|
|
|
|
|
 |
|
|
|
|
|
|
|
الرقيب 2001 |
|
|
|
أرشيف
الرقيـــــــب |
|
|
| |
|

|
|
تعريف
المجموعة
- بيانات
صحفية
-
الرقــيب -
مصادر
و مراجع
- روابط
ذات صلة
-
الصفحة الرئيسية |
- شعبٌ خلف القضبان
الحصار العسكري الإسرائيلي .. عقابٌ جماعي بذريعة الأمن
11/1 : مقدمة
خضعت المناطق الفلسطينية منذ بدء انتفاضة الأقصى لحصار عسكري إسرائيلي،
فوضع الجيش الإسرائيلي حواجزه المكثفة على مداخل المدن والقرى والمخيمات
الفلسطينية، منها الدائمة ومنها المتنقلة، منها التي يتواجد عليها جنودٌ
وقناصة إسرائيليون ومنها ما هو عبارة عن مكعبات اسمنتية ضخمة، أو أكوام من
التراب والرمال تمنع مرور الناس والمركبات؟
هذه الحواجز تحدّ من حركة الفلسطينيين بشكل كبير، وباتت تؤثر على نمط
وسلوكيات حياة شعب بأكمله فهي تتحكم بحركة الفلسطينيين في الضفة الغربية
وشرقي القدس وقطاع غزة. ولأن إسرائيل ما زالت تسيطر على 60% من مساحة
الأراضي المحتلة فإنها تعتبر مسؤولة عن تطبيق القانون الدولي ومبادئ حقوق
الإنسان المتعارف عليها دولياً، والتي من أهمها الحق في حرية الحركة
والتنقل من مكان إلى آخر.
يُبرر الجيش الإسرائيلي هذا الحصار بذريعة "الحاجة الأمنية" ، كما ينص
عليها القانون الدولي، ولكننا في هذا التقرير سوف ندحض هذه الذريعة ونثبت
عدم صحتها. فهناك قرى ومناطق محاصرة لم تشهد أية مواجهات أو "أعمال عنف"
على حد قول الإسرائيليين. وعلى سبيل المثال، قام الجيش الإسرائيلي في بداية
شهر آذار 2001 بحفر وتجريف طريق رام الله – بيرزيت الرئيسي، وأثناء ذلك تم
تخريب شبكة الكهرباء والهاتف في المنطقة، وبقيت عدة قرى، وجامعة بيرزيت،
بدون تلك الخدمات عدة أيام، مع أن تلك المنطقة كانت هادئة في الأسابيع
الأخيرة.
سياسة الحصار والإغلاق هذه تُمثل عقاباً جماعياً واضحاً، وهي سياسة تمييز
عنصري أيضاً، فهي تستهدف فئة معينة من السكان (الفلسطينيين) بينما
المستوطنون (اليهود) يعيشون حياة عادية، رغم أنهم موجودون في الأراضي
المحتلة بصورة غير قانونية، وفق القانون الدولي .
لقد لجأت إسرائيل إلى استخدام سياسة الحصار في السابق ولكن ليس بنفس الشدة
والكثافة التي شهدتها هذه الانتفاضة، فمنذ 29 أيلول 2000 يقبع نحو ثلاثة
ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة في حصار وراء القضبان المتمثلة
بأكوام الأتربة والكتل الاسمنتية، وإذا ما حاول فلسطيني أن يتسلل ويكسر
الحصار فإنه يجد الجنود أو القناصة الإسرائيليين في المرصاد.
لن نتطرق في هذا التقرير إلى الآثار المدمرة للحصار على الاقتصاد الفلسطيني
ولكن سوف نبحث أكثر في الجوانب الإنسانية لتطبيق سياسة الحصار على شعبٍ
بأكمله. يُقدّر مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة في الأراضي المحتلة خسارة
الاقتصاد الفلسطيني المتوقعة بحوالي 117 مليون دولار خلا أول شهرين من
الانتفاضة، وذلك لأن العمال الفلسطينيين مُنعوا من الدخول للعمل في إسرائيل
والمستوطنات. كما أن الإغلاق الإسرائيلي قلّص الانتاج الفلسطيني إلى النصف
تقريبا (50.7%) لنفس الفترة .
