English

 

الرقيب 2001

 

أرشيف الرقيـــــــب

 

تعريف المجموعة  -  بيانات صحفية - الرقــيب -  مصادر و مراجع -  روابط ذات صلة - الصفحة الرئيسية

 

التراشق بالكلمات،، تغطية وسائل الإعلام الفلسطينية والإسرائيلية لأحداث انتفاضة الأقصى

 

  • وسائل الإعلام الإسرائيلية .

    يدّعي الفلسطينيون أن وسائل الإعلام الإسرائيلية أصبحت أداة للدعاية السياسية وأن غالبية الصحافيين الإسرائيليين يخدمون الخط أو النهج السياسي الإسرائيلي الرسمي وأنهم يشاركون في التحريض ضد الفلسطينيين والقيادة الفلسطينية، وأعضاء الكنيست العرب أيضا. ورغم أنه لم يتم فحص مدى صحة هذه الإدعاءات ، إلا أننا – كما سوف نرى – يمكن أن نقول أن جزءاً من ذلك صحيح ، ولكن لا يمكننا أن نقول أن جميع وسائل الإعلام الإسرائيلية تخدم الخط السياسي الرسمي للحكومة الإسرائيلية.
    سوف نقوم بفحص أربع صحف إسرائيلية في هذا التقرير: يديعوت أحرونوت، وهي صحيفة يومية تصدر باللغة العبرية تمثل الموقف السياسي الوسط في إسرائيل وهي ذائعة الانتشار، وصحيفة معاريف الصادرة أيضا باللغة العبرية وهي تنافس يديعوت أحرونوت في التوزيع ، وصحيفة الجروسالم بوست والتي تصدر باللغة الإنجليزية وهي تعكس وجهة نظر اليمين الإسرائيلي، وصحيفة هآرتس الليبرالية الأكثر اعتدالا، وهي تصدر باللغتين العبرية والإنجليزية.
    من المهم هنا أن نشير إلى أن الصحافة الإسرائيلية لم تقم بذكر وتغطية تصريحات ونشاطات معسكر السلام الإسرائيلي بالشكل المطلوب. وحسب ما صرحت به جماعات السلام الإسرائيلية فإنها نفسها كانت متضاربة في مواقفها، خاصة بالنسبة لموضوع حق العودة للاجئين الفلسطينيين. فقد نشر معسكر السلام الإسرائيلي نداءاً موجهاً إلى القيادة الفلسطينية للتفاوض حول حق العودة، وهو حق كفلته الشرعية الدولية من خلال قرار هيئة الأمم رقم 194.
    وقد لاحظت المنظمات الإسرائيلية اليسارية ومعسكر السلام أن اهتمام الصحافة الإسرائيلية بها قد انخفض بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، فالنداءات التي صدرت تطالب بتوفير الحماية للمدنيين الفلسطينيين لم تلق الاهتمام المطلوب لأنها "لم تناسب النمط السائد آنذاك". فالصحافي الإسرائيلي يجد نفسه بطريقة أو بأخرى يخدم نهج الحكومة السائد، وفي كثير من الأحيان يخدم النظام العام ويحقق أهدافه. وفي الصفحات القادمة سنرى كيف تقوم الصحافة الإسرائيلية بنشر وتغطية التقارير والأحداث :

    أ - الهجمات الانتحارية والتفجيرات
    يسألون (من؟) ولا يسألون أبداً (لماذا؟)
    تستخدم وسائل الإعلام الإسرائيلية مصطلح "إرهاب" فقط لوصف العنف من الجانب الفلسطيني. وبشكل عام ، ذلك أمر تلجأ إليه إسرائيل للدفاع عن نفسها. فعندما صرّح الناطق باسم الجيش الإسرائيلي من خلال الإذاعة الإسرائيلية بتاريخ 1/11/2000 أن النار أطلقت من داخل سيارة إسعاف فلسطينية تابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني ، كان ذلك كافياً لكيل الاتهامات جزافاً وتعريض جميع سيارات الإسعاف الفلسطينية للخطر. (أنظر البيان الصحافي الصادر عن جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بتاريخ 1/11/2000)
    (من كان المُنفّذ؟ وإلى أية جهة ينتمي؟) (من يمكن أن نجري معه مقابلة يستنكر فيها الإرهاب؟)
    الأمر يبدو سهلاً، ولكن هذا كان –وما يزال- النهج المتبع كرد فعل فوري على الهجمات التي تستهدف المدنيين أو الجنود الإسرائيليين.
    هناك بالطبع أمثلة تشذ عن تلك القاعدة، ذات مضمون صحافي أعمق في تحليل ما يحدث في المناطق الفلسطينية، مثل كتابات وتقارير (عميرة هس) و (جدعون ليفي) من صحيفة هآرتس. ولكن حتى مثل هذه المقالات لا تستخدم المصادر الفلسطينية بطريقة عادلة، فدائماً يستخدمون كلمة (يدّعي أو إدعاء) عند ذكر الفلسطينيين، فيقولون: "إدّعى مصدر فلسطيني .. ، أو يدّعي الفلسطينيون .."
    بعد الانفجار الذي وقع في نتانيا بتاريخ 4/3/2001 صدرت صحيفة يديعوت أحرونوت تحمل عنواناً خارجاً عن المألوف ( حربٌ من الإرهاب ) وتضمن التقرير عن الحادثة عبارات عدائية ومقابلات مع شهود عيان زادت من حدة النقمة على الفلسطينيين والعرب بشكل عام . ووقع في الأسبوع الأخير من شهر آذار 2001 عددٌ من الانفجارات في القدس الغربية، وقد تعاملت صحيفة يديعوت أحرونوت مع الموضوع بنفس الصورة التي تتعامل بها الصحافة الفلسطينية مع المواجهات والشهداء. فعلى الصفحة الأولى بتاريخ 28/3/2001 جاء في الصحيفة: (هجوم يتبعه آخر) مع صورة أشعة لعنق مواطن إسرائيلي وقد ظهر فيها مسمار اخترقها. ومن الجدير هنا ذكر أن الصحف الفلسطينية قد نشرت صورة أشعة نفس الطريقة يظهر فيها مواطن فلسطيني وقد اخترقت جسده شظايا قذيفة أطلقها الجيش الإسرائيلي. وقد اعتبر الجانب الإسرائيلي تلك الصورة نوع من الدعاية المضادة والتحريض. وقد كانت تغطية الانفجارات على 11 صفحة في يديعوت أحرونوت ، مع صور للدماء والمصابين، وتكررت صورة طفلة إسرائيلية وهي تبكي على جميع تلك الصفحات مع عنوان يقول (دولة تحت الإرهاب)، مع نشر قائمة بجميع حوادث التفجير التي وقعت وتواريخها وأماكنها منذ انتخاب رئيس الحكومة الإسرائيلية.

