السنة الخامسة – العدد
الثالث والعشرون – ايلول 2001
حقوق الانسان
والوضع القانوني للعملاء الفلسطينين
كيف تتعامل السلطة الفلسطينية مع
قضية العَمالة أو المتعاونين؟
1- ملاحظات عامة:
منذ انسحاب إسرائيل من أجزاء من المناطق المحتلة وتسليمها إلى السلطة
الفلسطينية تزايدت حاجة إسرائيل إلى "توظيف" عدد كبير من العملاء
والمخبرين، وذلك لجمع المعلومات الاستخبارية عن الفلسطينيين في تلك
المناطق. ربما يمكن اعتبار قضية العملاء الأقذر التي يلجأ لها الاحتلال،
وهي لم تضعف أبداً، بل ازدادت أهمية وقويت أكثر من أي وقت مضى، دون أن يسأل
أي شخص عن شرعيتها أو آثارها. وكل شيء مسموح به في هذه اللعبة، فجهاز
المخابرات الإسرائيلي "شين بيت" يستخدم كل الوسائل للايقاع بأفراد
فلسطينيين يعانون من صعوبات اقتصادية وشخصية، ويصبحون مُخبرين ومتعاونين.
فالسلطات الإسرائيلية يمكنها أن تساعدك في الحصول على تصريح عمل داخل
إسرائيل، أو علاج مجاني، أو لمّ شمل العائلة، ولكن قبل ذلك حدثنا قليلاً
عمّا يجري في مسجد قريتكم؟!
الصحافي الإسرائيلي جدعون ليفي/ صحيفة هآرتس بتاريخ 14/5/2000
ملاحقة العملاء بلا شك أمرٌ يحق للسلطة الفلسطينية أن تقوم به، فمن ناحية
يقوم العملاء بارتكاب جرائم وجنح تستحق العقوبات، ومن ناحية أخرى، بعد زوال
الاحتلال، يجب أن يتعامل المجتمع الفلسطيني مع هذه القضية حتى يمضي قٌدماً
على أسس متينة. فالتجربة الأوروبية في هذا الخصوص ما زالت ماثلة في
الأذهان، فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تعاملت المجتمعات الأوروبية
مع قضية العملاء بحزم، بل وصدرت أحكامٌ عديدة بإعدام العشرات منهم، ولكن مع
مرور الوقت وهدوء واستقرار الأوضاع، اندمج هؤلاء العملاء مجدداً في
مجتمعاتهم، وأصدرت الحكومات قرارات عفو ولم تٌنفذ أحكام الإعدام، فهل يكون
الأمر في فلسطين بمثل هذه الصورة؟
أولاً، وكما رأينا جميعاً، فقد تصاعد موضوع العملاء خلال الانتفاضة الأولى،
وتم التعامل معه بحدة وعنف واضح. وبعد قيام السلطة الفلسطينية تم التعامل
مع الموضوع بحرص وعناية أكثر. لأن الاحتلال لم ينته كلياً وبالتالي مُنعت
السلطة الفلسطينية من التعامل مع العملاء بقسوة (من خلال الاتفاقيات
الموقعة بين الطرفين). وسوف نتطرق في الأجزاء التالية من بحثنا هذا إلى
قضية العملاء الذين ظلّوا نشيطين حتى بعد مجيء السلطة الفلسطينية، التي
قامت باعتقال عشرات المتعاونين، الذين سوف نبحث ما الذي حدث معهم. شدّد
الكثير من المسؤولين والأفراد الذين قابلناهم خلال بحثنا هذا على أن
العملاء كانوا ضحايا للاحتلال الذي فرض عليهم أن يتعاونوا معه وتحكم في
مصادر معيشتهم. ومن هذا المنطلق يجب التعامل معهم كضحايا، وأن تتاح الفرصة
لإعادة تأهيلهم كي يندمجوا في مجتمعهم.
وأخيراً، يجب أن لا ننسى أن عدداً من العملاء تم توطينهم في داخل إسرائيل،
وأن عدداً آخر تم استيعابهم في الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي تقدّر
تجربتهم الاستخبارية وقدراتهم على جمع المعلومات، أو تستفيد منهم كعملاء
مزدوجين يقدمون معلومات عن جهاز المخابرات الإسرائيلي وعن عملاء آخرين.