وقد أصدر مكتب المنسق الخاص لهيئة الأمم في الأراضي المحتلة في شهر شباط
2001 تقريراً آخر جاء فيه أن السلطة الفلسطينية تخسر ما قيمته 8.6 مليون
دولار يومياً، اي ما مجموعه 1.5 بليون دولار منذ بدء انتفاضة الأقصى في
فلسطين (أنظر صحيفة هآرتس بتاريخ
15/2/2001).
سوف يركّز تقريرنا هذا على إعطاء أمثلة عن المعاناة التي يعيشها أفراد
الشعب الفلسطيني بسبب الحصار، بدون طعام أو أدوية أو خدمات أساسية، أو حتى
أقارب وأصدقاء، فالحصار العسكري قطّع أوصال الضفة الغربية وقطاع غزة، وعزل
قرى بشكل كامل عن العالم الخارجي.
11/2 : الإغلاق العام
هناك ثلاثة أشكال من القيود للحدّ من حرية حركة الشعب الفلسطيني في الأراضي
المحتلة:
أ- الإغلاق الشامل والعام الذي فرضته إسرائيل منذ سنة 1993 على جميع
الفلسطينيين الذين يريدون الدخول إليها، أو التنقل ما بين الضفة الغربية
وقطاع غزة، إلا بتصريح خاص. وهذا الإغلاق قسّم الأراضي المحتلة إلى ثلاثة
مناطق معزولة عن بعضها البعض وهي: الضفة الغربية، القدس الشرقية، وقطاع
غزة.
صحيحٌ أنه تم فتح ممرٍ آمن بين الضفة الغربية وقطاع غزة في سنة 1999، ولكن
كان ينبغي على الفلسطينيين أن يحصلوا على تصريح من السلطات الإسرائيلية
للمرور فيه. كما وأنهم مطالبون بالحصول على تصاريح إسرائيلية للعبور إلى
الأردن أو مصر أو السفر من مطار بن غوريون في إسرائيل. وكثيراً ما ترفض
إسرائيل إعطاء تصاريح للسفر دون أن تذكر الأسباب (أنظر تقرير مركز معلومات
حقوق الإنسان الإسرائيلي "بتسيلم" تحت عنوان "مدنيون تحت الحصار" / كانون
ثاني 2001).
في الأشهر الأربعة الأخيرة كان هناك تشديد في الإغلاق العام وتقنينٌ مُحكم
في موضوع التصاريح وحركة المواطنين والبضائع. في 15 شباط 2001 منع الجيش
الإسرائيلي دخول شحنة كبيرة من المساعدات الغذائية والدوائية من الصليب
الأحمر الدولي إلى قطاع غزة، وهذه لم تكن المرة الأولى التي تمنع فيها
إسرائيل مرور مثل هذه المساعدات الإنسانية.
ب- نظام منع التجول وهو إجراء يمنع أية حركة في المنطقة التي يُفرض عليها،
بمعنى أنه يسجن عدداً كبيراً من السكان في بيوتهم. وقد فرض الجيش
الإسرائيلي منع التجول بشكل متزايد ومكثف في منطقة H2 الخاضعة للسيطرة
الأمنية الإسرائيلية في مدينة الخليل، أي أن 30 ألف فلسطيني عاشوا أياماً
طويلة تحت منع التجول بسبب وجود 400 مستوطن إسرائيلي يعيشون بينهم في وسط
مدينة الخليل. كما وخضعت مناطق سيلة الظهر (جنين) قفّين وباقة الشرقية
(طولكرم) حوّارة (نابلس) وسنجل (رم الله) لنظام منع التجول على فترات.
ج- الإغلاق الداخلي وقد فرضه الجيش الإسرائيلي على المدن والقرى والمخيمات
في الضفة الغربية وقطاع غزة، فلا يسمح لساكنيها بالخروج أو الدخول بحرية،
أي أن الفلسطينيين باتوا مسجونين في مدنهم وقراهم ومخيماتهم. وسوف نبحث
موضوع الإغلاق الداخلي بشكل مُفصّل.
11/3 ) جغرافيّة الإغلاق الداخلي
قطاع غـزة
بتاريخ 25/1/2000 قام الجيش الإسرائيلي بفصل جنوب قطاع غزة عن شماله.