    ب - انحياز وإلغاء :

    عندما ننظر إلى التحريض الإسرائيلي ندرك أنه يختلف عن التحريض الفلسطيني، فهو عبارة عن تحريض حاذق يعتمد على تجريد الطرف الآخر من صفاته الإنسانية. فعلى سبيل المثال، هناك إشارة إلى الضحايا الفلسطينيين على شكل "أرقام"، ويقوم الإعلام الإسرائيلي بتبرير ما يقوم به الجيش الإسرائيلي والمستوطنون من أعمال وحشية، بشكل بسيط وكأن شيئاً لم يكن. ويبقى السؤال: هل أدركت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن للحكومة الإسرائيلية جدول أعمال حربي؟
    هناك أمثلة لا تعد ولا تحصى على التغطية الإعلامية المنحازة كلياً في وسائل الإعلام الإسرائيلية. فـ "جيلو" ليست مستوطنة، بل هي أحد أحياء القدس، وكذلك الأمر بالنسبة لـ "جبل أبو غنيم". بينما الموقعين فعلاً أقيما على أراض عربية مصادرة كانت تتبع لبيت جالا وبيت لحم. ومثال آخر، عندما تقول صحيفة هآرتس أن عدد سكان المستوطنات يقارب 200 ألف مستوطن، فهي تتجاهل 200 ألف آخرين يسكنون في شرقي القدس في بيوت وأراض عربية تمت مصادرتها . لن يتطرق هذا التقرير إلى جميع الأمثلة، ولكنه سيركز على جوانب ذات اهتمام مشترك برزت خلال انتفاضة الأقصى.
    خلال الأسبوعين الأولين ، اللذان حافظ فيهما الجيش الإسرائيلي على "ضبط النفس" في بداية الانتفاضة، قتل 110 فلسطينيين وثلاثة جنود إسرائيليين. ولكن لم تحاول أية صحيفة إسرائيلية أن تلتقي بأي ضابط أو مسؤول إسرائيلي وتسأله عن هذه النسبة من الضحايا المثيرة للجدل. ووصفت صحيفة الجروسالم بوست المظاهرات والمواجهات بين الشبان الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي بأنها "اعتداءات ضد الجيش". (أنظر صحيفة الجروسالم بوست بتاريخ 7/10/2000 تحت عنوان "الجيش ينسحب من قبر يوسف في نابلس") . وعندما انسحب الجيش الإسرائيلي من قبر يوسف، نشرت صحيفة الجروسالم بوست تغطية عن ذلك يومي 7 و 8/10/2000 وقالت أن إخلاء الموقع أمر مؤقت. ووصفت احتفالات الفلسطينيين بذلك على النحو التالي:
    (تجمع المئات من الفلسطينيين في المكان، وقد قامت قوات الأمن الفلسطينية حتى الآن بمنعهم من دخول الموقع وتخريبه. وقد ذكر راديو إسرائيل أن عدداً من الشبان "الرعاع" قد اقتحموا المكان وأشعلوا النار في الكنيس والموقع العسكري فيه، وأن نيران النصر قد أطلقت في الهواء).
    وخلال تغطية الجروسالم بوست لذلك الحدث على مدى يومين متتاليين لم تُشر الصحيفة إلى إصدار الرئيس عرفات تعليماته بإعادة ترميم الموقع والمحافظة عليه احتراما لجميع الديانات. ولم يتم ذكر أية مصادر فلسطينية أبدا، بل كانت المصادر التي ذكرتها الصحيفة: راديو إسرائيل، ستة مصادر عسكرية إسرائيلية، سياسي إسرائيلي واحد، رئيسي الحكومة الإسرائيلية، المجموعة الأوروبية ومدير الكنيس اليهودي. وذكرت الصحيفة أن قناة الجزيرة الفضائية على أساس أنها مصدر فلسطيني وهي حقيقة ليست كذلك:
    (وقد قامت الشرطة والجيش الإسرائيلي بالبحث عن المواطن الأمريكي "هيلل ليبرمان" من سكان "ألون موريه". الذي أبلغ عن اختفائه في الليلة الماضية. وهناك خشية أن يكون في مكان ما داخل المناطق الفلسطينية. وقد قال رافي يافه ( الناطق باسم شرطة يهودا والسامرة ) أن عائلة المختفي رفضت التعاون مع الشرطة. لكن وكالة الأنباء الفلسطينية الجزيرة قالت أن ليبرمان الذي ذهب للاحتجاج على الانسحاب قد قتل على أيدي الفلسطينيين). صحيفة الجروسالم بوست بتاريخ 8/10/2000.

