاء الإسرائيلي وهما:

اتخاذ القرار بإغلاق القضية، أو عدم فتح أي تحقيق فيها، وإدانة المشتبه فيه.

القومية (عربي أو يهودي) تلعب دوراً أساسياً في هذين المفصلين.

أ- الفشل في القيام بالتحقيق بصورة مناسبة

منذ بدء انتفاضة الأقصى في 28 أيلول 2000 قام مستوطنون إسرائيليون بقتل سبعة مدنيين فلسطينيين. وفي إحدى المرات قام مستوطن يهودي بقتل فلسطيني كان ينزف جريحاً في البلدة القديمة بالخليل بتاريخ 22/12/2000، بعد أن أطلق شرطي إسرائيلي النار على الفلسطيني وأسمه نجيب عبيدو وأصابه وتركه ينزف، وقابل الشرطي ذلك المستوطن فأخبره بما حدث، فذهب المستوطن إلى حيث كان الفلسطيني ملقى وأجهز عليه.

لم تقم الشرطة الإسرائيلية بفتح أي تحقيق في كثير من الحالات إلا بعد أن تقدمت مؤسسات حقوقية إسرائيلية أو فلسطينية بطلب ذلك. فعلى سبيل المثال، قال المحامي ركيفت ليفين مسؤول العلاقات العامة في شرطة إسرائيل في رسالته إلى المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان أنه لم يتم فتح أي تحقيق في ظروف مقتل المواطن الفلسطيني مصطفى محمود عليان بتاريخ 14/11/2000 إلا بعد أن لفتت منظمة بتسيلم الحقوقية الإسرائيلية نظر الشرطة إلى تلك الواقعة في منتصف شهر آذار 2001.

وفي الحالات القليلة التي تم فيها فتح تحقيق، قامت الشرطة بتوقيف المشتبه فيهم ثم أفرجت عنهم بعد فترة وجيزة "لعدم كفاية الأدلة". ومفهوم "عدم كفاية الأدلة" هذا يصعب فهمه حيث أن كثيراً من الحالات تضمّنت وجود شهود عيان، لكن لم تقم الشرطة الإسرائيلية بسؤالهم أو أخذ إفادات منهم، منذ شهر أيار 2001.

بتاريخ 17/10/2000 قام مستوطنان إسرائيليان من مستوطنة ايتامار قرب نابلس بمهاجمة مجموعة المزارعين الفلسطينيين الذين كانوا في الحقول يقطفون ثمار الزيتون فقتلوا فريد نصاصرة وأصابوا ثلاثة آخرين. قامت الشرطة الإسرائيلية بتوقيف هذين المستوطنين لمدة خمسة أيام، ثم أفرجت عنهما "لعدم كفاية الأدلة".

حسب صحيفة هآرتس الإسرائيلية بتاريخ 22/11/2000

لكن أبن عم الشهيد، خالد عيسى نصاصرة أفاد بأن الجريمة حدثت أمام أعين جنود الجيش الإسرائيلي، وشاهد الحادثة مزارعون فلسطينيون آخرون. ومع ذلك، ينظر مكتب النائب العام في إغلاق ملف هذه القضية بحجة "صعوبة تكوين اتهام".

حسب صحيفة هآرتس بتاريخ 11/3/2001

والحالة الأكثر وضوحاً هي قضية تحرير سليمان رزق، وهو صبي فلسطيني من قرية حزما شمالي القدس قام مستوطن يهودي بتاريخ 31/12/2000 بقتله بإطلاق النار على رأسه. وقد قال والد تحرير، سليمان أن ثلاثة أو أربعة صبية من قرية حزما كانوا يلقون الحجارة على الطريق الالتفافي المؤدي إلى رام الله في ذلك اليوم، ومن الممكن أنهم أصابوا سيارة ذلك المستوطن. فقام ذلك المستوطن بالاستدارة في سيارته وهي ميتسوبيشي بيضاء ورجع وتوقف، ثم أطلق عشرة رصاصات من نافذة سيارته فأصابت إحداها الشهيد تحرير في رأسه من مسافة لا تزيد عن 10 أمتار.

على الرغم من وجود العديد من شهود العيان على جريمة قتل تحرير رزق، وأن هؤلاء الشهود قد أخبروا منظمات حقوق إنسان أنه بإمكانهم التعرّف على المستوطن القاتل، وأن هذه الحادثة لقيت تغطية إعلامية واسعة في الصحافة الإسرائيلية، إلا أنه بعد مرور عام كامل عليها لم تقم الشرطة الإسرائيلية حتى الآن بفتح أي تحقيق في القضية. ولم تقم عائلة الشهيد رزق بتقديم شكوى لدى الشرطة الإسرائيلية خشية أن يتم تشريح الجثة، وذلك مخالف لتعاليم الدين الإسلامي. 

   حسب مقالة عميرة هس في صحيفة هآرتس بتاريخ 2/11/200

وقد وقع خلاف بين شرطة الضفة الغربية الإسرائيلية وشرطة القدس الإسرائيلية حول مسؤولية أي منهما عن التحقيق في هذه القضية، وقد يكون هذا الخلاف مفتعلاً من أجل المماطلة في فتح تحقيق في القضية ويمر الوقت ولا يحدث شيء. فقد تلقت المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان في القدس رسالتين، واحدة من المحامي ركيفت ليفي من شرطة الضفة الغربية بتاريخ 26/3/2001 ، وأخرى من شموئيل بن روبي الناطق بأسم شرطة القدس، وقد ادّعى كل من الطرفين أن الطرف الآخر هو المسؤول عن التحقيق في قضية مقتل الصبي تحرير رزق.