/أنظر صحيفة جروسالم بوست بتاريخ 8/3/1996 صفحة 7.
2) إجراءات الإعتقال
2/1: لماذا؟ نماذج حديثة من قضايا المتعاونين
استخدام إسرائيل للمخبرين والعملاء من أفراد المجتمع الفلسطيني يعتبر أحد
أقدم أساليبها، والأكثر كرهاً من الفلسطينيين، خلال الصراع
الإسرائيلي-الفلسطيني. ولكن في الشهور الأخيرة نشط جهاز المخابرات
الإسرائيلي والجيش الإسرائيلي في جهود تشغيل العملاء، في محاولة للتحضير
لأعمال العنف التي قد تندلع إذا ما فشلت محادثات السلام التي سوف تبدأ في
كامب ديفد يوم الثلاثاء القادم في التوصل إلى اتفاق يرضي الطرفين.
حينما سألتُ أحد الضباط الإسرائيليين فيما إذا كانت أجهزة الأمن
الإسرائيلية تقوم بتشغيل مخبرين من الفلسطينيين، ابتسم وأجاب: "هناك أعداد
كبيرة من المتطوعين".
الصحافي ماثيو ماكاليستر، صحيفة Newsday بتاريخ 9/7/2000
حتى نفهم المغزى من البحث في قضية العملاء بعد مرور سبعة أعوام على قيام
السلطة الفلسطينية، يجب أن ندرك الدور الحساس والخطير الذي قام به العملاء
في الانتفاضة، حيث كانوا يزودون إسرائيل بمعلومات هامة عمّا يحدث في
الأراضي التي كانت تحتلها. ولكن في الأيام الأولى من الانتفاضة في بداية
العام 1988 وجهت القيادة الوطنية الموحدة نداءً إلى جميع العملاء وموظفي
الإدارة المدنية الإسرائيلية بالتوبة وقطع كل الاتصالات مع الإسرائيليين،
فكان رد اسحاق رابين وزير الدفاع آنذاك أن أمر "إذا رشقوا الحجارة كسّروا
أيديهم وأرجلهم". ولكن هذه السياسة لم تظهر نجاعة ضد الانتفاضة وأضرت بصورة
إسرائيل عالميا. فجاء وزير الدفاع موشيه أرنس وأعاد تشغيل شبكة من
المتعاونين ونشطت الوحدات الخاصة الإسرائيلية في تنفيذ مهمات داخل الأراضي
الفلسطينية وأظهر ذلك فاعلية أكثر.
ولكن الوضع تغير مع قدوم السلطة الفلسطينية وتشكيل أجهزتها الأمنية، وخاصة
جهاز الأمن الوقائي. فخروج القوات الإسرائيلية من بعض المناطق الفلسطينية
كان يعني أن على إسرائيل أن تلجأ إلى عملائها للحصول على المعلومات
المطلوبة. فوق مزيد من الحوادث التي تشير إلى ضلوع العملاء في هجمات داخل
المناطق الفلسطينية، وخاصة عمليات قتل ضد أفراد كانوا "مطلوبين" لإسرائيل
قامت الوحدات الخاصة الإسرائيلية، أو حتى العملاء أنفسهم، بتنفيذها. مثل
حادثة قتل أحمد أبو الريش أحد نشطاء فتح "المطلوبين" الذي قتل بتاريخ
28/11/1993 على أيدي مجموعة من الوحدات الخاصة، وكان قد صدر عفو عنه قبل
أسبوع من ذلك اليوم. وحادثة مخيم جباليا بتاريخ 28/3/1994 التي قتل فيها
ستة من كوادر حركة فتح المسلحين عل أيدي مجموعة من الوحدات الخاصة أيضا.