    اللغة العبرية تدخل الخدمة العسكرية

    تتبنى جميع الصحف الإسرائيلية المصطلحات والعبارات والتعريفات التي يطلقها الجيش الإسرائيلي بالنسبة للصراع الحاصل في المناطق، دون مناقشتها أو السؤال عن صحة استعمالها. فخلال انتفاضة الأقصى، لجأت جميع الصحف الإسرائيلية (ما عدا هآرتس) إلى نشر التصريحات والأخبار التي تصدر عن الناطق العسكري الإسرائيلي دون مناقشتها أو حتى التعليق عليها. كثيراً ما كان الجيش الإسرائيلي يقول "أن تبادلاً كثيفاً للنيران قد حصل" ولكن كانت صحيفة هآرتس تنفي ذلك. كانت معظم الصحف الإسرائيلية تنشر ما يقوله راديو إسرائيل دون أن تتحقق من صحة المعلومات. فمثلاً ذكر راديو إسرائيل أن صبياً فلسطينياً ابن 17 سنة قد قتل في بلدة بيت جالا بعد أن "قام الجيش الإسرائيلي بتحديد مصدر إطلاق النار وقتله" والحقيقة أن الصبي الفلسطيني قد قتل داخل بيته، فيما المسلحون الفلسطينيون الذين كانوا يطلقون النار نحو "جيلو" تمركزوا في موقع آخر في المنطقة. (الصبي المقصود هو الشهيد أسامه إبراهيم قرابي الذي قتل بتاريخ 20/2/2001 في بيت جالا).
    لقد قامت وسائل الإعلام الإسرائيلية باستخدام مصطلحات مبتكرة جديدة في وصف أحداث الانتفاضة. (بعد مقتل باروخ كوهين قام الجيش الإسرائيلي بتتويج بيت لحم) ولكن روجر هيركس مراسل صحيفة Dagsavisen النرويجية كتب بتاريخ 19/3/2001 يقول:
    (قد يظن البعض أن "تتويج" مدينة ما هو أمر لطيف ومحبب، ولكن الأمر ليس كذلك، بل هو استخدام لعبارة باللغة العبرية لوصف عمل عسكري قام به الجيش الإسرائيلي. ويبدو أن معرفة المحررين العسكريين بأن الناس لا ترغب كثيراً في سماع أخبار العمليات العسكرية، جعلتهم يبتكرون مصطلحاً أكثر قبولاً فجاءوا بكلمة "تتويج" المأخوذة من "تاج"، والتاج في تلك العبارة ليس سوى الجيش الإسرائيلي الذي أعاد احتلال مدينة بيت لحم.)
    كتب الصحافي الإسرائيلي ألوف بن كتب في صحيفة هآرتس بتاريخ 4/3/2001 على الصفحة الأولى يقول: (يريد الجيش أن يحافظ على إغلاق المدن والقرى الفلسطينية، وأن يوجّه ضربات مختارة ضد الفلسطينيين الذين يتم تحديدهم على أساس أنهم يخططون بأعمال إرهابية ونشاطات أخرى ضد إسرائيل). وتسمية "ضربات مختارة" لا يمكن أن تكون أفضل وصف عادل يمكن أن يطلق على عمليات القتل والاغتيال التي قام بها الجيش الإسرائيلي ضد نشيطين فلسطينيين دون أية تهم توجّه لهم ودون جلبهم لمحاكمات عادلة، وفي ذلك خرق فاضح للقوانين الدولية، بل وللقانون الإسرائيلي نفسه. وفي نفس اليوم (4/3/2001) كتب الصحافي جدعون ليفي في هآرتس مقالاً مفصلاً عن إغلاق المناطق الفلسطينية ونهج الحكومة الإسرائيلية القائم، فقال:
    (إن قبضة الإغلاق الحديدية بهيئتها الجديدة تضغط بشكل متزايد على مليونين وثمانمائة ألف فلسطيني، دون أن يقول أحد أية كلمة، لا حول طاولة الحكومة المغادرة، ولا من الحكومة الجديدة، ولا من المعارضة اليسارية.)
    وتستخدم الصحافة الإسرائيلية مصطلح (أعمال هندسية ذات طابع أمني) لوصف قيام آليات الجيش الإسرائيلي بتجريف الأراضي الزراعية الفلسطينية في قطاع غزة. وفي الوقت الذي يقول فيه الفلسطينيون أن ذلك نوع من (التطهير العرقي والتهجير القسري) تقول الصحافة الإسرائيلية أنه ليس سوى (توسيع جوانب المستوطنات).
    وللصحافي كامل الحرية في اختيار عباراته وكلماته، ولكن لا يجب عليه أن يلتزم بالكلمات التي تصدر عن الجيش الإسرائيلي لوصف عمليات القتل خارج إطار القانون التي يقوم بها. بل كان جدير هنا أن يضيف الصحافي فيقول أن عمليات الاغتيال هذه التي تجري خارج إطار القانون ودون محاكمة عادلة، لا تختلف كثيراً عن عمليات الإعدام التي تقوم بها السلطة الفلسطينية ضد المتعاونين مع إسرائيل، في محاكمات قصيرة وغير عادلة ولا تقبل الاستئناف .
    ولو نظرنا إلى استخدام المصادر في صحف يديعوت أحرونوت والجروسالم بوست وهآرتس ، لوجدنا أن أول اثنتين تستخدمان وبشكل مستمر مصادر إسرائيلية بالنسبة لما يجري في المناطق المحتلة، بينما تلجأ صحيفة هآرتس إلى ذكر مصادر فلسطينية بين الحين والآخر،بقولها (ادّعت مصادر فلسطينية ..) ، كما وتذكر صحيفة هآرتس في بعض الأحيان أسماء الضحايا من المدنيين الفلسطينيين بينما تكتفي بقية الصحف بالقول أنهم عرب أو فلسطينيين.
    الصحافية مارجوت دودكوفيتش كتبت في صحيفة الجروسالم بوست تحت عنوان "العنف يجتاح إسرائيل والمناطق" بتاريخ 2/10/2000 تتهم وسائل الإعلام الفلسطينية بأنها وراء مقتل 29 فلسطينياً على أيدي الجيش الإسرائيلي خلال ثلاثة أيام من المظاهرات، لأن الإعلام الفلسطيني –حسب قولها- (فضّل المشاركة في حماية الأقصى)، وقد اعتمدت دودكوفيتش على خمس مصادر إسرائيلية ومصدر فلسطيني واحد.
    وفي مقال آخر نشر في صحيفة الجروسالم بوست بتاريخ 25/10/2000 جاء أن (وزارة الخارجية تساعد عشرات العائلات المسيحية على مغادرة المناطق الفلسطينية). وحسب ما جاء في ذلك المقال أن وزارة الخارجية أجرت اتصالات مع سفارات المملكة المتحدة وكندا وقبرص بهذا الشأن. إلا أن السفارات المعنية أنكرت الموضوع، كما وأن المواطنين المسيحيين الفلسطينيين هم أيضاً أنكروا القصة جملة وتفصيلا.