وبتاريخ 2/1/2001 قام الجيش الإسرائيلي بتقسيم قطاع غزة إلى ثلاثة أجزاء
لأول مرة منذ بدء انتفاضة الأقصى بتاريخ 29/9/2000. الطريق الرئيسي في
القطاع، شارع صلاح الدين، أغلق عند مفترق الشهداء (نتساريم) إلى الجنوب من
غزة، بينما أغلق طريق البحر الذي يصل بين النصيرات وغزة وتمركزت دبابة
إسرائيلية إلى جانب الطريق. نتيجة لذلك أصبح قطاع غزة مقسّماً على النحو
التالي:
1- المنطقة الشمالية: تمتد من بيت حانون شمالاً حتى مفترق الشهداء
(نتساريم) جنوبي مديننة غزة.
2- المنطقة الوسطى: تمتد من مفترق الشهداء (نتساريم) حتى مفترق (كفار
داروم) جنوبا.
3- المنطقة الجنوبية: تمتد من مفترق (كفار داروم) حتى رفح جنوبا.
هذا التقسيم عزل مدينة غزة والمخيمات الشمالية (جباليا والشاطئ) عن
المخيمات الوسطى (النصيرات، البريج، دير البلح والمغازي) وهذه تم عزلها عن
خانيونس ورفح جنوبا.
فيما بعد تم أيضاً عزل خانيونس عن رفح وبالتالي أصبحت هناك منطقة رابعة.
وتاريخ 20/11/2000 قام الجيش الإسرائيلي بمنع الفلسطينيين من المرور من
خانيونس إلى منطقة المواصي الزراعية (في المنطقة ج الواقعة تحت السيطرة
الأمنية الإسرائيلية) وهذه أرض زراعية خصبة تقع على شاطئ البحر، ولكنها
محاطة بالمستوطنات اليهودية (غوش قطيف) من جميع الجهات. ومنذ ذلك الحين
تعاني المواصي من عزلة تامة عن بقية قطاع غزة، حتى أن أهالي المنطقة مُنعوا
من دفن موتاهم في مقبرة خانيونس، / حسب إفادة جمعية أهالي المواصي الخيرية
للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان بتاريخ 12/2/2001.
الضفة الغربية
تم عزل المدن والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية عن بعضها البعض منذ بدء
انتفاضة الأقصى. بتاريخ 12/10/2000 فرض الجيش الإسرائيلي إغلاقاً داخلياً
على مناطق (أ) الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وعلى القرى العربية ضمن المناطق
الإسرائيلية. ويقول تقرير صدر عن مركز معلومات حقوق الإنسان الإسرائيلي
"بتسيلم" الإسرائيلية أن بعض القرى الفلسطينية الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية
قد فُرض عليها إغلاق عسكري منذ الأيام الثلاثة الأولى لانتفاضة الأقصى
(أنظر تقرير مركز "بتسيلم" تحت عنوان "مدنيون تحت الحصار" / كانون ثاني
2001).
60% من مساحة الضفة الغربية عبارة عن قرى زراعية فلسطينية، ويشتغل في
الزراعة 34% من القوى العاملة الفلسطينية، بينما يشتغل 22% منهم في مجال
البناء حيث كان يتوجه عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين إلى داخل إسرائيل
والمستوطنات للعمل هناك. ولكن منذ 8/10/2000 توقفت حركة العمال إلى داخل
إسرائيل وإلى المستوطنات في الضفة وغزة التي لم تعد تسمح لهم بدخولها
لأسباب أمنية، وبالتالي فقدت عشرات آلاف الأسر الفلسطينية مصدر دخلها
الوحيد. رغم أن عدداً قليلاً منهم ما زال يتسلل للعمل هناك دون أن يكون
معهم التصاريح اللازمة لذلك.
وتم إغلاق المدن والقرى في جنوب الضفة الغربية بحواجز عسكرية أقامها الجيش
الإسرائيلي، كما وأغلقت جميع الطرق المؤدية إلى بيت لحم وبيت جالا وبيت
ساحور بحواجز عسكرية أو مكعبات اسمنتية. كما وأغلق الجيش الإسرائيلي معظم
الطرق الفرعية التي تصل بين القرى والمخيمات بحواجز رملية أو أكوام من
الصخور والأتربة للحد من حركة المواطنين وسياراتهم. قرى الخضر وحوسان وبتير
خضعت لإغلاق عسكري، وكذلك المنطقة في محيط غوش عتصيون. كما وأغلقت جميع
المنافذ من وإلى مدينة الخليل فيما خضع أكثر من 30 ألف فلسطيني لنظام منع
التجول لفترات طويلة في محيط البلدة القديمة في الخليل. وفي قرية إذنا
جنوبي الخليل عاد عددٌ من المواطنين لاستخدام الحطب في الطبخ بسبب صعوبة
الحصول على الوقود.