وحادثة قتل الشهيد هاني عابد أحد قادة حركة الجهاد الإسلامي الذي اعتقلته
السلطة الفلسطينية بتاريخ 24/5/1994 ليكون أول معتقل سياسي يدخل سجونها، ثم
أفرج عنه بتاريخ 14/6/1994، ولكنه قتل بانفجار وقع في سيارته بتاريخ
2/11/1994. /أنظر مقالة جراهام أشر بعنوان "أزمة في فلسطين" صفحة 7.
أما بالنسبة لأحداث مسجد فلسطين الشهيرة في مدينة غزة، فيقول الصحافي
جراهام أشر عنها: "قامت قوات الشرطة الفلسطينية والأمن الوقائي بتاريخ
18/11/1994 باقتحام مسجد فلسطين المركزي في غزة وفتحت النار على المصلين
لإخماد مظاهرة قامت بها الجماعات الإسلامية. وقد أعقب ذلك مواجهات ما بين
القوات الفلسطينية والمدنيين امتدت في أنحاء غزة كانت حصيلتها سقوط 13
قتيلاً وأكثر من مائتي جريح، وهذا أكبر عدد من الضحايا يسقط في غزة في يوم
واحد بعد 27 عاماً من الاحتلال."
بالطبع لم تشأ السلطة الفلسطينية أن تتحمل مسؤولية تلك المصيبة التي وقعت،
لذلك
"قامت حركة فتح بتاريخ 20/11/1994 بإصدار بيان اتهمت فيه حركتي حماس
والجهاد الإسلامي بتأليف سيناريو أحداث مسجد فلسطين، وباغتيال ثمانية من
أعضاء فتح من بين الثلاثة عشر ضحية الذين سقطوا." /أنظر مقالة جراهام أشر
المُشار إليها سابقا. أي أن المسؤولية عن الأحداث انتقلت من السلطة
الفلسطينية إلى الحركات الإسلامية، ثم عادت المسؤولية لتقع على الاحتلال،
ففي استطلاع للرأي نظّمه مركز الدراسات والأبحاث الفلسطيني في مدينة نابلس
تبين أن 62% من الفلسطينيين ألقوا بالمسؤولية عن الاحداث على إسرائيل.
/انظر صحيفة الجروسالم بوست بتاريخ 8/1/1995 الصفحة الثانية.
هذا العرض المتسلسل للأحداث يُبين أن من السهل على أية جهة أن تلقي
بالمسؤولية عن أي أمر على الاحتلال أو عملائه.
2/2 : ممّن؟ - الأجهزة الأمنية الفلسطينية
السلطة الفلسطينية مُصابة بداء كثرة الأجهزة الأمنية التي تعمل وفق شروط
غير واضحة وبتنسيق غير كاف واستقلالية كبيرة عن السيطرة المدنية. فحسب
منظمة العفو الدولية بلغ عدد هذه الأجهزة 12 (سنة 1996) أهمها: الأمن
الوقائي، المخابرات العامة، الاستخبارات العسكرية، الشرطة، الأمن الوطني،
القوة 17 (حرس الرئيس ياسر عرفات) والشرطة البحرية. ولكن يبدو أن هناك
تنسيقاً في العمل ما بين جهازي الأمن الوقائي والمخابرات العامة، فالأول
يهتم بالمعارضة السياسية فيما الثاني –وهو مقرّب من الرئيس عرفات- يهتم
بالقضايا الداخلية، ولكن هذه ليست قاعدة. أما جهاز الاستخبارات العسكرية
فيهتم بقضايا العملاء وسماسرة الأراضي بشكل عام.
والمشكلة أعمق من هذا التداخل في صلاحيات العمل، والمرجع القانوني الوحيد
لقوات الأمن هو ما ورد في الملحق الأول لاتفاقية اوسلو الثانية، الذي يشرح
معنى تشكيل "قوة شرطة قوية" في المناطق الفلسطينية. المادة الرابعة، فقرة
1، تحدد "وظائف وواجبات" قوات الشرطة حسب النقاط التالية:
أ- المحافظة على الأمن الداخلي والنظام العام.
ب- حماية سكان المناطق وممتلكاتهم وتوفير شعور بالأمن والطمأنينة
والاستقرار.