مما سبق يتضح أن النظام القضائي الإسرائيلي يحرم المواطنين الفلسطينيين من أبسط حقوقهم، وهو الحق في الحصول على العَدل. إن فشل السلطات الإسرائيلية في ملاحقة من يعتدي على الفلسطينيين من الإسرائيليين والتحقيق في الجرائم التي ترتكب بحق الفلسطينيين يمثل انتهاكاً صارخاً في حقوقهم الأساسية.

ب- الفشل في المُحاكمة

فشل السلطات الإسرائيلية في حماية حق الفلسطينيين في رفع الظلم عنهم والوصول إلى العَدل يرافقه فشل في ملاحقة ومحاكمة المعتدين من المستوطنين بعد فتح التحقيق، ومن ثم إغلاق القضايا دون تقديم شرح أو تفسير لذلك. في دولة إسرائيل، للنيابة العامة أن تقرر إغلاق قضية ما بسبب إما "عدم كفاية الأدلة" أو "غياب الاهتمام العام". فالنيابة لها صلاحية النظر في مدى اهتمام الرأي العام بقضية ما، ومن ثم اتخاذ القرار المناسب، من وجهة نظرهم. وفي كثير من حالات القتل التي كان الضحايا فيها فلسطينيين قررت النيابة إغلاق الملفات لأن "الأدلة لم تكن كافية" مع أنه وجد شهود عيان فلسطينيين في معظم الحالات.

 

محمد شلش 

قامت الشرطة الإسرائيلية بتوقيف مستوطنين يهوديين أطلقا النار بتاريخ 17/12/2000 على رأس محمد شلش (18 سنة) فقتلاه من مسافة قصيرة جدا قرب رام الله، ثم أفرجت عنهما بعد بضعة أيام "لعدم كفاية الأدلة". على الرغم أنه جرى تشريح الجثة، ولا بدّ أن الشرطة الإسرائيلية قامت بفحص الرصاصة التي استقرت في رأس الضحية. وقد ردّ الضابط سامي بدعان من شرطة الضفة الغربية الإسرائيلية على استفسار المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان في شهر كانون أول 2001 عن سير التحقيق في هذه القضية، فكتب سطراً واحداً جاء فيه: (لقد تم فتح ملف للقضية التي أشرتم إليها، ثم أغلقت الشرطة الملف)، أي أن القضية أحيلت للنائب العام الذي أغلقها.

 

فائق سويدان

العامل الفلسطيني (19 سنة) من غزة، والذي كان يعمل داخل إسرائيل، كان يسير في منطقة حاجز ايرز العسكري بتاريخ 30/7/1989 متوجهاً إلى بيت حانون برفقة مجموعة من العمال الفلسطينيين عندما أطلقت عليه النار وقتل على الفور. التحقيق الذي أجراه مركز المعلومات الفلسطيني لحقوق الإنسان أظهر أن سيارة فولسفاجن بيضاء توقفت على جانب العمال وبدأ سائقها إطلاق النار عشوائياً على العمال فأصيب الشهيد سويدان في صدره وظهره، وتوفي خلال دقائق معدودة.

وفي وقت متأخر في ذلك اليوم، أوقفت الشرطة الإسرائيلية مستوطناً يدعى ديفيد شتيبي للإشتباه أنه هو من أطلق النار على سويدان وقتله. ويبدو أن سيارته تعرضت للرشق بالحجارة وكان معه حفيداه داخل السيارة، فرد بإطلاق النار، أولاً في الهواء على حد قوله، وادّعى أيضاً أنه لم يعلم أن أحداً قد أصيب.             حسب صحيفة هآرتس بتاريخ 31/7/1989

ثم اعترف شتيبي أنه أطلق النار على مجموعة من راشقي الحجارة، لكنه تعثّر وهو يطلق النار، ولا يعلم بالضبط إذا كان أصاب أحداً منهم. لكن المحكمة اللوائية في بئر السبع أمرت بتاريخ 1/8/1989 بتوقيف شتيبي لمدة ثلاثة أيام، بعد أن أفاد جندي إسرائيلي كان شاهداً على الحادث، أن "المستوطن شتيبي أطلق النار دون أن يكون هناك أي استفزاز، حيث لم يكن في المكان أي رشق حجارة من الفلسطينيين كما ادّعى المستوطن الذي أطلق النار".

وعندما أخبرت الشرطة القاضي أن القضية تم تحويلها من القتل غير العَمد، إلى القتل بسبب الإهمال، قال القاضي شموئيل منتزر: "أن شهادة الجندي تجعل شتيبي متهماً بجريمة أخطر من ذلك."                                         حسب صحيفة حداشوت بتاريخ 2/8/1989

وفي جلسة المحكمة بتاريخ 2/8/1989 أصبح واضحاً أن الشرطة الإسرائيلية لم تستجوب أي من شهود العيان الفلسطينيين، وعلى الرغم من ذلك، أفرجت الشرطة عن المتهم شتيبي بكفالة مالية بلغت 50 ألف شيكل بعد أن أتمت التحقيق معه.

بتاريخ 21/1/1990 حوّلت الشرطة ملف القضية إلى مكتب النائب العام مع التوصية بمحاكمة القاتل، لكن مكتب النائب العام قرر إغلاق القضية لعدم كفاية الأدلة، وبات واضحاً أنه لم يتم سؤال أي من شهود العيان الفلسطينيين. ثم تبين أخيراً أن ملف القضية قد "ضاع". حسب ما ورد في رسالة مساعد النائب العام شاي نتزان إلى مركز حقوق الإنسان الإسرائيلي "بتسيلم" بتاريخ 5/1/1990.

 

محمود محمد النواجعة

هو مزارع فلسطيني يبلغ من العمر 55 عاماً، قتله مستوطن يهودي بتاريخ 7/6/1991 بإطلاق النار عليه، بينما كان يرعى قطيع أغنام له قرب مستوطنة سويسا في قطاع غزة. وقد افاد شاهد عيان فلسطيني، جابر حمد نواجعة، أن مستوطناً يهودياً كان يمتطي صهوة حصان أطلق النار على الشهيد وقتله بعد أن طلب من الرعاة أن يغادروا المنطقة.