كما وتأثر شمال الضفة الغربية بالإغلاق بدرجة كبيرة، حيث أن جميع المناطق
حول مدن جنين ونابلس وطولكرم وقلقيلية تتألف من قرى زراعية أصبحت تعاني من
صعوبة بيع منتجاتها لأن الطرق منها وإليها مغلقة بحواجز عسكرية أو ترابية
أقامها الجيش الإسرائيلي.
في وسط الضفة الغربية هناك حاجزان إسرائيليان "على الأقل" بين القدس ورام
الله، وتحاول السيارات الفلسطينية أن تجد طرقاً فرعية بديلة، إلا أن الجيش
الإسرائيلي في وقت ما أغلق حتى هذه المنافذ على السكان. لم يلجأ الجيش
الإسرائيلي إلى إغلاق طريق القدس –رام الله كلياً حتى الآن لأن ذلك يعني
تصعيداً خانقاً قد يؤدي إلى تفجر المواجهات.
تُعاني القرى شمالي رام الله من الإغلاق الداخلي، وقرية عطارة ذات الأربعة
آلاف نسمة تحديداً عانت كثيراً من عزلها عن العالم الخارجي، ووصلت ظروف
عائلات كثيرة في القرية إلى وضع صعب لا يُطاق.
الطوق الذي فرضه الجيش الإسرائيلي على منطقة أريحا والغور كان قاسياً جدا.
لقد قامت الجرّافات الإسرائيلية بحفر خندق على طول الطريق الرئيسي فيما
وضعت أكواماً من القمامة وروث الحيوانات على الجانب الآخر من الطريق بهدف
منع الخروج من / أو الوصول إلى القرى المجاورة. ولم يعد ممكناً السفر من
منطقة الغور إلى المدن الشمالية مثل نابلس وسلفيت وجنين وطولكرم.
11/4) الحياة من وراء كتل الاسمنت وأكوام التراب
هناك طريقتان لفرض الحصار على القرى والمدن الفلسطينية لجأ اليهما الجيش
الإسرائيلي. الأولى بوضع كتل إسمنتية ضخمة تسدّ الطرق من وإلى هذه القرى
والمدن، أو بوضع أكوام من التراب والرمال لسدّ هذه الطرق دون أن يتواجد
جنود إسرائيليون، والطريقة الثانية هي وضع الحواجز العسكرية بتمركز دبابات
أو عربات فيها جنودٌ على الطرقات فلا يسمحوا بمرور الناس أو سياراتهم، إلا
في حالات قليلة جداً وحسب الجو العام في ذلك اليوم.
بتاريخ 10/12/2000 أصدر الجيش الإسرائيلي أمراً عسكرياً جديداً يقضي بمنع
الرجال الفلسطينيين من السفر في سيارة وحدهم، بمعنى أنه يجب أن يكون من بين
المسافرين نساء أو أطفال. ويمكن للرجال أن يسافروا بشكل طبيعي في المواصلات
العامة. هذا الأمر أوجد عملاً لبعض الصبية الذين كانوا يقفون عند الحواجز
العسكرية ويطلبون من السائقين مبلغ شيكل واحد مقابل أن يركبوا معهم حتى
يعبروا الحاجز دون صعوبات هم في غنى عنها.
ويُعامل السائقون الفلسطينيون بقسوة وإذلال من الجنود الإسرائيليين على
الحواجز، فأحياناً يأخذ الجنود منهم مفاتيح سياراتهم ويتركونهم لساعات
ينتظرون، وأحياناً أخرى يخرّبون إطارات السيارات عن قصد بهدف ايذاء
السائقين وتعطيلهم.