ج- اتخاذ كافة التدابير الضرورية لمنع الجريمة حسب القانون.
د- حماية المباني والأماكن العامة، والأماكن ذات الأهمية الخاصة.
هـ منع أعمال الاعتداء والمضايقات.
و- محاربة العنف والإرهاب، ومنع التحريض على العنف.
والقيام بأية وظائف عادية أخرى تقع ضمن صلاحيات الشرطة.
لا توجد قواعد وأنظمة محلية تضبط عمل الأجهزة الأمنية المختلفة في الأراضي
الفلسطينية. حسب اتفاقية المرحلة الانتقالية، تتشكل قوة الشرطة المنصوص
عليها من ستة أفرع، ولكن لم يتم الالتزام بذلك على أرض الواقع. وحسب ما
نشرته وتنشره منظمات وجمعيات حقوق الإنسان العاملة في الأراضي الفلسطينية
فإن جميع الأجهزة الأمنية الفلسطينية متهمة بارتكاب مخالفات تنتهك حقوق
الإنسان الفلسطيني.
2/3 : أين؟ - مشاكل في الصلاحيات
" قبل حوالي شهر كان (ن) يقود سيارته في شارع صلاح الدين في مركز شرقي
القدس عندما لمح بطرف عينه سيارة مسرعة تقترب منه من الخلف، وخلال ثوان
كانت السيارة قد اعترضت طريقه وقفز منها عددٌ من الشباب، فتح أحدهم باب
سيارة (ن) وهدده بمسدس صوّبه نحو رأسه وطلب منه أن يتجه في سيارته نحو
مدينة أريحا. تم استجواب (ن) فترة ثلاثة أسابيع لدى جهاز أمن فلسطيني بتهمة
تعاونه مع إسرائيل. عملية الخطف تمت في شارع صلاح الدين في القدس مقابل
المحكمة المركزية الإسرائيلية، ولم تعرف الشرطة الإسرائيلية بالأمر إلا بعد
ثلاثة أسابيع من (ن) نفسه بعد أن أفرج عنه."
الصحافي الإسرائيلي نداف شراغاي، صحيفة هآرتس بالانجليزية، بتاريخ
12/6/2000 صفحة 4
تنص اتفاقية المرحلة الانتقالية على أن السلطة الفلسطينية تتمتع بصلاحيات
كاملة في المنطقة (أ) وبصلاحيات مدنية فقط في المنطقة (ب) وليس لها أية
صلاحيات في المنطقة (ج) التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية بشكل كامل. ولكن
أفراد الأجهزة الأمنية الفلسطينية ينشطون ويحملون الأسلحة ويعتقلون العملاء
في جميع هذه المناطق، حتى في شرقي القدس. تعود حرية حركة وعمل الأجهزة
الأمنية الفلسطينية وخاصة جهاز الأمن الوقائي إلى اتفاق تم التوصل إليه في
روما في بداية العام 1994، بين محمد دحلان رئيس جهاز الأمن الوقائي في غزة
وجبريل الرجوب رئيس الجهاز في الضفة الغربية من جهة، وكل من يعقوب بيري
رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي (شين بيت) آنذاك وأمنون شاحاك نائب رئيس
هيئة أركان الجيش الإسرائيلي من جهة أخرى. وقد توصل الطرفان في ذلك
الاجتماع إلى أن إسرائيل سوف تعطي جهاز الأمن الوقائي حرية الحركة والعمل
في مختلف المناطق الفلسطينية مقابل أن يقوم الجهاز بحملة واسعة ضد المعارضة
الفلسطينية وخاصة حركة حماس. /حسب ما جاء في كتاب الصحافي غراهام أشر تحت
عنوان "صعود وإنهيار عملية اوسلو للسلام" الصادر سنة 1999 صفحة 73.