ومع أن صحيفة دافار الإسرائيلية ذكرت بتاريخ 9/6/1991 أن النواجعة قتل خلال مواجهة مع مستوطن طلب من المزارعين الفلسطينيين أن يتركوا المكان، إلا أن صحيفة هآرتس ذكرت في نفس اليوم أن يهودياً يدعى باروخ يلين من مستوطنة سويسا تم توقيفه على خلفية حادث القتل. وقد أوقفت محكمة إسرائيلية في القدس المشتبه به 12 يوماً، حيث قال القاضي ديفيد فرنكل "أن المشتبه به لم يتبع الخطوات التحذيرية الواجب أن يلتزم بها، بل أطلق النار على الراعي الفلسطيني دون سابق إنذار". فيما أخبر مسؤول التحقيق رفائيل مزراحي القاضي أن لدى الشرطة من الأدلة ما يكفي لإدانة المتهم.

بتاريخ 12/6/1991 أفاد نائب قائد الشرطة الإسرائيلية في الضفة يوسي برتغال لصحيفة هآرتس أن التحقيق في حادث قتل النواجعة سوف يستكمل خلال بضعة أيام. ثم مدّدت محكمة القدس بتاريخ 20/6/1991 توقيف المشتبه به (يلين) فترة 8 أيام أخرى وقالت أنه من الصعب على المحكمة الإفراج عنه بكفالة لأن هناك احتمالاً قوياً أن يحاكم بتهمة القتل العَمد.

      حسب صحيفة يديعوت أحرونوت بتاريخ 21/6/1991

بتاريخ 10/7/1991 وجهت إلى يلين تهمة القتل غير العَمد، وأفرج عنه بكفالة. ثم بعد مرور سنتين وبالتحديد بتاريخ 25/4/1993 صرّح مدير التحقيق في الشرطة الإسرائيلية يوني تسيوني أن ملف القضية تم تحويله إلى مكتب النائب العام الذي قرر إغلاق القضية "لعدم كفاية الأدلة".

حسب تقرير مركز بتسيلم حول تطبيق القانون فيما يخص المدنيين الإسرائيليين في المناطق المحتلة، في سنة 1994

إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن 50% من جرائم القتل التي يكون فيها القاتل يهودياً والضحية فلسطينياً إما لا يفتح فيها أي تحقيق أو يتم إغلاق الملف دون أي إجراء عقابي، بينما النسبة تنخفض إلى 10% إذا كان القاتل فلسطينياً والضحية إسرائيلياً، فإن ذلك يظهر بكل وضوح أن هناك عدم مساواة في المعاملة.

ج- محاكمات تنتهي بأحكام غير ملائمة بتاتاً

في الحالات النادرة التي حوكم فيها إسرائيليون وأدينوا على ارتكابهم جرائم قتل بحق مدنيين فلسطينيين، صدرت ضدهم أحكام مخففة لا تتناسب مطلقاً مع جرائمهم وأفعالهم الخارجة عن القانون.

بتاريخ 15/12/1993 قال العقيد مئير كاليفي قائد لواء الخليل في الجيش الإسرائيلي لصحيفة يديعوت أحرونوت: "الذي يزعجني أكثر من أي شيء آخر هو النظام القضائي. فالجيش يقوم بكل ما يطلب منه، نحن نعتقل يهودياً قام بمخالفة، فيذهب للمحاكمة، لكن القاضي يفرج عنه. ليست هناك عدالة كاملة. وحينما تغيب العدالة ويغيب العقاب، لا يكون هناك ردع، وتتكرر الاعتداءات."

الحاخام موشيه ليفنغر

بتاريخ 30/9/1988 عند الساعة العاشرة صباحاً، كان الحاخام اليهودي المتطرف موشيه ليفنغر راكباً في سيارته التي قادها ابنه ومعهما أفراد آخرون من العائلة. وحينما كانوا في وسط مدينة الخليل، رشقت السيارة ببعض الحجارة فتحطم الزجاج الأمامي. فاتصل ليفنغر بالشرطة وبالجنود الإسرائيليين وطلب منهم إرسال قوة إلى المكان، وظلّ بجوار السيارة ينتظر وصول الجنود. في هذه الأثناء تواصل رشق الحجارة من جانب مجموعة من الصبية الفلسطينيين، فما كان من ليفنغر إلا أن أخرج مسدسه الخاص من نوع (باريتا 9ملم) وأطلق عدة عيارات في الهواء، فتوقف رشق الحجارة من الناحية الشمالية، فتقدم ليفنغر جنوباً.

كان التاجر الفلسطيني خالد صلاح صاحب محل لبيع الأحذية في السوق في وسط مدينة الخليل واقفاً خارج محلّه يعرض بضاعته على زبون يدعى ابراهيم بالي. قام صبية فلسطينيون برشق الحجارة باتجاه الحاخام ليفنغر في تلك المنطقة، فأطلق ليفنغر النار ناحيتهم من مسافة لا تزيد عن 15-20 متراً وهو يمدّ ذراعه إلى الأمام، دون أن يراعي كون الشارع مزدحماً بالمارة والبائعين. أصيب خالد صلاح بعيارات نارية قاتلة، وجرح ابراهيم بالي. وواصل ليفنغر ثورة غضبه فهاجم بسطات الخضار والفواكه وخرّب كثيراً وطلب من أصحاب المحلات أن يغلقوها.

تم اعتقال ليفنغر، والتحقيق معه ثم أفرج عنه بكفالة. في نيسان 1989 وجهت له تهمة القتل غير العَمد والتسبب بجراح جسدية خطيرة وخراب كبير. بدأت محاكمة ليفنغر بتاريخ 22/5/1989 في المحكمة اللوائية في القدس، وقال ليفنغر أنه غير مذنب في أي من التهم الموجهة إليه. وبعد أن تقدم الدفاع عن ليفنغر بطلب عقد صفقة مساومة مع مكتب النائب العام في القدس، أدين ليفنغر بتهمة القتل بسبب الإهمال والتسبب بجراح جسدية خطيرة وخراب كبير.

