الاسراف في القتل
تقرير حول القصف الاسرائيلي للمناطق الفلسطينية خلال انتفاضة الاقصى
قصف عشوائي، قوة مُفرطة وعقاب
الجماعي
يقوم الجيش الإسرائيلي بتبرير كل ما يقوم به من قتل ودمار بعبارة "الضرورة
العسكرية أو الأمنية" التي تقتضي ذلك، وتستخدم إسرائيل هذه الذريعة لتفسير
كل ما تقوم به من إجراءات ضد الشعب الفلسطيني، من قتل للأطفال والشباب
والشيوخ والنساء، تدمير البيوت والأراضي الزراعية، قصف البنايات والمنازل
السكنية، مصادرة الأراضي، الإغتيالات، فرض نظام منع التجول، إغلاق الطرق
وتقييد حرية الحركة وغيره من الإجراءات الظالمة.
فقد ردّ الناطق باسم الجيش الإسرائيلي على أسئلة وجهتها له المجموعة
الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان بقوله:
"هناك تعليمات للجيش الإسرائيلي بأن يتصرّف وفق مبادئ القانون الدولي.
وخلال الأشهر الأخيرة، ومع القتال الدائر في الضفة الغربية وقطاع غزة، فقد
تم توجيه تعليمات للجيش الإسرائيلي بأن يتصرّف على أساس أن هناك حالة
الحرب، ولهذا يتم تقييم ما يقوم به الجيش الإسرائيلي، كأفراد، على أساس
مبادئ القانون الدولي." / من رسالة الناطق باسم الجيش الإسرائيلي للمجموعة
الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان بتاريخ 14/01/2001.
وحين ننظر إلى أنواع الأسلحة والذخيرة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في
مواجهة الفلسطينيين المنتفضين، ندرك إلى أي مدى تتهاوى مقولة "الضرورة
العسكرية أو الأمنية".
4/1) الضرورة الأمنية
السؤال الذي نطرحه: هل تتذرع إسرائيل بمقولة الدواعي الأمنية أو "الضرورة
العسكرية" كي تُخلي طرفها من أية مسؤولية إجرامية تحت طائلة القانون
الإنساني الدولي، بسبب معاملتها للشعب الفلسطيني الخاضع لسيطرتها العسكرية؟
لقد قام الجيش الإسرائيلي بوضع عدد من دباباته على مداخل المدن والمخيمات
الفلسطينية كرادع نفسي، وقام باطلاق قذائف من عيار 120 ملم من هذه
الدبابات، لأول مرة في 21/10/2000 كتحذير لسكان بلدة بيت جالا المقابلة لحي
جيلو اليهودي في غربي القدس، ثم أطلقت الدبابات نيرانها مرة ثانية على بيت
جالا بتاريخ 23/10 بدون أي سابق إنذار، وعلى رام الله بتاريخ 24/10 وعلى
أريحا بتاريخ 27 و 28/10، وفيما بعد على طولكرم ومخيمات رفح وخانيونس، كما
أطلقت قذائف وصواريخ حرب على معظم هذه المواقع. إن استخدام هذه الأسلحة
الثقيلة ليس له ما يبرره بأي حال من الأحوال، وهذا الإجراء يُخالف وبشكل
واضح المادة 53 من اتفاقية جنيف التي نصت على:
"يحظر على دولة الاحتلال أن تدمر أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق
بأفراد أو جماعات، أو بالدولة أو السلطات العامة، أو المنظمات الاجتماعية
أو التعاونية، إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً هذا التدمير."
تعتبر الأشكال التالية من القصف "عشوائية" ويجب أن لا يلجأ اليها أي جيش
تحت أي ظرف:
أ- أي قصف بأي وسيلة يُعامل مجموعة أهداف عسكرية متفرقة على أنها هدف واحد،
متجاهلاً وجود المدنيين فيما بين هذه الأهداف العسكرية.
ب- أي هجوم يُمكن أن يتسبب بمقتل أو إصابة مدنيين، أو تدمير لمبانٍ أو
تجمعات مدنية.
4/2) تحديد أهداف القصف: انتهاك وتمييز في آن معاً!