هذا التفاهم تم إقراره رسمياً في اتفاقيتي القاهرة وطابا فيما بعد، وهو
يوضح كيف تتم ملاحقة العملاء في جميع المناطق الفلسطينية، وتغمض إسرائيل
عينيها عنه مقابل معلومات استخبارية تحصل عليها من الأجهزة الأمنية
الفلسطينية. يقول الصحافي جراهام أشر في كتابه "رسائل من فلسطين: صعود
وسقوط عملية اوسلو" الذي نُشر سنة 1999، في الصفحة 73:
"التفاهم الذي توصل له الطرفان في روما أشار إلى خط أحمر لا يمكن تجاوزه
بالنسبة للسيادة الإسرائيلية في شرقي القدس." ولكن يبدو أن هذا لم يُطبق
على أرض الواقع، حيث أن عمل الأجهزة الأمنية الفلسطينية بدأ منذ العام 1993
وتوسع وامتد ليشمل كل المواقع، حتى أن مسؤولاً كبيراً في جهاز الأمن
الإسرائيلي "شين بيت" وصف عمل هذه الأجهزة بقوله:
"أنه مثل أخطبوط متعدد الأذرع، مثل الصبي الذي تمرّد على معلمه." /حسب ما
كتبه نداف شراغاي في صحيفة هآرتس بتاريخ 12/6/2000. يقوم أفراد الأجهزة
الأمنية الفلسطينية بكل بساطة بخطف الشخص المتهم بالعمالة مع إسرائيل ونقله
إلى المنطقة (أ) حيث السيطرة الفلسطينية الكاملة.
2/4 : كيف؟ - الاجراءات والخطوات القانونية
الاجراءات التي تتخذ ضد العملاء يجب أن تصدر عن مكتب النائب العام لمحاكم
أمن الدولة، الذي يصدر أمر اعتقال بحق المتهم، ويجب أن يكون التوقيف
المبدئي لمدة 48 ساعة. إذا تبين من التحقيق أن هناك شكوكاً تم اثباتها يتم
تمديد التوقيف فترة 30 يوما. وبعد ذلك لا يمكن أن يُمدد الاعتقال إلا بأمر
مكتوب من النائب العام نفسه، ولمدة لا تزيد عن ثلاثة أشهر.
محاكمة الأشخاص المتهمين بالعمالة لصالح إسرائيل يجب أن تتم على جرائم
ارتكبوها بعد تاريخ 4/5/1994. أشار النائب العام خالد القدرة في مقابلة
أجرتها المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان معه بتاريخ 15/6/2000 أن
هذا النظام من الاجراءات بدأ العمل به قبل ستة أشهر فقط، عندما تم تحويل
صلاحية البت في قضايا العملاء من المحاكم المدنية إلى محاكم أمن الدولة،
وقبل ذلك، يبدو أن عملية اعتقال العملاء والتحقيق معهم كانت تتم على أيدي
الأجهزة الأمنية.
لكن ما الذي يحدث فعلاً على أرض الواقع؟
بشكل عام، لا يتم إصدار أي أمر اعتقال، مع أن هذه مسؤولية مكتب النائب
العام. والأسوأ أن بعض القضاة لديهم استعداد للتعاون مع الأجهزة الأمنية
وتوقيع أمر اعتقال بعد حدوثه، دون أن يفحصوا التهم الموجهة للشخص الذي تم
اعتقاله. وفي بعض الحالات يقوم بعض القضاة بإصدار قرارات اعتقال بيضاء،
ويتركون اسم المتهم فارغاً لكي تملأه الأجهزة الأمنية "بمعرفتها". ويقول
مكتب النائب العام المدني، على لسان سعدي شحيبر في مقابلتنا معه بتاريخ
17/6/2000، أن الأجهزة الأمنية أحياناً تكون مترددة في تقديم بعض الحالات
أمامهم. والنتيجة بالطبع أن أفراداً متهمين بجريمة خطيرة وهي التعاون مع
العدو يظلون بدون محاكمات وتحت رحمة أصحاب السلطة والنفوذ.
عادة ما تقوم الأجهزة الأمنية الفلسطينية بالتحقيق القاسي مع المتهم
بالتعاون مع إسرائيل، بدلاً من الاستجواب والفحص الدقيق للحالة، وهذا
التحقيق يكون بالضغط الشديد على المتهم والمعاملة القاسية والتعذيب. حسب ما
رواه (س) في مقابلتنا معه في غزة بتاريخ 17/6/2000، فإن جهاز المخابرات
العامة الفلسطيني يستهدف الفلسطينيين الذين يعملون في المستوطنات
الإسرائيلية، وفي إحدى المرات قاموا باستدعاء شخص لأنه دخل إلى مستوطنة
وتناول مشروباً مع شخص إسرائيلي.