أن تهمة القتل بسبب الإهمال هي الأقل بين المستويات الثلاث لجرائم القتل التي نصّ عليها القانون الجنائي الإسرائيلي، بعد القتل المتعمد والقتل غير العَمد. وهناك تباين كبير في العقوبات القصوى لكل من هذه التهم:

فالقتل المتعمد عقوبته السجن مدى الحياة، والقتل غير العَمد عقوبته السجن 20 سنة، بينما القتل بسبب الإهمال عقوبته السجن ثلاث سنوات، ناهيك عمّا يصاحب كلّ من هذه التهم من جوانب نفسية ومعنوية.

وعندما سئل الحاخام ليفنغر عن إدانته أجاب: "أن تغيير التهمة حسب ما تمت إدانتي إلى تهمة أقل خطورة تتعلّق بأنني لم آخذ حذري جيداً حينما أطلق النار ... أن أساس التهمة الموجهة لي الآن أنني لم أطلق النار بدقة حينما كنت في حالة خطر."

        حسب ما جاء في صحيفة دافار بتاريخ 2/5/1990

أن طلب المساومة الذي قدّم إلى ليفنغر يطرح عدة أسئلة، أهمها أنه لماذا تم تغيير التهمة إلى درجة أقل، إلى تهمة القتل بسبب الإهمال، فيما تفاصيل الجريمة كانت تشير بوضوح إلى أنها جريمة القتل غير العَمد، وهي التي اعترف ليفنغر بدايةً أنه ارتكبها. وحسب ما جاء في قانون العقوبات الجنائية الإسرائيلي فإن تهمة القتل غير العَمد تقوم على أساس الإهمال الكبير، وعدم المبالاة تجاه سلامة الآخرين (أي أن المتهم علم درجة الخطر التي قد يسببها تصرفه، لكنه تمادى ولم يكترث). والفارق هنا، هو أن المتهم كان يدرك حجم الخطر الذي قد يتسبب فيه ومع ذلك لم يكترث، بينما في تهمة القتل بسبب الإهمال، لا يكون المتهم على دراية أو مدركاً لما قد يتسبب فيه من ضرر.

أضف الى ذلك، أن الحاخام ليفنغر أطلق النار بدون تحكّم تام نحو المحلات التجارية والممرات على جانبي الشارع في وسط السوق بوجود الكثير من المارة. أن إطلاق النار في شارع مزدحم بهذا الشكل يعتبر عملاً خطيراً جداً يدل على "إهمال عام كبير"، وليس "إهمالاً بسيطاً". وحقيقة أن ليفنغر أطلق النار أولاً في الهواء بعد تعرضه للرشق بالحجارة، تظهر أنه كان يعلم خطر إطلاق النار بصورة أفقية نحو الناس. كما أن ليفنغر نفسه قال في شهادته أمام المحكمة أنه تدرّب جيداً على استخدام الأسلحة، أي أنه يدرك خطر إطلاق النار وهو يمدّ ذراعه إلى الأمام. على اقل تقدير، سلوك ليفنغر بذلك الشكل بيّن عدم اكتراثه بالعواقب، وذلك العنصر العقلاني يشير بوضوح الى جريمة القتل غير العَمد، وليس القتل بسبب الإهمال.

وفوق كل ذلك، أن تاريخ الحاخام ليفنغر الحافل بعدائه للعرب وتكرار الاعتداء عليهم وعلى ممتلكاتهم، حيث أدين في سبعة حوادث سابقة بالاعتداء على مواطنين فلسطينيين وتخريب ممتلكاتهم، وتصريحاته المتكررة ضد العرب، ذلك مؤشر في حد ذاته. وقد صرّح الحاخام ليفنغر مباشرة بعد ارتكابه تلك الجريمة في مؤتمر صحافي: (بالنسبة للحادث نفسه، أن النيابة تعلم أنني بريء وأنني لم أحصل على شرف قتل ذلك العربي. ذلك لا يعني بالضرورة أنني لم أرد أن أقتله، أو أنه لم يستحق أن يموت، لكنني لم أتشرف بقتله.)

   حسب تقرير مركز حقوق الإنسان الإسرائيلي "بتسيلم" سنة 1994

لقد ظهر التعارض بصورة واضحة بين حقائق القضية كما حصلت، والمساومة التي حدثت في المحاكمة، فالنيابة قالت في المحكمة أن "المتهم اعترف بالتهمة الأولى التي وجهت إليه، وسلوك ليفنغر كان مقصوداً، فهو اختار وقرر أن يطلق النار بتلك الطريقة." ولكن المستغرب من موقف النيابة، أنه رغم وصفه للطريقة التي أطلق فيها ليفنغر النار، والتي أكد فيها التعمّد، إلا أن النيابة وافقت على تخفيض الحكم من ثلاث سنوات سجن وهي العقوبة القصوى للقتل بسبب الإهمال، إلى السجن 18 شهراً وفترة أخرى مع وقف التنفيذ.  

لكن قاضياً لمحكمة شالوم برينر أصدر في النهاية حكماً بالسجن لمدة 12 شهراً منها 7 أشهر مع وقف التنفيذ، أي أن ليفنغر حُكم بالسجن الفعلي خمسة أشهر فقط. وقد فسر القاضي ذلك الحكم بأن الحاخام ليفنغر "شخص معروف وأب لأحد عشر طفلاً، وأن اهتمامه بالمجتمع لفترة تزيد عن 20 عاما جعله محط اهتمام المحيط الذي يعيش فيه. كما عبّر القاضي عن إيمانه بأن ليفنغر تصرف بذلك الشكل تحت ضغط وخوف من وقوع الأذى عليه، وذلك قلّل من قدرته على التركيز. وقد رفض القاضي برينر طلب الحاخام ليفنغر أن يقضي فترة عقوبته في خدمة المجتمع بدلاً من السجن.

