|
11)
الأثر الإعلامي لأحداث الهدم:
على الصعيد الدولي:
تناقلت وسائل الإعلام المحلية والدولية أحداث هدم المنازل في رفح، فعلى
الصعيد الدولي، فقدت إسرائيل مصداقيتها أمام العالم، حيث أن الكل أصبح يعي
بأن ما فعلته إسرائيل هو جريمة نكراء، ومناقض لحقوق الإنسان. فقد أوردت جريدة
الأيام في عددها الصادر يوم الثلاثاء بتاريخ 15/1/2002 عدة ردود فعل دولية
على أثر العدوان الإسرائيلي الذي شنته الجرافات الإسرائيلية على مدينة رفح.
فقد وجه الاتحاد الأوروبي توبيخاً للجيش الإسرائيلي لهدمه عشرات من منازل
اللاجئين في قطاع غزة، وقال أن مثل هذه الممارسات لا تؤدي بحال إلى استعادة
السلام. وفي "لندن" أدانت منظمة العفو الدولية في بيان لها نشر في لندن تدمير
المنازل، معتبرةً أن هذه "العقوبة الجماعية" تعد انتهاكاً خطيراً للحق
الدولي".
وكانت رسالة بروكسل سياسية في طبيعتها. لكن مسئولون أعربوا أيضاً عن استيائهم
للتدمير الواسع النطاق للبنية التحتية الفلسطينية ولمشروعات البناء التي
دعمها الاتحاد الأوروبي بملايين اليورو بما في ذلك مطار غزة والمدارس.
وقالت " كرستينا جالاش" المتحدثة باسم منسق السياسة الخارجية بالاتحاد
الأوروبي"خافيير سولانا" :"إن الكتلة الأوروبية التي تضم 15 دولة أدانت
الأعمال التي قام بها الجيش الإسرائيلي انتقاماً من تلك الغارة التي نفذها
عضوان من حركة حماس عبر الحدود، والتي تمثلت في هدم المنازل، حيث أكدت بأن
تلك الأعمال لا تسهم في استعادة الهدوء أو وضع نهاية للعنف، ومن الصعب رصد
علاقة بين هدم المنازل ومكافحة الإرهاب".
كما انتقد "عمرو موسى" الأمين العام للجامعة الدول العربية عدم وجود أي رد
فعل دولي ازاء هدم إسرائيل لمنازل الفلسطينيين، ما تفعله الحكومة الإسرائيلية
بأنه عمل خطير ولا يخدم عملية السلام في المنطقة. وحملت "مصر" إسرائيل
مسؤولية التوتر الفظيع في المنطقة، خاصة بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار.
أما جريدة الأيام الصادرة يوم الجمعة الموافق 11/1/2002 فقد حملت رسالة
واشنطن التي انتقدت فيها الولايات المتحدة الأمريكية إسرائيل بهدم منازل
فلسطينية في قطاع غزة على لسان مسئول بوزارة الخارجية الأمريكية، والذي قال"
لا نعتقد أن هدم مباني ومنازل فلسطينية يمكن أن يساهم في إعادة الهدوء وإنهاء
العنف، كما وصفه بأنه عمل استفزازي".
على الصعيد المحلي:
أما على الصعيد المحلي، فقد تباينت التغطية الإعلامية بين النظرة الفلسطينية
والإسرائيلية للحدث، فلم ترتقِ وسائل الإعلام الفلسطينية المحلية إلى مستوى
أحداث الهدم والدمار الذي لحق بأكثر من سبعين منزل في بلوك
( O)
بمحافظة رفح، ولم تتعاط مع الحدث بالشكل المطلوب، الأمر الذي أوقع الرأي
العام العالمي في مصيدة الإعلام الإسرائيلي والذي برر عملية الهدم.
ويقول طلال عوكل -كاتب وصحفي فلسطيني-:"الإعلام الفلسطيني كان على درجة أقل
من مستوى ضخامة الحدث من حيث كيفية التعاطي وكميته" قاصداً بذلك أن حدثاً مثل
هدم (73 منزلاً) برفح وتشريد مئات الفلسطينيين، هو حدث سياسي وإنساني كبير
جداً كان من المفروض أن يشكل أساساً لحملة وحشد إعلامي متواصل وواسع النطاق
وعميق الأثر يعطي مردودات عربية وعالمية إعلامية وسياسية، مضيفاً بأن أحداث
الهدم أصبحت مجرد رقم يضاف لأرقام الأحداث الكبيرة التي تقع بين الحين والآخر
وتستحق في حينه الإدانة والشجب. وأرجع عوكل هذا الضعف الإعلامي إلى غياب
المهنية الفلسطينية في مجال الإعلام القادر على تشكيل الحدث نفسه وتقديمه
بالصورة التي تتناسب مع أهميته وضخامته".