    (حسب ما قال الراهب رائد أبو صالحية: سوف تبقى العائلات المسيحية مرابطة في هذا المكان).
    ثم كتبت مارجوت دودكوفيتش في الجروسالم بوست بتاريخ 4/3/2001 تقول أن أربعة فلسطينيين قتلوا، ولم تذكر كيف أو لماذا، وهذا مألوف بالنسبة لها. ويذكر نفس المقال جنازة تشييع الطفل الفلسطيني أُبي محمود درج (9 سنوات) من البيرة فتقول:
    ( .. الذي قتل في بيته خلال تبادل كثيف للنار بين فلسطينيين من البيرة وجنود من الجيش الإسرائيلي في "بساجوت" استمر لعدة ساعات بعد الظهر، وتجدد أيضاً في المساء.)
    ولكن الجيش الإسرائيلي صرّح حول تلك الحادثة أنه عندما قتل الطفل أبيّ لم يكن هناك أي تبادل لاطلاق النار في المنطقة، بل يبدو أن قتالاً داخلياً وقع بين الفلسطينيين، ولم يكن هناك أي إطلاق نار نحو "بساجوت". ثم تواصل دوكوفيتش مقالها فتذكر ضحايا آخرين من الجانب الفلسطيني دون أن توضح فيما إذا كانوا مشاركين في المواجهات أو إطلاق النار أو غير ذلك.
    وعندما قتل الطفل محمد جمال الدرة بتاريخ 30/9/2000 جاء في صحيفة الجروسالم بوست تحت عنوان (الكاميرا تلتقط موت مأساوي لطفل) :
    (البعض يقول أن محمد جمال الدرة، 12 سنة من مخيم البريج للاجئين، كان مشاركاً في رشق الموقع العسكري في نتسار يم بالحجارة، عندما جاء والده ليأخذه ولكنه أصيب. وآخرون يقولون أنه كان عائداً من سوق السيارات المستعملة عندما وجد نفسه في مرمى النيران بين جنود الجيش الإسرائيلي والمسلحين الفلسطينيين).
    صحيفة هآرتس ذكرت بتاريخ 3/10/2000 أن:
    (الجيش الإسرائيلي يعتذر عن قتل ولد عمره 12 سنة في غزة)
    وفي نفس اليوم قالت صحيفة الجروسالم بوست كلاماً مغايراً:
    (الجيش الإسرائيلي: ليس خطأنا أن الولد قد قتل) ولكن المقال نفسه ذكر أن سبعة منظمات حقوق إنسان إسرائيلية قد طالبت رئيس الوزراء ايهود باراك بتعيين لجنة تحقيق مستقلة في القضية من خارج الجيش.
    وصحيفة هآرتس تصدر باللغتين العبرية والإنجليزية، وكثيراً ما تختلف العناوين في النسخة الإنجليزية عنها في النسخة العبرية، فتكون بالإنجليزية أكثر اعتدالا.
    مثال على ذلك العدد الذي صدر بتاريخ 13/3/2001 عندما ورد في هآرتس باللغة العبرية تقرير تحت عنوان "وزير الدفاع يقول للمستوطنين: أنا أحييكم".
    (قال بن اليعازر "وزير الدفاع الإسرائيلي" أنه يشعر بالتقدير والإعجاب للمستوطنين في مجلس المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية المعروف باسم "يشع". وأضاف أن المستوطنين يواجهون حرباً فُرضت عليهم، وهم يقومون بذلك بشجاعة وهدوء، وهم نموذج في ذلك. أنا أحييهم، ولكن يجب عليهم أن يفهموا أنه لا يمكن إيجاد حل بيدٍ سحرية، وأن إعادة الاستقرار والنظام عملية ليست سهلة.)
    لا يناقش التقرير المنشور تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي بأي شكل. ولكن المثير في الأمر هو الاختلاف في العناوين ما بين النسخة العبرية والإنجليزية، وحول نفس الموضوع كان عنوان النسخة الإنجليزية بتاريخ 13/3/2001: (بن اليعازر يُعارض استخدام الدبابات ضد السلطة الفلسطينية).
    وفي عنوان أخر لصحيفة هآرتس بتاريخ 11/3/2001 ما يلي: (مستوطنون يهاجمون صحافيين في الخليل). ويبدأ الخبر بالحديث عن مدني فلسطيني قتله الجيش الإسرائيلي وأحداث أخرى، بينما قضية مهاجمة المستوطنين للصحافيين أخذت اهتماماً أقل في التقرير.
    يمكن أن نعتبر ما جاء بقلم ايتان رابين في صحيفة معاريف بتاريخ 12/3/2001 مثالاً للصحافة السيئة. العنوان كان: (اتهام الصحافيين الفلسطينيين بتسريب معلومات أدت إلى إطلاق النار نحو وزير الدفاع) وفي الخبر كان تفصيل عن شائعات حول قيام عدد من الصحافيين الفلسطينيين بتسريب أخبار إلى حزب الله الذي قام بدوره بإطلاق النار نحو وزير الدفاع الإسرائيلي بنيامين بن اليعازر ورئيس هيئة الأركان شاؤول موفاز ، أثناء زيارتهم لمستوطنات غوش قطيف في قطاع غزة. والتقرير كان مفصلاً وفيه اتهام واضح للصحافيين الفلسطينيين بأنهم مرتبطون ويدعمون حركتي حماس والجهاد الإسلام، ويقدمون لهما المعلومات عن زيارات المسؤولين الإسرائيليين، كل هذا على أساس الشائعات. وفي نهاية قلل الكاتب نفسه (وهو معروف بأنه ينقل روايات الجيش الإسرائيلي عن الأحداث وكأنها حقائق) من أهمية تقريره عندما قال:
    (قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بعد التحقيق أنه يبدو أن إطلاق النار كان موجهاً نحو موقع عسكري مجاور، ولم تكن له علاقة بجولة بن اليعازر ، وأن النشاطات الإرهابية المعادية تعتبر أمراً مألوفاً في تلك المنطقة منذ اندلاع العنف.) , ولم يُذكر في التقرير قبل ذلك أن تحقيقاً قد جرى ، وكان حريّاً أن يكون العنوان (التحقيق ينفي التهم عن الصحافيين الفلسطينيين) بدلاً من الاعتماد كلياً على الشائعات كما جاء في التقرير.