قالت منظمة (مراقبة حقوق الإنسان) الأمريكية في تقرير صدر بتاريخ 2 آذار
2001 أن الجنود الإسرائيليين يقومون بإهانة السائقين الفلسطينيين ومعاملتهم
بطريقة سيئة ويتسببون في تخريب سياراتهم بشكل متزايد منذ بدء انتفاضة
الأقصى في نهاية أيلول 2000. يقول مدير قسم الشرق الأوسط وشمال افريقيا في
منظمة (مراقبة حقوق الإنسان) الأمريكية، السيد هاني ميغالي: "يقوم الجنود
الإسرائيليون وبشكل اعتيادي بضرب السائقين الفلسطينيين وتخريب إطارات
سياراتهم، بل وإطلاق النار على سياراتهم بذريعة أنهم استخدموا طرقاً أعلن
عنها الجيش الإسرائيلية أنها مغلقة."
وفي بحث أجراه برنامج الدراسات التطويرية في جامعة بيرزيت ونُشر بتاريخ
19/2/2001 تحت عنوان "أثر الحصار الإسرائيلي على ظروف المعيشة للفلسطينيين"
تبين ما يلي:
- أن 73% من العائلات الفلسطينية انخفض دخلها بشكل ملحوظ في الأشهر الأربعة
الأخيرة.
- أن 27% من العائلات الفلسطينية فقدت مصدر رزقها كليا.
- أن 11% منها قد منعها الحصار من التعليم المدرسي أو الجامعي.
- وأن نصف مواطني الضفة الغربية قد مُنعوا من الوصول إلى الخدمات الطبية أو
وجدوا صعوبات جمّة في ذلك.
الإصطفاف والإذلال في غزة
يعاني قطاع غزة من صعوبات أقصى وأكبر من تلك الموجودة في الضفة الغربية،
فكثير من الناس فقدوا وظائفهم ومصادر دخلهم بسبب أحداث انتفاضة الأقصى.
فمنذ 5 كانون ثاني 2001 سمح الجيش الإسرائيلي بمرور المركبات والمواطنين
الفلسطينيين عبر مفترق الشهداء (نتساريم) ما بين الساعات 9 – 11 صباحا و 3
– 5 بعد الظهر، مع أن هذه هي الطريق الوحيدة التي تصل ما بين شمال وجنوب
قطاع غزة، وهي حيوية لمرور المواد الغذائية والعمال والموظفين والطلاب
وسيارات الاسعاف وغيرها. أضف إلى ذلك أن ساعات المرور المسموح بها يمكن أن
تتغير حسب مزاج الجنود الإسرائيليين، أي أنه من المحتمل أن ينتظر المواطن
ساعتين أو أكثر وفي النهاية لا يمر، ناهيك عن المعاملة السيئة والمذلة التي
يتعرض لها المواطنون دون سبب أو مبرر.
لقد قام مندوبو وباحثو المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان بالمرور
عبر حاجز الشهداء (نتساريم) عدة مرات في مناسبات مختلفة، والمشهد يُمثل
أسلوب إهانة وإذلال للمواطنين الفلسطينيين لا يعقل أن تقوم به دولة تدّعي
الحضارة والديمقراطية، ونحن ندخل الألفية الثالثة. فتجد أمامك صفا طويلاً
لا يقل عن ألف سيارة وحافلة ومركبة وعربة تجرها الدواب، والاطفال يبكون،
والنساء يصرخن والرجال يشتمون ويلعنون الزمن.
4/2 : حواجز اسمنتية وترابية لا يوجد عندها جنود إسرائيليون
وهي عبارة عن كتل اسمنتية ضخمة أو أكوام من التراب تغلق الطرق فلا تسمح
بمرور المركبات حتى في حالات الضرورة القصوى، بينما يمكن أن يعبرها المشاة،
وتختلف درجة وجدوى الإغلاق بهذه الطريقة من مكان إلى آخر. ففي مناطق معينة
يجد المواطنون طرقاً بديلة تساعدهم على الوصول إلى غايتهم، بينما في أماكن
أخرى يكون الأمر مستحيلا.
تعفن المحاصيل الزراعية في الأغوار
إلى الشمال من أريحا على طول الطريق إلى طبريا هناك عددٌ من القرى
الفلسطينية الزراعية الصغيرة التي تقع في المنطقة ج (تحت السيطرة
الإسرائيلية). فقرية مرج نعجة مثلاً يسكنها حوالي 800 نسمة، معظمهم نازحون
من سنة 1948، وهناك عدد مشابه في قرية فصايل المجاورة، إضافة إلى عدد آخر
يعيشون في بيوت فقيرة وخيام متفرقة في منطقة الجفتلك.