وأشار عوكل إلى أن معالجة أحداث هدم البيوت في رفح كانت سياسية بالدرجة
الأولى وجزء بسيط منها ذهب إلى البعد الإنساني، حيث أنه شكل ضربة كبيرة
وموجعة لأبسط المفاهيم لحقوق الإنسان، موضحاً أن ثمة فروق لا بد أن يعيها
الإعلاميون الفلسطينيون بين تغطية أحداث لها طابع إنساني وذات أبعاد عميقة
وأحداث أخرى يمكن تقديمها بشكل تقليدي. وأضاف " يكمن الخلل في تغطية أحداث
رفح في عدم وجود خطط إعلامية تناسب خطط سياسية في ظل غياب السياسة الواضحة
وغياب السياسة الإعلامية الواضحة كذلك، إضافة إلى العجز في تجنيد القدرة
الفلسطينية والخبرة الإعلامية بصورتها المثمرة". ومن جانبه قال أشرف العجرمي
– المسئول عن دائرة الإعلام الإسرائيلي بوزارة الإعلام الفلسطينية: " ليس
للإعلام الفلسطيني وجود خارج الإطار المحلي، وعندما تهزم إسرائيل إعلامياً،
فهذا ليس بفضل إعلامنا، بل بفضل أن القضية أكبر من أن يغطي الإعلام
الإسرائيلي عليها مثل تدمير البيوت في رفح، فالحدث هو الذي هزمهم… ودمنا هو
الذي يصنع لنا الإعلام، فنحن لا يوجد لدينا تخطيط للإعلام".
وحاولت السلطات الإسرائيلية منذ بداية انتفاضة الأقصى فرض تعتيم إعلامي على
الأحداث .. حيث بادرت سلطة البث الإذاعي والتلفزيوني الإسرائيلي إلى إغلاق
وسائل الإعلام المسموعة والمرئية أمام المسئولين الفلسطينيين والقيادات
العربية داخل فلسطين المحتلة عام 48.. وفي نفس الوقت كانت تقلل من قيمة
المواجهات وتعطي أرقاماً مضللة حول الضحايا.. ثم تبدل التكتيك الإعلامي
الإسرائيلي باتجاه تصوير المواجهات وكأنها اشتباكات مسلحة بين الفلسطينيين
والقوات الإسرائيلية.. بهدف تبرير القصف العشوائي الإسرائيلي ضد الأحياء
السكنية الفلسطينية.
وفيما يستمر العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني عسكرياً واقتصادياً..
تتجند وسائل الإعلام الإسرائيلي لتبرير هذه الاعتداءات وأعمال القتل
والدمار.. وما تزال هذه الوسائل تنظر إلى الأعمال الإجرامية التي يقترفها
الجيش الإسرائيلي على أنها أعمال شرعية لإعادة الهدوء والحد من أعمال العنف
والإرهاب.. كما تشيد بالتصرفات "الإنسانية والأخلاقية" لجنوده.. بل وتبتدع
عشرات القصص لتثبيت هذه الادعاءات الكاذبة.. وتضيف إليها مئات المبررات لقتل
الفلسطينيين بدم بارد.. متجاهلة في الوقت نفسه بشاعة أعمال القتل والتدمير
التي تمتد من الإنسان إلى الشجر.
وعن تناول الإعلام الإسرائيلي لأحداث الهدم الأخيرة في محافظة رفح من وجهة
النظر الإعلامية الفلسطينية حدثنا العجرمي فقال: " الإعلام الإسرائيلي لم
يعمل جدياً لتبرير أعمال الهدم في رفح، بالرغم من تضارب روايات الجيش" مشيراً
إلى أن الجيش الإسرائيلي أعلن عن مواقف متناقضة تجاه إذا ما كانت هذه البيوت
مأهولة أم لا، ففي حين قال بعض ضباط الجيش بأنها كانت مأهولة، نفى آخرون ذلك،
مما دفع بالإعلام الإسرائيلي إلى عدم القدرة على إخفاء هذا التناقض. علاوة
على ذلك، تناولت وسائل الإعلام الإسرائيلية وفقاً لمصادر في الجيش أرقاماً
مختلفة لعدد البيوت المدمرة، ففي البداية قالوا (21 بيتاً) ثم (50-60 بيتاً)
وهذا التخبط في روايات الجيش حول الهدم عكسه الإعلام الإسرائيلي بشيء من
الموضوعية.
وأوضح العجرمي بأن غالبية الذين علقوا في وسائل الإعلام الإسرائيلية على هدم
البيوت في رفح كانوا يشككون في الرواية الرسمية حول هذا الموضوع، ولم تتبن
وسائل الإعلام الرواية الرسمية، مع أنها كانت تنقلها. مشيراً إلى أن عدداً من
الصحفيين المهمين في إسرائيل استطاعوا دحض الكذب الإسرائيلي بجدوى عملية
الهدم. وأضاف كذلك بأنه بالرغم من انحياز الإعلام الإسرائيلية للخطاب السياسي
الحكومي، إلا أنه في تناوله لهدم البيوت في رفح عمل بمهنية وبقدر من
الموضوعية، حيث أنه نقل الصورة واضحة لأكذوبة الجيش، وبالتالي لم يستطع
الإعلام التغطية على الرواية الرسمية".
واستمرت وسائل الإعلام الإسرائيلي بإطلاق مصطلحاتها العنصرية على الفلسطينيين
بوصفهم إرهابيين في أشد الحالات.. وفي أبسطها مشاغبين.. وكلا الوصفين هدفهما
التحريض ضد الفلسطينيين .. فهم مجرد أرقام من القتلى.
وفيما يخص مصطلح " المباني المهجورة" فإن الفضائيات العربية والأجنبية بثت
تقارير مصورة عن السكان الفلسطينيين الذين نصبوا الخيام في الميادين العامة
بعد أن هدمت منازلهم ، وأعلنت الحكومة النرويجية بتاريخ 11/7/2001 عن تخصيص
مبلغ 250 ألف يورو لإيجاد مساكن مؤقتة للفلسطينيين الذين هدمت آليات الجيش
الإسرائيلي منازلهم في مدينة رفح.
|