    ج - التحريض في وسائل الإعلام الإسرائيلية

    التحريض موجود في العديد من الصحف الإسرائيلية، حيث تنشر تصريحات على لسان العديد من الأشخاص الذين يدعون إلى العنف. وفي الوقت الذي تتهم فيه إسرائيل رجال الدين الفلسطينيين بأنهم يحرضون على العنف، بنفس الطريقة يقوم حاخامات يهود بطرح آراء مماثلة حول الصراع القائم.
    { " ممنوع التسامح معهم. يجب إرسال القذائف عليهم، والقضاء عليهم. أنهم شريرون وملعونون. " الحاخام عوفاديا يوسف، نيسان 2001 }
    بتاريخ 23/11/2000 قالت صحيفة معاريف: (قادة اليمين يطالبون برد فعل قوي) حيث أشارت الصحيفة أن زعماء اليمين الإسرائيلي طالبوا رئيس الوزراء آنذاك ايهود باراك بتنفيذ رد فعل قوي ومؤثر على عملية التفجير التي وقعت في الخضيرة في اليوم السابق. وقد طالبوا أيضاً بتدمير البنية التحتية للسلطة الفلسطينية وإعلان حالة الحرب عليها وملاحقة وقتل القادة الفلسطينيين، وإعادة احتلال المناطق الفلسطينية.
    في البداية تحدث الصحافيون الإسرائيليون عن الانتفاضة على أنها (أحداث شغب واضطرابات محلية) مستخدمين عبارات وكلمات الجيش الإسرائيلي، دون البحث عن الحقيقة، مضللين بذلك الرأي العام الإسرائيلي حيث جعلوه يؤمن أن الفلسطينيين هم المعتدون في جميع الأوقات، بينما الجنود الإسرائيليون يدافعون عن أنفسهم في وجه الحجارة والرصاص الفلسطيني. صحيح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ايهود باراك قد أعطى الإذن بتاريخ 30/10/2000 للجيش الإسرائيلي للقيام بمبادرات كرد فعل على العنف الفلسطيني، إلا أن جميع عمليات الجيش الإسرائيلي قبل ذلك التاريخ كانت تُقدم على أنها ردود فعل، وفي هذا بعد عن الحقيقة والموضوعية. فكلمة "رد فعل" توفّر ضمنياً سبباً للقيام بالهجوم، وتفسر الأمر بنفسها. والصحافيون الإسرائيليون يتبعون نهج حكومتهم بولاء شديد، فلا يتساءلون مثلاً لماذا قام الجيش الإسرائيلي بقصف مناطق مدنية وبيوت سكنية، بل يلقون بالمسؤولية على الطرف الآخر.
    الصحف الإسرائيلية لا تذكر أسماء الضحايا الفلسطينيين، بل تشير لهم بعبارة (مواطنين عرب). وتساعد وسائل الإعلام الإسرائيلية الجيش الإسرائيلي باتباع أسلوب الحرب، فلا تتحدث عن المواقف الإنسانية، بل تركز على الضرر المصاحب للحدث. فيصبح الفلسطينيون أرقاماً ليس أكثر، وبالتالي يسهل تفسير قتل عدد منهم على أيدي الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، أي يُنظر لهم على أساس أنهم أقل درجة من الإنسان. وكذلك فأن تنتقي الصحافة الإسرائيلية مصطلحاتها بدقة متناهية، فكلمات (مجتمعات) و (أحياء سكنية) تستخدم للإشارة إلى المناطق التي يسكنها اليهود، بينما الفلسطينيون يعيشون في (مناطق) أي أنهم ليسوا أفراداً في تجمعات أو أحياء سكنية.
    وعلى نفس المنوال، تبنت الصحف الإسرائيلية محاولة الحكومة الإسرائيلية إعادة تعريف الأزمة القائمة، ففي كانون ثاني من هذا العام قامت بوصف الوضع على أنه (أعمال عنف) وليس (احتلالاً عسكرياً) كما هو واقع الحال، من أجل التهرب من المسؤوليات التي تقع على عاتق القوة المحتلة مثل حماية المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرتها. (هذا ما جاء في صحيفة هآرتس بتاريخ 7/1/2001) . ولجأت الصحف الإسرائيلية إلى استخدام عبارات (حالة الطوارئ) و (حالة الحرب) ولكنها لم تُعلم القارئ أين تجري هذه الحرب التي يتحدثون عنها.
    وعندما تحدثنا كيف أن الصحف الفلسطينية تنشر قصصاً عن الأطفال الفلسطينيين الذين يواجهون الجيش الإسرائيلي وتمجّدهم، بنفس الطريقة تجري الصحف الإسرائيلية مقابلات مع جنود وقناصة إسرائيليين تمتدح فيها "بطولاتهم". فيما يلي ما ورد في صحيفة الجروسالم بوست بتاريخ 27/10/2000 بقلم أريه سوليفان:
    (لقد أطلقتُ النار فأصبت شخصين في أرجلهم. من المفروض أن نكسر عظامهم ونعيقهم ولكن لا نقتلهم. كيف شعرتُ؟ .. حسناً، لقد شعرتُ حقاً بالرضى عن نفسي. شعرت أنني أستطيع أن أقوم بما أوكل إلي وتدربتُ عليه. وأعطاني ذلك إحساساً بالثقة بالنفس، وأنه إذا دخلنا في حرب إنني أستطيع أن أحمي نفسي ورفاقي.)
    بعد أن وقعت مواجهات بين المواطنين العرب والشرطة الإسرائيلية في الناصرة، كتبت صحيفة يديعوت أحرونوت بتاريخ 3/10/2000 تقول:
    (الأمس كان يوماً صعبا: مقتل جندي واحد، ومواطن إسرائيلي واحد، وخمسة عرب، وثمانية فلسطينيين). والإشارة إلى المواطنين العرب في إسرائيل على أنهم (عرب) فقط، توحي بأنهم ليسوا مواطنين إسرائيليين. ولم تشر الصحف الرئيسية في إسرائيل إلى السكان العرب في إسرائيل في أحداث بداية شهر تشرين أول 2000 إلى أنهم (مواطنين إسرائيليين).
