الاسراف في القتل
تقرير حول القصف الاسرائيلي للمناطق الفلسطينية خلال انتفاضة الاقصى
مقـدمـة
عندما اندلعت المظاهرات والاحتجاجات ضد الاحتلال الإسرائيلي في الضفة
الغربية وقطاع غزة بتاريخ 29/9/2000 لم يكن أي أحد يتصور أن تستخدم إسرائيل
الدبابات والطائرات والأسلحة الثقيلة في قصف مناطق سكنية مكتظة بالناس.
فمنذ بداية انتفاضة الأقصى تعرّضت المخيمات والقرى والمدن الفلسطينية
لهجمات متواصلة من القصف الإسرائيلي. لقد قامت إسرائيل بالرد على إطلاق نار
متفرق من مسلحين فلسطينيين على مواقع عسكرية ومستوطنين إسرائيليين بوابلٍ
من القذائف والصواريخ والقصف العنيف من الدبابات والمروحيات الحربية
الإسرائيلية. لقد قضى العشرات من الفلسطينيين داخل بيوتهم شهداء نتيجة هذا
القصف الإسرائيلي.
يعيش ما يزيد عن 900,000 فلسطيني في المناطق التي تعرّضت للقصف الإسرائيلي،
وأكثر المناطق تضرراٌ كانت: مدينة الخليل وخاصة البلدة القديمة منها، وبيت
جالا وبيت ساحور وبيت لحم وأريحا والبيرة ورام الله ونابلس (في الضفة
الغربية) ورفح وخانيونس ومخيماتها، ودير البلح ومدينة غزة. عدة آلاف من
المنازل الفلسطينية أصابها دمار كامل أو جزئي جرّاء القصف الإسرائيلي.
2400 دونم من الأراضي الزراعية تم تدميرها، بما فيها 25 ألف شجرة زيتون
مثمرة قُضي عليها، والمئات من البنايات التجارية والصناعية تم تدميرها تبلغ
تكلفة إعادة بنائها الملايين من الشواقل، كما أن ما يقارب 92 بناية عامة
تشمل مستشفيات ومدارس وعيادات ومحطات كهرباء ومجالس بلدية تم تدميرها بشكل
كلي أو جزئي كذلك.
يهدف هذا التقرير إلى بيان حجم الدمار والضرر الناجم عن القصف الإسرائيلي
للبنية التحتية في المناطق الفلسطينية وبيان فيما إذا كان ذلك يُشكل
انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان الفلسطيني. إن الأساس الذي يجب أن نقيس عليه
يتمثل بالمواثيق والشرائع الدولية التي حددت القانون الإنساني، مثل معاهدة
هاغ الدولية واتفاقية جنيف الرابعة وملحقاتها، ومدى تطابقها مع حالة الحرب
القائمة في المناطق الفلسطينية المحتلة.
أن الناطق باسم الجيش الإسرائيلي يدّعي أن استخدام القوة ضد الانتفاضة
الفلسطينية محدود ومُبرر بالضرورة العسكرية، وهذا سبب تقبله اتفاقية جنيف
الرابعة، ويعتمد هذا المبرر على أن هدف الجيش الإسرائيلي هو ردع المسلحين
الفلسطينيين من إطلاق النار على المستوطنات والطرق الالتفافية والتسبب
باصابات في صفوف المدنيين اليهود.
لقد سعت المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان إلى دحض هذا الإدعاء، من
خلال بحث حجم الدمار الذي وقع للبيوت والأراضي الزراعية والمباني التجارية
والبنية التحتية المدنية، فوجدت المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان
أن من الصعب تصديق الإدعاء الإسرائيلي، بل على العكس، أن ما وقع من دمار
كبير كما ورد في تقارير المجالس البلدية والوزارات الفلسطينية والمنظمات
الدولية والهيئات الإسرائيلية يُشير إلى تفسير مختلف:
أولاً: استراتيجية الجيش الإسرائيلي تعتمد على ممارسة الضغط على السكان
المدنيين لدفعهم إلى ممارسة الضغط على المسلحين الفلسطينيين الذين يطلقون
النار على مواقع عسكرية ومستوطنات إسرائيلية، وبشكل أعمّ، على القيادة
الفلسطينية لتقديم تنازلات في مفاوضات السلام. هذه إستراتيجية لها جذور في
الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، أساسها استخدام القوة ضد المدنيين (إرهابٌ
تمارسه دولة ضد مجتمع أعزل) من أجل الضغط على الجماعات السياسية
الفلسطينية.