لا يوجد أي مستوصف قريب لتقديم الرعاية الصحية، سوى في أريحا أو نابلس على
45 كم على الأقل، ولا تقدم وكالة غوث اللاجئين أية خدمات لأن المواطنين
بدّلوا بطاقات اللاجئين بقطع أراض لزراعتها في السابق.
منذ بداية تشرين ثاني 2000 عانى المزارعون في الأغوار بشدة بسبب إغلاق طريق
رقم 57 المؤدي إلى مدن الشمال، نابلس وطولكرم، حيث كانوا يسافرون بمركباتهم
لبيع محاصيلهم الزراعية هناك. وفي مرج نعجة هناك مدرستان، إعدادية وثانوية،
ومن تاريخ 29/9/2000 لم يُسمح للمعلمين بالوصول إلى مدارسهم بسهولة لعدة
أيام. وبعض التلاميذ يسيرون مسافة لا تقل عن خمسة كيلومترات للوصول إلى
المدرسة الثانوية.
كتب الصحافي الإسرائيلي جدعون ليفي في صحيفة هآرتس بتاريخ 9/2/2001 يصف
الوضع في المنطقة بعد زيارته لها:
" في هذه المنطقة الرائعة من الأراضي الجميلة على حافة وادي الأردن، كل ما
يريده المواطنون هنا هو أن يشتغلوا في أراضيهم ويبيعوا محاصيلهم ويعودوا
إلى بيتوهم ويعيشوا بسلام. ولكن الحصار والحواجز وصلت إلى هنا، وأصبح
المواطنون يعانون مثل بقية الفلسطينيين في المناطق، وغَدت حياتهم جحيماً
على الأرض.
قد يجد المرء تفسيراً ما "ضرورة أمنية أو غيرها" لفرض الحصار العسكري
وإقامة الحواجز على طرقات الضفة الغربية الرئيسية، ولكن هنا بين الجبال
والكثبان الرملية، في الغور بين إسرائيل والأردن، لا توجد كلمات يمكن أن
تُفسّر تعطيل إمرأة حامل غرقت السيارة التي تستقلها في الوحل بسبب الحصار
المفروض."
لم تشهد منطقة الغور أية أحداث خلال انتفاضة الأقصى، فلم تقع أية حوادث
إطلاق نار أو مواجهات، بل كان الوضع هادئا. والمزارعون يسعدهم أن يبقى
الأمر كذلك لأن آخر ما يريدونه أن يأتي الجيش الإسرائيلي والمستوطنون
ويُجرّفوا ويُخربوا أراضيهم الزراعية التي هي مصدر رزقهم الوحيد.
في بداية شهر كانون أول 2000 خبر مواطنو منطقة الجفتلك حادث عنف على أيدي
مستوطن إسرائيلي. فقد قام فتيان من القرية بإغلاق الطريق الرئيسي بالحجارة،
فما كان من المستوطن الإسرائيلي إلا أن أوقف سيارته ونزل منها وأخذ يطلق
النار من رشاش M16 كان بحوزته، واقترب من أحد البيوت وأطلق النار على
النوافذ والباب رغم وجود عائلة فلسطينية في داخله، ولكن لم يصب أحد بأذى.
يعتمد مواطنو الأغوار على الزراعة ويقومون ببيع محاصيلهم من الخضراوات
والحمضيات في طولكرم ونابلس. وكما ذكرنا فقد قام الجيش الإسرائيلي بإغلاق
الطريق الرئيسي الذي يؤدي من الغور إلى الضفة الغربية، هذا الإغلاق وتعطيل
بيع المحاصيل تسبب بتلفها وتعفنها
في المركبات قبل أن يتمكنوا من بيعها، وفي الحقول دون أن يقطفوها. فحسب ما
قاله المزارعون لم يعُد الأمر يستحق أن يدفع المزارع أجرة العمال الذين
يجمعون المحصول، ثم ينقله ليبيعه، وعليه أن يدفع أجرة النقل. فخسارة
المزارع باتت أكيدة. فقبل أن يفرض الجيش الإسرائيلي الإغلاق بتاريخ
5/12/2000 كانت الرحلة إلى طولكرم وعملية بيع المحاصيل والعودة تستغرق 12
ساعة، والإغلاق ضاعف من ذلك الوقت، وقلل من أسعار الخضراوات والحمضيات. فقد
انخفض سعر صندوق البندورة أو الباذنجان من 5 إلى 3 شيقل، ناهيك عن أجرة
النقل (2 شيقل لكل صندوق) وبالتالي لم يعد هناك مجال لأي ربح يحصل عليه
المزارع.