    حول هذا الأمر يقول مركز حماية الديمقراطية في إسرائيل أنه عندما يرتكب مواطن يهودي جريمة قتل فإن الصحافة الإسرائيلية تشير إلى ذلك بعبارة (اليهود يأخذون القانون بأيديهم) بينما عندما يرتكب مواطن عربي، أو فلسطيني أحداث عنف أو جريمة ما، تذكر الصحافة الإسرائيلية ذلك بعبارة (العرب يصبحون متوحشين). أنظر تقرير مركز حماية الديمقراطية في إسرائيل تحت عنوان: هل وسائل الإعلام في إسرائيل إسرائيلية أم يهودية؟ الذي يتحدث عن الأحداث التي وقعت في بداية شهر تشرين أول داخل إسرائيل.
    كتب المراسل العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت رون بن يشاي عدة مقالات تحريضية في الأشهر الأخيرة ، حيث جعل من الصعب التمييز بين دوره كصحافي أو ناطق باسم الجيش الإسرائيلي. مثال على ذلك ما جاء في صحيفة يديعوت أحرونوت بتاريخ 21/11/2000 حيث دعا بن يشاي وبعاطفة جيّاشة الجيش الإسرائيلي للقيام بهجمات واستخدام مختلف أنواع الأسلحة للرد على الفلسطينيين:
    (يجب أن نفهم أن عرفات ونظامه هم أعداؤنا. ويجب أن نضربهم بشكل منتظم ودقيق حتى يطلبوا وقف إطلاق النار).
    من الواضح أن رون بن يشاي قد تجاوز خط عمله كصحافي عندما طالب الجيش القيام بهجمات. ولو أن السلطة الفلسطينية كانت حكومة أو دولة ذات سيادة كاملة، لكانت دعوة بن يشاي بمثابة طلب إعلان حرب.
    صحيفة هآرتس نشرت بتاريخ 11/3/2001 صورة للرئيس عرفات على صفحتها الأولى وهو يتحدث إلى جلسة المجلس التشريعي الفلسطيني في اليوم السابق. وقد اختارت الصحيفة أسوأ صورة يمكن الحصول عليها في تلك الجلسة، ظهر فيها عرفات وقد حملقت عيناه وبدا مخيفا.
    أما صحيفة يديعوت أحرونوت فقد نشرت بتاريخ 6/12/2000 خبراً يدعو إلى مقاطعة ومضايقة السكان العرب:
    (تم تشكيل مجلس أمني في "كتسير" في وادي عارة داخل إسرائيل وذلك بهدف معارضة ومحاربة وجود العرب في المنطقة. وقد اقترح المجلس أن يتم توقيف العرب وتفتيشهم والتضييق عليهم، لإرغامهم على ترك المكان. وقد حذّر التقرير الشهري الذي يصدره المجلس أنه "عندما يبلغ عدد العائلات العربية عشرين، فقد يطلبون بناء مسجد، وذلك سوف يخلق مشكلة كبيرة لنا.)
    الصحف الإسرائيلية نشرت العديد من الدعوات لمحاربة الفلسطينيين ومعاملتهم معاملة لا إنسانية. ولعبت الصحافة الإسرائيلية دوراً رئيسياً في تشكيل الرأي العام الإسرائيلي والتأثير على مجرى الأحداث. ولنأخذ مثلاً مقتل الطفلة اليهودية شلهيفت باس (10 أشهر) في مدينة الخليل بتاريخ 26/3/2001، ذلك الحدث الذي أخذ تغطية إعلامية كبيرة جدا، وأبرزته الصحافة الإسرائيلية المركزية على صدر صفحاتها الأولى، التي أكدت أن الطفلة قتلت بفعل رصاصة أطلقها قناص فلسطيني من حي أبو سنينة في وسط مدينة الخلي، واستهدف رأس الطفلة. فجاءت عناوين الصحف الإسرائيلية على النحو التالي:
    (قناص يقتل الرضيعة شلهيفت) في يديعوت أحرونوت ، و (مقتل طفلة) في معاريف ، وبينما ذكرت معاريف أن رصاصة واحدة أطلقت على الطفلة، قالت يديعوت أحرونوت أنه سمعت عدة طلقات. أما ناعوم تيفون قائد شرطة الخليل فقال أن مسلحاً فلسطينياً أطلق رصاصتين، ولم تناقش الصحف الإسرائيلية هذا الارتباك وعدم الوضوح. ومن الجدير بالذكر أن وسط مدينة الخليل وبالتحديد حي أبو سنينة قد شهد آلاف حالات إطلاق النار العشوائية في الأشهر الأولى من انتفاضة الأقصى، وتبادل إطلاق نار بين الجانبين بشكل يومي.
    ويقوم الجنود الإسرائيليون كثيراً بإطلاق النار بشكل عشوائي في المناطق الفلسطينية، ولكن لا تأتي الصحف الإسرائيلية على ذكر ذلك. ففي نفس الوقت الذي كانت كل وسائل الإعلام الإسرائيلية منهمكة بقصة مقتل الطفلة شلهيفت ، قام الجيش الإسرائيلي بعد يوم واحد من مقتلها، أي بتاريخ 27/3/2001 بقتل الطفل الفلسطيني محمود الدراويش (11 عاما) في بلدة دورا التي تبعد بضعة كيلومترات عن المكان الذي قتلت فيه الطفلة، وهو يلعب في الساحة الخلفية للبيت مع أخوته، ولكن الصحافة الإسرائيلية لم تنشر شيئاً عن هذه الحادثة.
    قامت السلطات الإسرائيلية بتوزيع صورة الطفلة شلهيفت على وكالات الأنباء بتاريخ 27/3/2001 وأعطتها تلك الوكالات تغطية إعلامية كبيرة، في محاولة للرد على التغطية الإعلامية الهائلة التي نالها حادث قتل الطفل محمد الدرة في بداية الانتفاضة. وقد علّقت صحيفة هآرتس على استغلال مقتل الطفلة شلهيفت باس من جانب الحكومة الإسرائيلية في محاولة لكسب الرأي العام العالمي، واستخدام صور الطفلة بهدف حث الجيش الإسرائيلي على الرد القوي ضد حي أبو سنينة في مدينة الخليل.
    { (أصدرت وزارة الخارجية تعليمات إلى جميع الدبلوماسيين في الخارج لإقناع صانعي القرار أن القناص الذي قتل الطفلة كان يمثل "قسوة لم يسبق لها مثيل"، وأن الحادث كان عبارة عن رد فعل فلسطيني على رفع إسرائيل لقيود الإغلاق المفروضة على المدن الفلسطينية. وفي ذلك تبرير لاستخدام مأساة الطفلة باس في حملة علاقات عامة دعائية. قال المسؤولون الإسرائيليون: "لقد تعلمنا الدرس في الأسابيع الأخيرة، هذه حرب معلنة على شاشات التلفاز، ويجب علينا أن نصدم الرأي العام في جميع أنحاء العالم")صحيفة هآرتس بتاريخ 28/3/2001 }
