السنة الخامسة – العدد
الثالث والعشرون – ايلول 2001
حقوق الانسان
والوضع القانوني للعملاء الفلسطينين
إسرائيل وموضوع العملاء
1) إعادة تأهيل العملاء
أكثر حرج يصيب الشخصيات السياسية والعسكرية في إسرائيل هذه الأيام،
ويتحاشون التحدث عنه في وسائل الإعلام، هو عملية استيعاب جنود جيش لبنان
الجنوبي وعائلاتهم، والجهة المسؤولة عن تلك العملية هي "إدارة العملاء".
وهذه الجهة الإدارية –التي تعمل بتعاون وثيق مع جهاز الأمن العام "شين بيت"-
تعاملت مع قضايا العملاء لسنوات وهي التي تشرف على قضية العملاء من بين
الفلسطينيين. كما ويدخل في عضوية "إدارة العملاء" ممثلون عن الشرطة
الإسرائيلية والجيش لأنهم عملوا وما زالوا على زرع المتعاونين في صفوف
الفلسطينيين. / الصحافي يوسي ميلمان، صحيفة هآرتس 24/5/2000.
أحد أساليب حماية العملاء التي توفرها الحكومة الإسرائيلية هي منحهم
الجنسية الإسرائيلية وتسكينهم داخل إسرائيل، خاصة في منطقة الناصرة أو في
شرقي القدس. ولكن يواجه هؤلاء المتعاونون صعوبات جمّة في العيش وسط المجتمع
العربي داخل إسرائيل الذي يرفض وجودهم. فقد ورد على لسان السيد محمد زيدان
رئيس لجنة المتابعة العربية داخل إسرائيل أنه قال أن العملاء من جيش لبنان
الجنوبي غير مرغوب بهم، لأن توطينهم في منطقة الجليل سوف يخلق مشاكل كبيرة
أكثر من توطين المتعاونين الفلسطينيين، لأن أفراد جيش لبنان الجنوبي
معروفون بتعاطيهم المخدرات وارتكابهم الجرائم بشكل واسع. /صحيفة هآرتس
بتاريخ 27/4/2000.
في سنة 1994 قدّر مركز معلومات حقوق الإنسان الإسرائيلي "بتسيلم" عدد
المتعاونين الفلسطينيين مع إسرائيل خلال فترة الانتفاضة بحوالي 6000 شخص
يتلقون أجوراً منتظمة من جهاز الأمن الإسرائيلي، وإذا أضفنا أفراد عائلاتهم
فإن العدد يصبح ما بين 30 – 50 ألفا، وهؤلاء على إسرائيل استيعابهم، ولكن
يبدو أن الحكومة الإسرائيلية غير مستعدة على القيام بذلك.
قامت إسرائيل باستيعاب العملاء المهمين الذين قدّموا "خدمات جليلة" لها،
فأعطتهم بطاقات هوية إسرائيلية وأسكنتهم داخل الخط الأخضر. جاء في تقرير
أعده معهد ترومان :
"أنشأت إسرائيل بعد توقيع اتفاقية اوسلو دائرة تُعنى بإعادة تأهيل العملاء،
قامت حتى نهاية العام 1999 باستيعاب حوالي 750 عميلا. والعملية تدريجية
وتحتاج وقتاً طويلا، لأنها تعتمد على توفير استقلالية لهم من خلال ايجاد
عمل وسكن مناسب لهم ولعائلاتهم وخضوعهم لدورات تأهيل ولغة حتى ينسجموا في
المجتمع الإسرائيلي. ففريق إدارة العملاء يضم علماء اجتماع وخبراء علم نفس
ومحامين. والمتعاونون الذين يتم استيعابهم يحصلون على جواز سفر إسرائيلي
يُمكّنهم من التنقل والسفر بحرية. كما ويحصلون على ضمان اجتماعي وتأمين صحي
وعلاوات سكن وغيرها." / م. الحاج يحيى وآخرون، الفلسطينيون المتهمون
بالعمالة مع إسرائيل وعائلاتهم، دراسة حول ضحايا العنف السياسي الداخلي،
معهد ترومان، الجامعة العبرية في القدس، صيف 1999، صفحة 31-32.
لكن حتى العملاء الذين تم استيعابهم يظل وضعهم غير مريح، "يتم نبذهم في
المجتمع العربي الذي تم توطينهم فيه، بل ويلاحقون ويُطردون، وينتهي الأمر
بهم في قرى لا يسكنها إلا العملاء الفاسدون" /صحيفة الجروسالم بوست بتاريخ
22/12/1995.
ليس بإمكان بحثنا هذا أن يتتبع مصير العملاء الذين تم استيعابهم داخل
إسرائيل، ولكن ماذا حدث أو سوف يحدث للغالبية من المتعاونين الذين تُركوا
بدون أية مساعدة من إسرائيل؟
اؤلئك الذين لم يصنفوا على أنهم "مهمون" أو لم تعترف إسرائيل بأنهم كانوا
عملاء يخدمونها. تكمن المشكلة الحقيقية في العملاء الذين يمكن وصفهم بـ "متوسطي
الدرجة وهم معروفون بتعاونهم مع جهاز المخابرات الإسرائيلي ويقدمون له
المعلومات، ولكنهم ليسوا مهمين لدرجة أن يتم استيعابهم داخل إسرائيل. تساعد
الحكومة الإسرائيلية هذه الفئة من المتعاونين من خلال الضغط على السلطة
الفلسطينية كي تضمن سلامتهم.