   حسب ما جاء في محضر المحكمة التي عقدت بتاريخ 1/5/1990

أن تلك العقوبة لا تردع يهوداً متطرفين آخرين عن القيام باعتداءات وجرائم ضد الفلسطينيين. ومع أن العقوبة النهائية كانت أقل مما طلبته النيابة الإسرائيلية، إلا أن النيابة لم تستأنف ضد الحكم. وقد منح الحاخام ليفنغر فترة أسبوعين كي"يحضّر نفسه" قبل أن يبدأ فترة السجن. دخل ليفنغر سجن إيال في إسرائيل بتاريخ 14/2/1990 ثم أفرج عنه بتاريخ 14/5/1990 بعد ثلاثة أشهر، حيث تم تخفيف ثلث المدة بسبب "حسن السلوك". وقد احتفل أنصاره بخروجه من السجن.

بتاريخ 25/2/1994 عندما قام المتطرف باروخ غولدشتاين بقتل 29 فلسطينياً وهم يصلّون داخل الحرم الإبراهيمي في الخليل، سئل الحاخام ليفنغر فيما إذا كان يشعر بالأسف لتلك الجريمة، فأجاب: "أنا لستُ آسفاً للقتلى العرب فقط، بل أنا آسف أيضاً للقتلى من الذباب".       حسب ما جاء في كتاب التعصّب اليهودي في إسرائيل، سنة 1999، صفحة 100

 

بواز موسكوفيتش

بتاريخ 18/2/1991 حوالي الساعة السادسة والنصف مساءاً، كان المستوطن اليهودي بواز موسكوفيتش يقود سيارته وحيداً في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وعندما وصل إلى مدخل بلدة بيت ساحور قابله حاجز من الحجارة يعترض طريقه، فتوقف ونزل من سيارته وهو يحمل سلاحه (رشاش اوتوماتيكي من طراز إم 16) ثم أطلق موسكوفيتش عيارين ناريين في الهواء.

كان الفتى ابراهيم حنا مصلح إبن الخمسة عشر ربيعاً يجلس مع عائلته على شرفة المنزل، وحالما سمعوا إطلاق النار، هرعوا إلى الداخل. فدخلت إحدى رصاصات موسكوفيتش من نافذة المطبخ وأصابت ابراهيم في رأسه، وتوفي بعد دقائق في المستشفى.

بينما لم يكن واضحاً من تفاصيل الجريمة فيما إذا كان بإمكان موسكوفيتش أن يدور ويمر من الحاجز، إلا أن حقيقة أنه أكمل سيره إلى حيث وجهته تشير إلى أن الحاجز الحجري لم يمنعه من مواصلة مشواره. وحتى لو أغلقت الحجارة الطريق بشكل كلي، كان بإمكانه أن يستدير في سيارته ويرجع من حيث أتى.

الإفادات التي أخذها محامون إسرائيليون من أمثال ابراهام غال ويوسف ليفي، ونتيجة تشريح الجثة، أظهرت أن الحادث كان خطيراً، ولم يكن بمثل ما توصّلت إليه المحكمة. فحسب تلك الإفادات، أوقف موسكوفيتش سيارته بالقرب من كومة الحجارة، ونزل منها، وأطلق رصاصتين في الهواء، ثم أزاح الحجارة بحذائه. بعد أن نظف الطريق أمام سيارته، صوّب سلاحه نحو المنازل العربية في المكان، وأطلق رصاصة باتجاه نافذة منزل كانت الضوء فيها مضاءً. أطلق موسكوفيتش ست رصاصات، اثنتان في الهواء، ثم الأربعة الأخرى على أهداف معينة. وبالطبع كونه خدم فترة 18 شهراً في الجيش الإسرائيلي، لا بدّ أنه كان يعرف ويدرك خطورة إطلاق النار في منطقة سكنية.

         حسب ملف القضية رقم 1440/92 "دولة إسرائيل ضد موسكوفيتش"

في البداية أتهم موسكوفيتش بجريمة القتل غير العَمد، ثم تم تخفيف التهمة إلى القتل بسبب الإهمال. وقالت القاضية روث أور موضحة ذلك في نص قرار المحكمة: "النيابة لم تجادل في أن المتهم أطلق النار بنيّة القتل، وربما ذلك السبب هو الذي دفعها إلى القبول بالمساومة وتخفيف التهمة إلى القتل بسبب الإهمال."

لكن الإدانة بجريمة القتل غير العَمد لا تتطلب وجود النية في القتل، فيكفي وجود إمكانية التسبب في الضرر الجسدي، الذي قد يؤدي إلى الموت. إطلاق النار على منزل واضح أنه مأهول، دون أن يكون مطلق النار في وضع خطر، يشير إلى إهمال عام كبير وعدم اتخاذ الحيطة المعقولة، وذلك كافٍ لتوجيه تهمة القتل العَمد. إن كون موسكوفيتش أطلق النار في منطقة سكنية بطريقة واضح فيها عدم اكتراثه بالعواقب يؤسس مبدأ القتل غير العَمد، لذلك فإنه من الصعب فهم لماذا وافقت النيابة على تخفيف التهمة إلى القتل بسبب الإهمال.

كما أن من الصعب فهم حقيقة أن النيابة العامة في الدولة وافقت، ضمن المساومة مع المحكمة، على أن يتم الطلب عدم تجاوز عقوبة السجن سبعة أشهر، وهي عقوبة تشير إلى عدم احترام كامل لقيمة حياة الفلسطينيين وهي بلا أدنى شك لا تردع بواز موسكوفيتش وأمثاله من المتطرفين اليهود عن القيام بجرائم واعتداءات ضد الفلسطينيين.

