- الخلاصة
غياب المحتوى المعتمد على البحث والتحقيق يقلل من قيمة الأخبار التي
تتناقلها وسائل الإعلام الفلسطينية، وهذا مردّه إلى الماضي المعتم الذي
عاشته الصحافة الفلسطينية في ظل الاحتلال العسكري الإسرائيلي، وإلى
الرقابة الذاتية التي تنبع من حكم السلطة الفلسطينية، وتقريباً جميع
المؤسسات الإعلامية الفلسطينية لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالحزب
الحاكم في السلطة الفلسطينية (حركة فتح). ولهذا فلا تعتمد وكالات
الأنباء الأجنبية على الصحافة الفلسطينية في الحصول على المعلومات بشكل
سريع ودقيق، وقد تم تأكيد ذلك من الصحافي "لي هوكستادر" في مقالة نشرها
في صحيفة الواشنطن بوست أخذها من محاضرة ألقاها في معهد الإعلام في
جامعة بيرزيت في شهر آذار 2001/ حيث قال:
(سبب اهتمام وسائل الإعلام الأجنبية بإغلاق رام الله وبيرزيت هو أن
الصحافة الإسرائيلية تحدثت عنه).
أما الصحافة الإسرائيلية فيجب الحكم عليها وفق معايير الصحافة في
المجتمع الديمقراطي، حيث واجب الصحافي أن يتكلم عن نبض الناس وهمومهم.
وفي هذا السياق، لم يهتم الصحافي الإسرائيلي بمعالجة أسئلة هامة تتعلق
بنقل الأخبار وكتابة التحليلات بصورة نوعية مميزة.
ما هي القضايا التي سوف تكتب عنها؟ ما الذي تحاول أن تتجنبه؟ وما الذي
تخفيه؟ وما هي الأولويات؟ ولماذا هي مهمة؟ وما هو المعيار الذي
تستخدمه؟ هذه قرارات تحددها الأحداث الجارية قبل أن يحددها الصحافي
نفسه، لكن الصحافة الإسرائيلية تختار وتحدد أولوياتها بنفسها. وفي
انتفاضة الأقصى لم يكن هناك أي قيد يفرض على الصحافة أن تنحاز أو تنشر
تقارير غير متوازنة. فالمعايير الأخلاقية يتم تطبيقها في جميع أنحاء
العالم. فإذا كان مقتل يهودي على أيدي عربي جريمة، فإن مقتل عربي على
أيدي يهودي جريمة أيضاً وبنفس الدرجة. وإذا كانت عمليات القتل خارج
إطار القانون التي تحدث من جانب السلطة الفلسطينية (قتل المتعاونين مع
إسرائيل) أمر خاطئ، فإن عمليات القتل خارج إطار القانون التي تقوم بها
أجهزة الأمن والجيش الإسرائيلي ضد النشيطين الفلسطينيين هي أيضاً أمر
خاطئ. وهذا منطق مباشر لا يحتمل تفسيرات وتبريرات لا أساس لها من
العقلانية، وهو ما يتجاهله كثير من الصحافيين الإسرائيليين. فعندما
تأخذ الصحافة الإسرائيلية نفس المفردات التي تصدر عن الحكومة تجاه
الفلسطينيين، فذلك فيه عدم موضوعية وعدم مهنية.
ولا يختلف استغلال الصحافة الإسرائيلية لصور الضحايا الإسرائيليين في
عمليات التفجير كثيراً عن استغلال الصحافة الفلسطينية لصور الأطفال
والشبان الذين يسقطون على أيدي الجيش الإسرائيلي. فصور الضحايا والدماء
التي تنشرها صحيفتي يديعوت أحرونوت ومعاريف من مواقع عمليات التفجير لا
تختلف عن صور الشهداء والجرحى في المستشفيات التي تنشرها صحيفتي الأيام
والحياة الجديدة.
السلطة الفلسطينية قامت باستخدام إذاعتها الرسمية (صوت فلسطين) ووسائل
إعلامية أخرى لتحريض الشبان الفلسطينيين على إلحاق الأذى بأهداف
إسرائيلية، والقيام بأعمال إرهابية – من وجهة نظر إسرائيل - تشمل إلقاء
الحجارة والقيام بمظاهرات معادية. ويقول الجانب الإسرائيلي أن
الفلسطينيين استخدموا لغة دينية في التحريض وصوّروا الأمر على أنه نزاع
بين الإسلام واليهودية. وهذا صحيح، ولكن لو نظرنا إلى تصريحات زعماء
اليمين الإسرائيلي فهم يستخدمون لغة مشابهة إن لم تكن أشد وأعنف. كذلك
عندما يعرض التلفاز الفلسطيني مرة بعد أخرى صور الطفل محمد الدرة الذي
قتل وهو يحتمي بين يدي والده، يعتبر الإسرائيليون ذلك تحريضا. ولكن ذلك
يجب أن يعني –بنفس المقياس- أن عرض التلفاز الإسرائيلي لمشهد قتل جنديي
الاحتياط في رام الله يعتبر تحريضاً هو الآخر، خاصة وأن ذلك المشهد
يُظهر الفلسطينيين وكأنهم وحوش، ولا يُبيّن إصابة بعض رجال الشرطة
الفلسطينيين وهم يحاولون حماية الجنديين الإسرائيليين.