قال أحد المزارعين لصحيفة هآرتس بتاريخ 9/2/2001 :
" لم نعُد نقدر أن نبيع الخضراوات لا لليهود ولا للفلسطينيين. نجمع المحصول
ونملأه في الشاحنة ونذهب. لكن الطريق إلى نابلس مغلقة. أحياناً يمسكون بنا،
وأحياناً تتعفن الخضراوات في الشاحنة ونحن ننتظر، وعندما تمطر السماء تتحول
الطريق إلى وحل. وعندما لا يكون هناك مطر يأتي الجنود ويأخذون مفاتيح
الشاحنة والأوراق ويغيبون لساعات. كنا في السابق نبيع في طولكرم ونابلس
وجنين، بندورة وباذنجان وخيار وفلفل أخضر، وبرتقال وغيرها. ولكن الآن
الطريق مغلقة، وبالأمس أغلقوا الطريق إلى أريحا أيضا."
استلمت قرية مرج نعجة والقرى المجاورة مواد تموينية مرة واحدة خلال انتفاضة
الأقصى بمبادرة من عددٍ من الوزارات في السلطة الفلسطينية وكان ذلك بتاريخ
4/12/2000، حيث حصلت كل عائلة على 12 كغم طحين، 10 كغم سكر، 7 كغم أرز، 3
لتر زيت و 9 كغم حمص وفول. وقد تم توزيع هذه الكمية من المواد التموينية
بغض النظر عن حجم العائلة، ولم تجر أية عملية توزيع بعد ذلك. وفي المنطقة
بئري مياه جيدان يغطيان ما يحتاجه المواطنون من مياه للشرب والطبخ. وتُشير
منظمة الغذاء العالمية إلى أن منطقة أريحا والغور من أسوأ المناطق بالنسبة
لتوفر المواد الغذائية، وهذا أمر مستغرب حيث أن منطقة الغور والجفتلك تعتبر
من أكثر الأراضي الزراعية الخصبة في فلسطين.
11/5) سياسة عنصرية
الطرق الوحيدة المفتوحة باستمرار أمام تدفق المركبات في الأراضي المحتلة هي
الطرق الالتفافية التي تربط المستوطنات اليهودية بإسرائيل، ويُمنع السائقون
الفلسطينيون من المرور بها. والحواجز العسكرية الإسرائيلية تكون أكثر صرامة
بالقرب من المستوطنات اليهودية.
نظام منع التجول في الخليل يؤثر على ما يقارب 50 ألف فلسطيني، بينما هناك
400 مستوطن يهودي يعيشون في قلب مدينة الخليل ولا يخضعون لمنع التجول بل
يتمتعون بحرية كاملة وحماية أمنية مشددة، أي أن سياسة الحصار العام ومنع
التجول تُطبّق على الفلسطينيين دون سواهم. وفوق ذلك فإن المستوطنين اليهود
يقومون بأنفسهم بنصب حواجز على الشوارع بالقرب من المستوطنات، دون تدخل من
الجيش الإسرائيلي الذي يسمح لهم بذلك، بل ويساعدهم ويوفّر لهم الحماية إذا
لزم الأمر. النتيجة إذن هي سياسة عنصرية تنفذها الحكومة الإسرائيلية تفضل
فيها قسماً من المواطنين دون البقية، على أساس الدين والعرق والقومية.
11/6) ردود الفعل الفلسطينية
عند الدخول إلى موقع السلطة الفلسطينية على شبكة الانترنت العالمية
www.pna.net/evens تجد هناك عدداً من العناوين مثل: الاحتلال، الاستعمار،
العدوان العسكري، معلومات عن الممارسات الإسرائيلية... وغيرها. وإذا أردت
معلومات وتفاصيل وافية عن الانتفاضة، يتم توجيهك إلى عناوين منظمات ومؤسسات
فلسطينية غير حكومية، ولكن لا تجد توثيقاً رسمياً من السلطة الفلسطينية عن
العديد من القضايا الهامة، مثل عدد أيام منع التجول التي خضعت لها مدينة
الخليل أو قرية حوّارة، أو عدد البيوت التي هدمها الجيش الإسرائيلي أو
احصائية عن تجريف الأراضي الزراعية في قطاع غزة وغيرها. كما أن المجلس
الفلسطيني للتنمية والإعمار "بكدار" لم يقم بإصدار أية نشرات شهرية عن
تخريب وتدمير البنية التحتية في الأراضي المحتلة منذ بدء الانتفاضة في
نهاية ايلول 2000 حتى نهاية آذار 2001.