القاضية أور حكمت على موسكوفيتش بالسجن لفترة خمسة أشهر خدمة مجتمعية في مستشفى هداسا، قسم الكمبيوتر، و18 شهراً آخر مع وقف التنفيذ. وقالت القاضية في إصدارها الحكم أن "المتهم لم يطلق النار من أجل أن يصيب أحداً، وبالتأكيد لم يطلق النار من أجل أن يقتل". بالطبع لم يدُر في تفكير القاضية أنه طالما أن موسكوفيتش لم يقصد أن يصيب أحدا، فلماذا وجّه نيرانه صوب المنازل المأهولة؟  وفي شرحها العقوبة، قالت القاضية أور أن قضية الحاخام ليفنغر تعتبر سابقة، وهي أخطر بكثير، حيث أنه أطلق النار في وضح النهار وكان هناك جنود في المكان، بينما موسكوفيتش كان وحده، وفي الليل، وأطلق النار من مسافة ليست قصيرة. وقد خلصت القاضية إلى القول: "أنه من المستحيل منع شخص من إطلاق النار بشكل تام إذا شعر أن حياته في خطر."

وفي سابقة هي الأولى من نوعها، أمرت المحكمة الإسرائيلية في القدس، بعد عشر سنوات من وقوع الجريمة، القاتل موسكوفيتش بدفع مبلغ 156 ألف شيكل (ما قيمته 39 ألف دولار أمريكي) كقصاص تأديبي، إلى عائلة الضحية.

يورام سكولنيك

أدين يورام سكولنيك بتهمة قتل فلسطيني متعمداَ في شهر آذار 1993، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة، بعد أن أطلق النار من مسافة قريبة جداً على  موسى أبو صبحة، المعتقل الفلسطيني ابن العشرين سنة وهو مكبّل اليدين. لكن القاتل سكولنيك خرج من السجن بتاريخ 18/2/2000 بعد أن أمضى فترة سبع سنوات ونصف.

قام الرئيس الإسرائيلي السابق عيزرا وايزمن مرتين بتخفيض الحكم على سكولنيك:

المرة الأولى في سنة 1997 حيث تم تخفيض الحكم من السجن مدى الحياة إلى السجن لفترة 15 سنة، والمرة الثانية في كانون ثاني 1999 حيث تم تخفيض الحكم إلى 11 سنة وثلاثة أشهر. أي أنه كان من المفروض أن يتم الإفراج عن سكولنيك بتاريخ 22/6/2004.

من المعروف والمألوف أن يقوم رؤساء إسرائيل بتخفيض العقوبات التي يحكم بها على المستوطنين اليهود. فعلى سبيل المثال، في سنة 1984، حكم على 25 متطرفاً يهودياً بالسجن مدى الحياة لمحاولتهم تفجير خمس حافلات عربية في القدس الشرقية، ومحاولةتفجير المسجد الأقصى المبارك لكن أفرج عنهم جميعهم في سنة 1992 بعد أن أمر الرئيس الإسرائيلي حاييم هيرتصوغ بتخفيض عقوبة السجن.

على أية حال، قررت سلطات السجن الإفراج المبكر عن سكولنيك في العام 2000 بعد أن أمضى ثلثي فترة السجن المخفضة. وقد فسّرت سلطة السجن قرارها بالقول: "لقد أبدى السجين أسفه الشديد على ما قام به، وحسب ما أظهره سكولنيك، فقد كان الحادث نوبة غضب ليس أكثر، وهو قد تعلّم الدرس جيدا. وخلال فترة سجنه كان سلوكه حسناً ولم تشبه شائبة. ومجلس سلطة السجن مقتنع أن السجين قد أخذ عقوبة السجن بجديّة تامة." وقد ورد في ملحق صحيفة هآرتس الأسبوعي بتاريخ 25/5/2001 على لسان رئيس مجلس سلطة السجن ايلي شارون أن المقياس الذي يأخذه بعين الاعتبار حينما ينظر في تخفيف العقوبة عن أي سجين هو ماضي ذلك السجين الإجرامي، وفرص إصلاحه المستقبلية.

لقد أثار قرار الإفراج المبكر عن سكولنيك ضجة عامة، وقدّمت عدة طلبات استئناف ضد هذا القرار لدى المحكمة العليا من أجل الرجوع عن ذلك. وقد انتقد المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية الياكيم روبنشتاين قرار الإفراج المبكر عن سكولنيك حيث قال: "لقد أخطأت سلطة السجن في عدم رؤيتها أن الإفراج عنه قد يضر بالأمن العام وسلامة المجتمع. فحالة عدم الاتزان في شخصية سكولنيك لم تتغير لدرجة تجعلنا نضمن أن لا يعود إلى فعلته إذا أتيحت له الفرصة."                                              ملحق صحيفة هآرتس بتاريخ 25/5/2001

أوقفت المحكمة العليا قرار الإفراج المبكر عن سكولنيك، حيث قررت في نيسان 2000 أن سكولنيك ما زال يشكل تهديداً على العامة. لكن خلال أقل من عام واحد أصبح سكولنيك مرة أخرى لائقاً للإفراج المبكر، فوافق مجلس سلطة السجن على ذلك، شريطة أن يسكن داخل الخط الأخضر ولا يدخل المناطق المحتلة. وفي هذه المرة لم يعارض المستشار القضائي للحكومة قرار الإفراج المبكر، ويبدو أنه لم يعد يرى في سكولنيك خطراً على العامة. وقد جاء في رسالة بعث بها عضو الكنيست غال-أون إلى المستشار القضائي للحكومة أنه "من غير المقبول أن لا يمانع المستشار القضائي للحكومة مثل هذا الأمر مع أن أبسط قواعد الديمقراطية والمبادئ اليهودية تقول (لا تقتل) وقد تم انتهاك ذلك بكل وقاحة".