أما بالنسبة للصحف الفلسطينية , فأن صحيفة القدس تلجأ إلى استخدام لغة
أقل حدة وأسلوباً أقل تحريضاً من صحيفتي الحياة الجديدة والأيام،
وتفسير ذلك، أن صحيفة القدس تصدر من شرقي القدس وبالتالي تختار لغة
وأسلوباً يلقى قبولاً من الرقابة العسكرية الإسرائيلية. ولو أخذنا بعين
الاعتبار القيود الكثيرة المفروضة على الصحافيين الفلسطينيين والرقابة
عليهم، والأدوات والوسائل المحدودة المتاحة لهم، وانعدام التدريب الذي
يحصلون عليه، لربما وجدنا سبباً لعدم قيامهم بتغطية أحداث الانتفاضة
بشكل مناسب. عدا عن تعرض الكثير من الصحافيين الفلسطينيين إلى الضرب
والإهانة على أيدي الجنود الإسرائيليين.
أما الإعلام الإسرائيلي فإن أكثر ما يزعج فيه هو استخدام وسائل الإعلام
لنفس العبارات والأوصاف التي تصدر عن المصادر العسكرية الإسرائيلية.
بعض هذه التقارير تتعمّد توصيل معلومات خاطئة الهدف منها تلبية
احتياجات معينة للجيش الإسرائيلي، مثل تبرير استخدام القوة المفرطة ضد
المدنيين، وكثيراً ما نشرت الصحف الرئيسية في إسرائيل معلومات وحقائق
خاطئة عن الوضع في المناطق المحتلة.
وعندما تلتقي المؤسستان، العسكرية والإعلامية، معاً ضد هدف محدد، لا
يحدث أي خلاف بينهما، وهذا بالضبط ما هو حاصل في إسرائيل منذ اندلاع
انتفاضة الأقصى. ولذلك لا يمكن في هذا المجال اعتبار إسرائيل دولة
ديمقراطية على النمط الغربي، لأنها لو كانت كذلك، فإن وسائل الإعلام
يجب أن تقول الحقيقة وتنقل الواقع بموضوعية وفق المعايير الدولية، لا
أن ترتمي في أحضان الآلة العسكرية فتحقق أهداف الحكومة وتلبي رغباتها.
فوسائل الإعلام الديمقراطية يجب أن تتمتع بحرية مهنية وتدافع عن وجهة
نظرها، ولا تخضع للرقابة ، ويكون لها الحق في الوصول إلى المعلومات
والحقائق لتقديمها إلى جمهورها بأسرع وأدق وسيلة. وبالطبع هدف الآلة
العسكرية أو الجيش يختلف ، فمن ناحية هم لا يريدون أن تتسرب أية
معلومات سريّة تسيء إلى عملهم ونشاطهم ، ومن ناحية ثانية لا يريدون
أيضاً أن يكسبوا عداء وسائل الإعلام في حالة النزاع القائمة.
وإذا رجعنا إلى تغطية الانتفاضة، فإن صحيفة هآرتس هي الوحيدة من جميع
وسائل الإعلام الإسرائيلية التي يمكن القول أنها نقلت أخباراً وتقارير
مفصلة ودقيقة إلى حد ما بشكل موضوعي إلى درجة معينة.
وتقع على عاتق وسائل الإعلام مسؤولية التوعية بقواعد القانون الإنساني
الدولي، ونشر مبادئ حقوق الإنسان، ومراقبة وفضح الانتهاكات التي تقع،
بغض النظر عمّن يرتكبها. وبالنسبة للنزاع القائم في الأراضي المحتلة،
فإن كل طرف ينتقد ما يقوم به الطرف الآخر من أعمال عنف. فإسرائيل تنتقد
وبشدة الأعمال الوحشية التي يقوم بها الفلسطينيين ولا تذكر شيئاً -أو
تتجاهل عن قصد- ما تقوم به هي من أعمال قمع وقتل وتخريب في الأراضي
الفلسطينية.
وفشلت وسائل الإعلام الفلسطينية والإسرائيلية في القيام ببحث علمي وطبي
وعسكري لمعرفة لماذا سقط عدد كبير من المدنيين خلال فترة الانتفاضة.
وليس مستغرباً أن لا ينظر الإسرائيليون ولا الفلسطينيون إلى وسائل
الإعلام الأجنبية على أنها قوة تأثير محايدة. فكل طرف يحاول أن يؤثر
بشكل أو بآخر على الرأي العام العالمي بنقل الرسالة التي يريدها والتي
تعكس وجهة نظره ويهاجم الطرف الآخر وما يطرحه من أفكار. وبالطبع تبادل
الاتهامات وصور الدماء بين الطرفين لا يساعد في الوصول إلى الحل السلمي
المنشود. وفي هذا الصدد قال "ايدان وايت" في المؤتمر العالمي للصحافيين
أنه (حان الوقت لتهدئة الأمر" ويقصد من جانب وسائل الإعلام كخطوة أولى
لتهدئة النزاع القائم في المنطقة.
وأخيرا , فبإمكان وسائل الإعلام أن تساهم بشكل كبير في إنهاء حالة
العنف والكراهية بين الطرفين، من خلال نقل حقائق دقيقة غير مزيفة،
والنظر للطرف الآخر بقليل من الإنسانية، بدل تصويرهم وكأنهم وحوش غير
إنسانيين.
وعلى المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين أن يتوقفوا عن تغذية وسائل
الإعلام بتصريحاتهم النارية التي تزيد من التوتر، وأن لا يساعدوا على
التحريض وارتكاب أعمال العنف ضد الطرف الآخر.
|