2) الضغط من أجل تنفيذ اتفاقية اوسلو الثانية، مادة 16/2
إن من مصلحة إسرائيل أن يتم تنفيذ ما اتفق عليه في اتفاقية اوسلو الثانية،
خاصة ما يتعلق بالعملاء (المتعاونين)، لأن ذلك يُقدم إشارة لجميع
المتعاونين مع إسرائيل، في الداخل والخارج، أن الحكومة الإسرائيلية لم تتخل
عنهم، بل على العكس تقوم برعايتهم والعناية بهم، وفي ذلك تذكير للسلطة
الفلسطينية أن إسرائيل تراقب تحركاتها. ومع أن البحث في الحالات التي تم
التدخل وممارسة الضغط حولها غير ممكن، إلا أن خطوات دبلوماسية وضغوط عديدة
مورست في بعض الحالات.
في نيسان 1998 أصدرت إسرائيل بياناً اتهمت فيه السلطة الفلسطينية بانتهاك
اتفاقيات اوسلو بسبب تورطها في قتل فلسطينيين متهمين بالتعاون مع إسرائيل.
/صحيفة الجروسالم بوست بتاريخ 7/4/1998. وجاء في البيان الإسرائيلي أنه منذ
قيام السلطة الفلسطينية في سنة 1994 قتل 67 فلسطينياً وجرح 96 آخرون
ومعظمهم من سكان الضفة الغربية. وحقيقة، فإن موجة قتل سماسرة الأراضي في
صيف 1997 أثارت ردود فعل غاضبة من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية،
التي هددت بسحب مساعداتها المالية للسلطة الفلسطينية. فيما ألغت إسرائيل
بطاقة "الشخصية المهمة جدا" التي كانت بحوزة العقيد توفيق الطيراوي، مدير
جهاز المخبرات الفلسطينية في الضفة الغربية، على خلفية تورطه في سلسلة قتل
العملاء، على حد قول إسرائيل.
ولم تقتصر الحماية الإسرائيلية على الضغط الدبلوماسي، بل تعدت ذلك إلى
التدخل الفعلي على أرض الواقع. ففي إحدى الحالات، تدخلت الشرطة الإسرائيلية
بنجاح ومنعت اعتقال وربما قتل سمسار الأراضي أسعد الرجبي (57 سنة).
"أفشلت شرطة القدس محاولة قام بها ستة فلسطينيين لخطف سمسار أراضي فلسطيني
يُدعى أسعد الرجبي بعد منتصف الليل يوم أول أمس السبت، حسب ما كشفه قائد
شرطة القدس الإسرائيلية يائير يتسحاقي بتاريخ 1/6/1997. وكان الرجبي قد
خُطف من بيته بالقرب من حزما شمالي القدس من قبل ستة أفراد أجبروه على ركوب
سيارة وأسرعوا باتجاه رام الله، كما قال. فيما قال شموئيل بن روبي الناطق
باسم شرطة القدس أن الشرطة تحركت بناءً على معلومات استخبارية وصلت إليها،
ولحقت بسيارتين استقلها الخاطفون. وقد استمرت المطاردة فترة من 10-15 دقيقة
أوقفت بعدها الشرطة السيارتين وأنزلت الرجبي منها، واعتقلت الخاطفين الستة".
/ صحيفة الجروسالم بوست بتاريخ 5/6/1997.
وقد لجأت إسرائيل إلى أساليب أكثر إثارة لحماية سماسرة أراض أو متعاونين
معها. ففي سنة 1998 وقع نزاع بين عبد السلام الحرباوي من سكان شرقي القدس
والكنيسة القبطية في المدينة. وبسبب الارتباط ما بين الأقباط ومصر فقد طلب
الرئيس مبارك من الرئيس عرفات أن يحل الخلاف، فأمر عرفات باعتقال الحرباوي
الذي تم سجنه في رام الله. ولكن بعد ساعتين فقط من اعتقاله، اتصل رئيس
الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو بالرئيس عرفات وهدد بفرض إغلاق
شامل على منطقة رام الله إذا لم يُطلق سراح الحرباوي فورا. وفعلاً قام
بتنفيذ تهديده وفُرض حصار عسكري على مدينة رام الله إلى أن تم إطلاق سراح
الحرباوي. /أنظر صحيفة الجروسالم بوست بتاريخ 5/6/1997 وصحيفة الأيام
بتاريخ 2/6/1997.
وفي الحقيقة، تعتمد درجة تدخل الحكومة الإسرائيلية لحماية عملائها على عدة
عوامل، فجهاز الأمن العام "الشاباك" لا يتأخر عن مساعدة عملائه المهمين،
بينما تتردد أوساط إسرائيلية أخرى قبل التدخل. كما أن الأمر يعتمد على مدى
أهمية الحالة، ومدى تأثر الرأي العام ووسائل الإعلام الإسرائيلية بها.