                                                     ملحق صحيفة هآرتس بتاريخ 25/5/2001

ولم تعارض الشرطة قرار الإفراج المبكر عن سكولنيك، ولو أنها فعلت ذلك لتم ايقاف القرار، كون رأي الشرطة بأن السجين قد يضر بالنظام العام، يلغي مبدأ الإفراج عنه لحسن سلوكه.

لكن اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل قدّمت استئنافاً لدى المحكمة العليا ضد قرار الإفراج المبكر عن سكولنيك أوضحت فيه أن السجين ما زال يشكل خطراً على الأمن العام وأن الإفراج عنه قد "يشجع متطرفين يهوداً آخرين على الحذو حذوه".

                                                           صحيفة هآرتس بتاريخ 8/1/2001

وقد قبلت المحكمة العليا الإستئناف المقدم من اللجنة بعد أن قررت تشكيل لجنة من سبعة قضاة للنظر في قرار مجلس العفو المشروط بخصوص الإفراج المبكر عن سكولنيك. وقد جاء على لسان أحد القضاة، وهو ميخائيل غيشين، ما يلي: "إن حياة الإنسان ذات قيمة عالية جداً في نظري، ولن يسمح لي ذلك أن أوافق على قرار الإفراج المبكر الذي وافقت عليه هيئة العفو المشروط."

  صحيفة هآرتس بتاريخ 19/2/2001

أصبح سكولنيك حراً طليقاً بتاريخ 18/2/2001. وقد علّق وزير العدل الإسرائيلي آنذاك يوسي بيلين عن عدم رضاه شخصياً حول تخفيض عقوبة السجن على رجل قام بارتكاب جريمة وضيعة.                                    

  صحيفة هآرتس بتاريخ 19/2/2001

ناحوم كورمان

بتاريخ 27/10/1996 قام هذا القاتل اليهودي بضرب الطفل الفلسطيني حلمي شوشة (12 سنة) على رأسه بمسدسه حتى الموت. كان كورمان يعمل حارس أمن في مستوطنة هدار الإسرائيلية عندما تعرض للرشق بالحجارة من مجموعة من الصبية الفلسطينيين بالقرب من قرية حوسان جنوبي بيت لحم، فلحق بهم وأمسك بالشهيد حلمي شوشة وقتله.

وجهت إلى كورمان تهمة القتل بطريقة عفوية "بالصدفة"، حيث ادّعى كورمان أن شوشة "انهار وسقط على الأرض". لكن أقوال شاهدي عيان وتقرير الأخصائي يهودا هاس وهو طبيب قام بفحص الجثة، تعارضت مع ما قاله القاتل. 

فقد قال ابراهيم شوشة، إبن عم الشهيد وشاهد عيان على ما حدث لم يكن يبعد سوى ثلاثة أمتار عن مكان الجريمة، أنه شاهد حلمي يهوي على الأرض بعد أن ضربه كورمان بقوة على رأسه. وقد أكد فلسطينيون آخرون قامت الشرطة باستجوابهم هذه الأقوال. فقد قام كورمان بضرب الشهيد على رأسه فسقط على الأرض، فدعس كورمان بحذائه العسكري على عنق الطفل، ثم ضربه مرة أخرى على رأسه وهو ملقى على الأرض. وقد أكّد تقرير التشريح الجنائي أن سبب الوفاة كان ضربة قوية على الرأس، واستبعد أن يكون سبب الوفاة السقوط لأن تجمع الدم في الدماغ كان في ناحية أو جانب واحد.

في نهاية المحاكمة التي استمرت ثلاث سنوات، وجدت القاضية روث أور في محكمة القدس اللوائية أن المتهم كورمان بريء من التهمة الموجهة إليه، وقد استندت في قرارها هذا على "عدم ثبات" أقوال شهود العيان، و"عدم شمولية" تقرير التشريح الجنائي. وقالت القاضية أنه "لا يوجد سبب يدعوها للاعتقاد أنه حدث اشتباك (اتصال) جسدي بين المشتبه فيه والضحية. وأنه يوجد تفسيرات منطقية للجروح التي وجدت على جسد الضحية كما بيّنها تقرير التشريح، إذا أخذنا بعين الاعتبار المنطقة التي سقط فيها الطفل وهي مليئة بالحجارة وقطع الحديد والقاذورات. ثم أن نقل الضحية في سيارة جيب في طرق وعرة وتدخل الناس لتقديم المساعدة، والجهود التي بذلت للحفاظ على حياة الضحية، كل ذلك لا يمكن أن يؤكد أن وجود المشتبه فيه في موقع الحادث يعني أنه قد تسبب في سقوط الفتى وبالتالي وفاته."

     نص قرار المحكمة، قضية: دولة إسرائيل ضد ناحوم كورمان، صفحة358

وقد أضافت القاضية: "من الجائز أن سبب انقطاع الشريان في الدماغ –وهو ما بيّنه تقرير تشريح الجثة- عائد إلى خلل خلقي كان الطفل مصاباً به" مع أن تقرير التشريح نفسه لم يذكر أي وجود لأي خلل خلقي. واستخلصت القاضية أور أنه لا يوجد تفسير منطقي يجعلها تؤمن بأن من الممكن أن يكون المشتبه فيه قد ارتكب مثل تلك الجريمة البشعة.

لكن عندما قام الطبيب يهودا هاس الخبير بعلم الأمراض بزيارة موقع الجريمة وجد أنه لا يمكن أن يكون شيء قد اصطدم برأس الضحية وسبب الوفاة بالطريقة التي حدثت، وهذا ما بيّنه بوضوح في تقرير التشريح الذي أعدّه وقدمه للمحكمة.