ثانياً: إطلاق النار من الجانب الفلسطيني كان في معظمه ضد أهداف ومواقع
عسكرية للجيش الإسرائيلي، حسب تصريحات الجيش الإسرائيلي نفسه في الفترة ما
بين 29/9 – 31/12/2000.
ثالثاً: أن حجم الدمار الهائل الذي سبّبه القصف الإسرائيلي للمناطق
الفلسطينية يُظهر حقيقة أنه لم يكن "للضرورة العسكرية أو الأمنية" كما ورد
تعريفها في القانون الإنساني الدولي.
رابعاً: أن أسلوب الحرب الذي اتبعه الجيش الإسرائيلي واستخدام أنواع مختلفة
من الأسلحة كان عشوائياً واستهدف أهدافاً مدنية مثل منازل سكنية لم تُطلق
منها أية نيران ضد جنود أو مواطنين إسرائيليين.
وبغض النظر سواء كان هذا التفسير للاستراتيجية الإسرائيلية صحيحاً أم غير
ذلك، فأن الدمار والضرر الذي سببه القصف الإسرائيلي يُشكل عقاباً جماعياً
لمجتمع مدني أعزل، ويعرّف العقاب الجماعي بأنه معاقبة جمع كثير على جريمة
ارتكبها نفر قليل. ويُنظر للعقاب الجماعي على أنه أمر غير أخلاقي، ومُحرّم
بشكل قاطع حسب اتفاقية جنيف (مادة 33، 53) وهي جزء من القانون الدولي. أن
القصف الإسرائيلي لا يُمثل سوى شكلاً واحداً من أشكال العقاب الجماعي الذي
تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، فهناك أيضاً الإغلاق المتكرر للمناطق،
وما يترتب عليه من صعوبات اقتصادية خانقة، وهدم المنازل، وحملات الاعتقالات
وغيرها.
لن نتطرّق في هذا التقرير للأسباب التي أدت إلى اندلاع انتفاضة الأقصى، حيث
أن المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان كانت قد أصدرت تقريراً شاملاً
تحت عنوان (انتفاضة الأقصى: ممارسات لا إنسانية بحق الإنسانية) صدر في شهر
تشرين أول عام 2000. ولكن بلا شك يمكننا أن نوجز تلك الأسباب فيما يلي:
غالبية المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية (بما فيها شرقي القدس) وقطاع
غزة يعيش في مدن وقرى ومخيمات مكتظة، في ظروف اقتصادية وصحية واجتماعية
صعبة خلقها الاحتلال الإسرائيلي الطويل لهذه المناطق، فتتحكم إسرائيل في
خطط البناء الفلسطينية، وفي الاقتصاد الفلسطيني، إضافة إلى الممارسات
الإسرائيلية الظالمة والقاسية مثل سحب الهويات ومصادرة الأراضي وبناء
المستوطنات اليهودية وتقييد حرية الحركة، واستمرار سجن المناضلين، وشعور
المواطن الفلسطيني بالإذلال تحت حكم الأجنبي لعقود خلت. ولم تمنح اتفاقيات
اوسلو السلمية التي وقعت في أيلول 1993 السلطة الفلسطينية سوى القليل من
الصلاحيات، لذلك لم يحدث التغيير والازدهار الذي كان متوقعاً، فأحدث ذلك
احباطاً ويأساً في صفوف الجماهير الفلسطينية، ناهيك عن الممارسات الخاطئة
في أداء السلطة الفلسطينية نفسها.