يتضح من الإفادات والمعلومات التي تم جمعها في هذا البحث أن المبرر الذي
تقدمه الأجهزة الأمنية هو الاعترافات التي تحصل عليها من المتهمين بعد
التحقيق معهم، لأن هذه الأجهزة تقوم باعتقال المشبوهين بدايةً بدون أي سند
قانوني. يقول المواطن (أ.ل) في إفادته للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق
الإنسان، بتاريخ 14/11/98، :
"خلال التحقيق معي قدموا لي عدداً هائلاً من التهم وطلبوا مني أن اختار
واحدة منها، مثل: قتل الشهيد هاني عابد، المشاركة في أحداث مسجد فلسطين،
وقتل ستة شهداء في جباليا، وقتل أحمد أبو الريش وغيرها.." ويؤكد المواطن
(ك.و) في إفادته للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان بتاريخ
16/6/2000 ما قاله (أ.ل) حيث عرضوا عليه عدة تهم وطلبوا منه أن يعترف على
واحدة منها.
والأسوأ أن المواطن (أ.س) قد أفاد في مقابلتنا معه بتاريخ 20/12/2000 أنه
تعرض للضرب المبرح مما دفعه تحت الضغط بأن يتسول لهم أن يقدموا له أية تهمة
كي يعترف عليها. لكن المحقق الذي كان يستجوب (أ.س) واسمه زياد قال له: "بعد
أن نُتعبك سوف نخبرك ماذا نريد منك". وبعد أن قضى (أ.س) ثمانية أيام في
السجن أخبروه أنه متهم بالتعاون مع إسرائيل.
قام جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي في الفترة ما بين 11/5 –
3/6/1996 باعتقال تسعة مواطنين من قرية الخضر جنوبي مدينة بيت لحم، على
خلفية تعاونهم مع إسرائيل وارتكابهم مجموعة من الجرائم في الفترة ما بين
1991 – 1995. لكن المدعي العام لمحافظة بيت لحم أحمد الطوباسي لم يقدم
لائحة الاتهام ضد هؤلاء الأفراد إلا بتاريخ 5/12/1996، أي بعد ستة أشهر من
اعتقالهم.
يوضح النائب العام لمحاكم أمن الدولة خالد القدرة موقف السلطة الفلسطينية
تجاه العملاء فيقول أنهم يقسمون إلى قسمين: الذين ارتكبوا جرائم أو استمروا
في تعاونهم مع إسرائيل بعد توقيع اتفاقية المرحلة الانتقالية بتاريخ
4/5/1994 وهؤلاء يمكن للسلطة الفلسطينية أن تلاحقهم وتحاكمهم، والذين
ارتكبوا جرائم وتعاونوا مع إسرائيل قبل ذلك التاريخ وهؤلاء لا يمكن للسلطة
أن تعتقلهم، بل "تأخذهم عندها" (على حد قول خالد القدرة). ولكن هذا التفسير
من الجانب الفلسطيني ينتهك الاتفاقيات التي التزمت بها السلطة الفلسطينية،
فاتفاقية اوسلو الثانية تنص على عدم المس بالمتعاونين، واتفاقية القاهرة
تنص على عدم إيذائهم.
وقد اعترف النائب العام أيضاً بأن عدداً من العملاء يمكثون في السجن فترات
طويلة بدون تهم محددة أو محاكمات، وذلك بهدف حمايتهم من غضب الجماهير
وانتقامهم على أعمال ارتكبوها في السابق. وأضاف أن هذا العمل يساعد على حفظ
التوازن في المجتمع رغم قيود اتفاقية المرحلة الانتقالية. وبالطبع مسألة
الحق في محاكمة عادلة ليس لها وجود في هذه المعادلة.