قامت النيابة العامة بالاستئناف على قرار محكمة القدس الإسرائيلية لدى المحكمة العليا التي رأت أن كورمان مذنبٌ بجريمة القتل غير العَمد من الدرجة الثانية، وأعادت القضية إلى محكمة القدس للحكم في العقوبة. وقد جاء في رأي المحكمة العليا أن القاضية أور اعتمدت في حكمها أن المتهم بريء على درجة خاطئة من الأدلة. "درجة تحديد أدلة الإثبات يشار إليها بدرجة وجود الشكّ وهي قوية، لذلك إمكانية البراءة غير واردة، وهي لا يجب أن، تقوم على أساس منطق عقلاني يفترض وجوده، بل يجب أن تعتمد على ما هو موجود وملموس."

      رأي المحكمة العليا في قضية: دولة إسرائيل ضد ناحوم كورمان

المحكمة العليا قالت أنه لم يتواجد في موقع الجريمة سوى القاتل كورمان، وأنه لا يمكن أن يكون الطفل شوشة قد عانى من خلل خلقي أدى إلى وفاته. وقد جاء على لسان القاضي بينيش في قرار المحكمة العليا أنه: "من حيثيات القضية لا يمكن لي إلا أن أؤيد فكرة أن كورمان قد ضرب الطفل وتسبب في وفاته."

لكن المحكمة العليا رأت أيضاً أن كورمان لم يقصد أن يقتل الطفل حلمي شوشة، والدليل على ذلك أنه قام بالاتصال بمجلس مستوطنة بيتار هدار وطلب منهم أن يرسلوا مساعدة لانقاذ الطفل المصاب. ومع ذلك، أضافت المحكمة أن كورمان تصرف في البداية بتسرع وعدم اكتراث، حيث كان ينبغي عليه أن يدرك أن ضربة عنيفة على ذلك الجزء من جسم الطفل (الرأس) قد تكون مميتة

القاضية أور عادت وطلبت من مكتب المستشار القضائي للحكومة ومحامي الدفاع ضرورة التوصل إلى اتفاق بالنسبة للحكم. فاتفق الطرفان على الطلب منها أن تحكم على كورمان بستة أشهر خدمة مجتمعية و15 شهراً وقف تنفيذ، وذلك الحكم أقل من عقوبة سرقة سيارة، إضافة إلى دفع مبلغ 70 ألف شيكل (17500 دولار أمريكي) كتعويض لعائلة الضحية. وقد وافقت القاضية أور على تلك التسوية، حيث وجدت –على حد قولها- عناصر مشجعة، مثل عدم وجود سجل إجرامي سابق للمتهم وأن لديه مشاكل شخصية وعائلية.

                                                نص قرار المحكمة بتاريخ 21/1/2001

ولم يعترف القاتل كورمان أبداً أنه قتل الطفل شوشة، أو حتى لمسه. حيث قال وهو يغادر قاعة المحكمة بعد صدور القرار النهائي، وقضائه ثمانية اشهر في السجن خلال فترة المحاكمة: "لا أتحمّل أية مسؤولية عن مقتل الصبي، أنا لا أعترف بشيء، وأعتبر نفسي    بريئا".         وقد أعربت عائلة الضحية عن خيبة أملها من قرار المحكمة النهائي، حيث أنه عندما يتم التوصل إلى تسوية بين النيابة والدفاع فغالباً ما يكون هناك تنازل من الطرفين، لكن في حالة كورمان، لم يخسر المتهم شيئاً وكان التنازل جميعه من طرف النيابة.                                                                    صحيفة هآرتس بتاريخ 22/1/2001

بتاريخ 3/3/2001 قدّمت اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل التماساً لدى المحكمة العليا تطلب فيه إعادة النظر في الحكم الصادر ضد كورمان، وأن تأمر المحكمة كلاً من مكتب النائب العام للدولة إدنا آربل، والمستشار القضائي للحكومة الياكيم روبنشتاين بأن يستأنفا ضد الحكم المخفف الذي صدر ضد كورمان. وقد جاء في الالتماس أيضاً أن يقدم المستشار القضائي تفصيلاً مقنعاً لحيثيات صدور الحكم بذلك الشكل. لكن بتاريخ 25/6/2001 تم سحب الالتماس بعد أن تبيّن للجنة مناهضة التعذيب أنه لم يلقَ ما يستحق من تجاوب.

بتاريخ 21/1/2001 ، أي في نفس اليوم الذي حكم فيه على كورمان بستة أشهر خدمة مجتمعية، أصدرت محكمة عسكرية إسرائيلية حكماً بالسجن الفعلي مدة ست سنوات ونصف على الفتاة الفلسطينية سعاد حلمي غزال من قرية سبسطية في الضفة الغربية، لأنها في العام 1998، وكان عمرها آنذاك 15 عاما، قامت بطعن مستوطن إسرائيلي من مستوطنة شافيه شومرون بسكين فجرحته. وقد خضعت سعاد للسجن الإنفرادي مدة 37 يوماً لم يسمح لها برؤية أي فرد من أسرتها أو مقابلة محامي الدفاع. ولأنها حوكمت في محكمة عسكرية، فبالطبع ليس لها حق في أن يتم تخفيف العقوبة عنها، أو أن يصدر قرار عفو رئاسي يخفف عنها الحكم أو يأمر بالافراج عنها.

بتاريخ 23/1/2001 وبسبب الانتقادات الحادة من منظمات حقوق الإنسان ووسائل الاعلام، أعلنت النائب العام للدولة إدنا آربل أن مكتبها ارتكب خطأ بالتوصل إلى العقوبة المخففة بحق ناحوم كورمان، وقالت أن مكتبها لن يقبل أية تسوية من ذلك القبيل في المستقبل.

                                                    صحيفة هآرتس بتاريخ 22،23،24/1/2001

 

 

 تعريف المجموعة  -  بيانات صحفية - الرقــيب -  مصادر و مراجع -  روابط ذات صلة - الصفحة الرئيسية