    وقال نحمان شاي، الناطق باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية: "يجب نشر هذه الصورة في الخارج لتبرير رد فعلنا".
    المستوطنون في الخليل طالبوا مراراً بأن يقوم الجيش الإسرائيلي باحتلال حي أبو سنينة ، مهما كلّف الثمن. ورفضت عائلة الطفلة أن تدفنها قبل أن يعيد الجيش الإسرائيلي احتلال المنطقة. لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون لم يذهب إلى ذلك المدى، إلا أن الجيش الإسرائيلي قاد بنشاطات في المنطقة طوال الأسبوع الذي تلا الحادث، ابتداء من 29/3/2001، فقام بتحذير السكان "حرصاً على سلامتهم" ثم قام الجيش بقصف الحي بالدبابات الإسرائيلية المتمركزة في المنطقة. لقد حصل ذلك بعد الضغط الهائل من الإعلام الإسرائيلي والمستوطنين.
    { قال المستوطنون في رد فعل على مقتل الطفلة شلهيفت باس في الخليل بالأمس:
    (سوف يحدث انفجار ذري في هذا المكان) . الصحافي روني شاكيد في صحيفة يديعوت أحرونوت . }
    تم دفن الطفلة باس بتاريخ 1/4/2001، وبعد الدفن مباشرة قام المستوطنون بنشر الخراب والتدمير في الأحياء الفلسطينية في الخليل طوال ساعات المساء والليل دون أن تقوم الشرطة الإسرائيلية بمنعهم. وقد استعمل المستوطنون بالوناً مليئاً بالغاز فانفجر ودمّر عدة محلات عربية، بينما تم إحراق أكثر من عشرين محلاً آخر على أيدي المستوطنين. ولم يتم اعتقال أي شخص من الذين شاركوا في تلك الاعتداءات. فيما كان تعليق راديو إسرائيل على تلك الأحداث بتاريخ 2/4/2001:
    (المستوطنون اليهود في الخليل يواصلون احتجاجاتهم)
    وكان تعليق صحيفة الجروسالم بوست على الحادث، بتاريخ 2/4/2001:
    (الشرطة: المستوطنون يفجرون أنبوبة في الخليل. اقتحم المستوطنون محلاً يعود لفلسطينيين في الخليل الليلة الماضية وأشعلوا النار في أنبوبة غاز فانفجرت وأحدثت خرابا، حسب رواية راديو الجيش هذا الصباح. وقع الحادث على مقربة من موقع "أبرا هام أبينو" في الحي اليهودي في الخليل. وقد أصيب جراء الحادث ستة رجال شرطة كانوا يقفون في موقع قريب.)
    ولم تأت الصحيفة على ذكر المحلات الفلسطينية التي تم تدميرها بسبب الانفجار الذي تسبب به المستوطنون.
    مثال آخر يوضح كيف يمكن لوسائل الإعلام أن تشكل القرارات السياسية، هو ما حدث مع الشاب الفلسطيني ثابت عاصي (23 سنة من قرية بيت لقيا). فقد نشرت كاميرات التلفاز المحلية والعالمية صورة شاب فلسطينية يطل من نافذة مركز الشرطة في رام الله وقد تلطخت يداه بالدماء، في حادث قتل جنديي الاحتياط الإسرائيليين في رام الله بتاريخ 12/10/2000. وقد قام جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشين بيت) باعتقال الشاب عاصي من بيته على أساس أنه هو من ظهر في الصورة. وقامت الصحافة الإسرائيلية بالتعرف عليه واتهمته وأدانته وأصدرت الحكم عليه مسبقا. وقد خضع عاصي لتعذيب شديد على أيدي رجال "الشين-بيت" لمدة شهرين، واعترف بالتهمة الموجهة إليه. ثم تم اعتقال فلسطينيين آخرين، وبعد بضعة أيام سحب جهاز الأمن التهم المقدمة ضد ثابت عاصي، وقدم ضده تهمة أقل خطورة، وهي الانضمام إلى حركة حماس والمشاركة في المواجهات عند مدخل البيرة الشمالي.
    لكن الصحافة الإسرائيلية التي كانت قد أدانت عاصي وأصدرت حكمها عليه، لم تذكر فيما بعد أي شيء عن سحب جهاز الأمن للتهم الموجهة ضد المعتقل، والاكتفاء بتهمة رشق الحجارة على الجنود الإسرائيليين. وما زال ثابت عاصي مسجوناً ينتظر إجراءات المحكمة.
    صحيفة معاريف قامت بتاريخ 13/3/2001 بنشر خبر عن تفاصيل الفساد الموجود في السلطة الفلسطينية. وقالت أن مصادر سياسية إسرائيلية عليا ساهمت في جمع معلومات عن وجود فساد ورشاوى في السلطة الفلسطينية واستخدام أموال عامة في بناء بيوت فاخرة، مع إشارة إلى علم ياسر عرفات بما يحصل :
    (تدرس إسرائيل نشر معلومات وأرقام عن السلطة الفلسطينية عشية انعقاد القمة العربية في عمان، وذلك في محاولة للرد على محاولة عرفات تحميل إسرائيل المسؤولية عن الوضع المتردي في المناطق الفلسطينية) صحيفة معاريف بتاريخ 13/3/2001.
    ويذهب الخبر المنشور في صحيفة معاريف لتفصيل أمثلة عن الفساد في السلطة الفلسطينية وكأن تلك المعلومات أصبحت حقائق ثابتة. أن موضوع الفساد في السلطة الفلسطينية ليس جديدا، ولكنها المرة الأولى التي تلجأ فيها إسرائيل إلى استخدامه كوسيلة دعائية ضد السلطة الفلسطينية، وبالطبع بتعاون واضح من الصحف الرئيسية في إسرائيل.