قامت وزارة العمل الفلسطينية بتقديم مساعدات للعمال الفلسطينيين الذين
كانوا يدخلون للعمل في إسرائيل، بقيمة 600 شيكل شهري لكل عامل، ولكن لم
يحصل على هذه الدفعة سوى العمال الذين كان بحوزتهم تصاريح عمل للدخول إلى
إسرائيل، أي أن عدداً كبيراً من العمال لم تصلهم هذه الدفعة، كونهم كانوا
يعملون في إسرائيل بطريقة غير قانونية "بدون تصاريح".
11/7) الخلاصة والاستنتاجات
صادقت دولة إسرائيل على اتفاقية "العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية
والاجتماعية والثقافية" في سنة 1991. تنص المادة 6/1 من ذلك العهد على:
"تعترف الدول الأطراف في هذا العهد بالحق في العمل، الذي يشمل ما لكل شخص
من حق في أن تتاح له امكانية كسب رزقه بعمل يختاره أو يقبله بحرية، وتقوم
باتخاذ تدابير مناسبة لصون هذا الحق." يقع على إسرائيل واجب أن تتراجع عن
انتهاك هذا الحق. كما وأن الحق في التعلّم قد انتُهك بنفس الطريقة. كما وأن
معاهدة هاغ الدولية (مادة 43) تضمن الرعاية المناسبة للسكان الخاضعين تحت
الاحتلال.
لقد أدت سياسة إسرائيل العسكرية في الأراضي المحتلة إلى انتهاكات خطيرة في
منع تلقي الفلسطينيين للعلاج الصحي. ومع أن الحكومة الإسرائيلية أعلنت
مراراً أنها لن تفرض قيوداً على حركة المرضى في الأراضي الفلسطينية أو على
وصول المساعدات الإنسانية من الخارج، إلا أن هناك قرارات تؤخذ من جانب ضباط
وجنود إسرائيليين تتناقض مع ما يُعلن.
المواطنون الفلسطينيون الذين يسكنون في القرى والريف خارج المدن يحتاجون
للسفر إلى هذه المدن لتلقي العلاج في العيادات والمستشفيات، والحصار
العسكري تسبب في كثير من الحالات بوفاة مواطنين بسبب منعهم من المرور أو
منع سيارات الإسعاف من الوصول إليهم. حسب جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني تم
منع 94 سيارة إسعاف من عبور حواجز عسكرية (حتى نهاية شهر شباط 2001). وقد
تسببت هذه لإجراءات بوفاة خمسة فلسطينيين على الأقل، نذكر منهم: الطفل علاء
حمدان أحمد، 10 سنوات، من قرية الساوية قرب نابلس، والمواطنة ندى حنني من
نابلس والمواطنة معزوزة الريماوي من بيت ريما قرب رام الله.
المادة 12/1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية
والثقافية تنص على:
"تقر الاطراف في هذا العهد بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة
الجسمية والعقلية يمكن بلوغه." ولكن إسرائيل تُفسد هذا الحق من خلال فرض
العوائق أمام المرضى الذين يسعون للوصول إلى المستشفيات والعيادات،
بتعطيلهم أو منعهم من المرور عبر الحواجز العسكرية. أقسى إجراء اتخذته
إسرائيل ضمن إطار سياسة الإغلاق هو سدّ الطرق والمنافذ بكتل الاسمنت أو
الأتربة، دون وجود جنود عندها، مما يعني عدم منح المواطنين حتى امكانية
التحدث مع الجنود للسماح لهم بالمرور.
إن سياسة الحصار والإغلاق التي تنتهجها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية
المحتلة هي شكل من العقاب الجماعي غير الإنساني الذي ينتهك اتفاقية جنيف
الرابعة.
|
|