    د - نشر تقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان

    لا تبدي وسائل الإعلام الإسرائيلية أي اهتمام للقانون الإنساني الدولي في تحليلها لما يحدث في الأراضي المحتلة. فهناك إلغاء تام لعبارات (اتفاقية جنيف الرابعة)، (الاحتلال)، (حماية السكان المدنيين)، ولا تشير الصحافة الإسرائيلية أبداً إلى كون المستوطنات اليهودية في المناطق الفلسطينية "غير شرعية" أو "مخالفة للقانون الدولي". ونفس الشيء ينطبق على قرارات هيئة الأمم المتعلقة بالصراع القائم في المنطقة. وعندما قامت منظمة العفو الدولية "أمنستي" ولجنة حقوق الإنسان التابعة لهيئة الأمم ووزارة الخارجية الأمريكية بنشر تقارير تنتقد إسرائيل لانتهاكها أبسط مبادئ حقوق الإنسان، وفي بعض الحالات اتهام إسرائيل بأنها ترتكب جرائم حرب، لم تقم الصحف الإسرائيلية بنشر هذه التقارير، أو أشارت لها بأخبار جانبية دون ذكر التفاصيل (باستثناء صحيفة هآرتس التي نشرت أجزاء من تلك التقارير، ومن تقارير منظمات حقوق إنسان إسرائيلية وفلسطينية).
    لقد قامت الصحافة الإسرائيلية بنشر الجزء من تقرير (أطباء من أجل حقوق الإنسان) والذي يستنتج أن المواطن الفلسطيني عصام جودة، من أم صفا، قد توفي نتيجة حادث سير، كما ذكر الجيش الإسرائيلي وقت وقوع الحادث. لكن الصحافة الإسرائيلية أغفلت ولم تنشر الجزء من نفس التقرير الذي يدين إسرائيل لانتهاكها اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين، واستخدام إسرائيل المفرط للقوة ضد المتظاهرين الفلسطينيين. وقد ركزت الصحف الإسرائيلية في دفاعها على نشر نقطتين هامتين وهما، أن الجنود الإسرائيليين لا يطلقون النار إلا في حالة الدفاع عن النفس، وأنهم لا يستهدفون إلا قادة المتظاهرين. ثم حاولت الصحف الإسرائيلية أن تقلل من أهمية التقرير والمنظمة التي أصدرته والمعلومات التي وردت فيه.
    وتفتقد الصحافة الإسرائيلية أحياناًً الدقة والصحة في نشر المعلومات المتعلقة بالقانون الإنساني الدولي، ولنأخذ مثالاً على ذلك ما جاء في صحيفة الجروسالم بوست بتاريخ 26/12/2000 بقلم "ألوف بن" حول قرار الجمعية العمومية لهيئة الأمم رقم 194، حيث قال "بن" أن قرارات الجمعية العمومية (ليست مُلزمة، وهي بالأساس ليست أكثر من اقتراحات). وفي هذا القول مغالطة كبيرة، لأن هيئة الأمم تمثل الرأي العام العالمي، وقد صوّتت بأغلبية ساحقة على المادة رقم 11 الواضحة في القرار 194 بأنه يجب السماح للاجئين بالعودة إلى بيوتهم ويتم دفع التعويض لأولئك الذين اختاروا عدم العودة. صحيح أن قرارات الجمعية العمومية هي توصيات، ولكن مصطلحات "ليست مُلزمة" و "اقتراحات" ليس لها وجود في نص القرار سواء باللغة الإنجليزية أو الفرنسية.
     

تعريف المجموعة  -  بيانات صحفية - الرقــيب -  مصادر و مراجع -  روابط ذات صلة - الصفحة الرئيسية