النصوص المُلحقة باتفاقيات جنيف تُشير بوضوح إلى الأهداف العسكرية المسموح
قصفها، وفي نفس الوقت تحرّم قصف المدنيين أو الأهداف المدنية.
"تعمل أطراف النزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين، وبين
الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف
العسكرية دون غيرها، وذلك من أجل تأمين احترام وحماية السكان المدنيين
والأعيان المدنية."
الملحق الأول لاتفاقيات جنيف، مادة 48
" ... يعامل جميع الأشخاص المحميين بواسطة طرف النزاع الذي يخضعون لسلطته،
بنفس الاعتبار دون أي تمييز ضار على أساس العنصر أو الدين أو الآراء
السياسية."
اتفاقية جنيف الرابعة، مادة 28
يقوم القانون الإنساني الدولي على أساس أن المدنيين غير المشتركين في
القتال يجب حمايتهم من آثار النزاع المسلح، أي أنه يجب أن تقوم إسرائيل
بالتمييز بين المسلحين الفلسطينيين الذين يطلقون النار والمواطنين المدنيين
وممتلكاتهم، وأن لا تستخدم القوة والقصف العنيف بشكل عشوائي، خاصة وأن
العديد من التصريحات الإسرائيلية خلال فترة الانتفاضة الحالية كانت تؤكد أن
القصف الإسرائيلي كان محدوداً وضد أهداف محددة.
وصرّح الجيش الإسرائيلي بتاريخ 23/11/2000:
"لقد قام الجيش الإسرائيلي بالرد على مصادر إطلاق النار عندما تم التأكد من
هذه المصادر".
ولكن هذا التصريح يتنافى تماماً مع ما وجدناه على أرض الواقع، حيث لم يميّز
الجيش الإسرائيلي في قصفه ما بين مدنيين ومسلحين فلسطينيين، والدليل الدمار
الهائل الذي وقع في ممتلكات السكان المدنيين والضحايا منهم.
لقد قام الجيش الإسرائيلي مراراً بقصف مواقع على أساس أن فيها مسلحين
فلسطينيين، ولكن أصاب في ذلك مدنيين من المارة أو ممن كانوا في بيوتهم. وقد
جاء في تصريح للجيش الإسرائيلي بتاريخ 13/10/2000 أن:
"المروحيات الإسرائيلية قامت بقصف مناطق غير مأهولة في كل من: سلفيت وحارة
الشيخ وحارة أبو سنينة ومنطقة بيت هاجاي وفي منطقة نابلس."
ولكن الواقع يقول أن حارة الشيخ وحارة أبو سنينة ومحيط مستوطنة "بيت هاجاي"
من أكثر المناطق ازدحاماً بالسكان في وسط مدينة الخليل التي يسكنها حوالي
120 ألف نسمة. كما أنه في تلك الليلة المشار اليها (13/10/2000) تم قصف 16
منزلاً وسيارة مدنية، فيما قام المئات من المواطنين بترك منازلهم أو اللجوء
إلى مخابئ تحت الأرض بسبب القصف العنيف.
لقد جاء في رسالة الرد التي بعث بها الجيش الإسرائيلي إلى المجموعة
الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان بتاريخ 26/11/2000 ما يلي:
"يُقر الجيش الإسرائيلي أن ظهور المروحيات الحربية يُسبب ذعراً بين
الفلسطينيين ويُعطي انطباعاً سيئاً عن الجيش الإسرائيلي، ولكن على أية حال،
أن اللجوء إلى استخدام هذه المروحيات قد أنقذ حياة الكثير من الفلسطينيين،
وسمح للجيش الإسرائيلي أن يُحدد ويرد على مصادر إطلاق النار من الجانب
الفلسطيني، وبالتالي وفّر إمكانية تعرّض السكان المجاورين لأي ضرر لو
استخدمت أسلحة أقل دقة في تحديد الهدف."
ولكن كما رأينا مسبقاً فإن استخدام هذه الأسلحة (مروحيات الهيلوكبتر
العسكرية) لم يكن ضد أهداف محددة تماماً كما جاء على لسان الناطق باسم
الجيش الإسرائيلي، لأنه لو حدث ذلك فعلاً لما أمكن اصابة منزل على بعد 500
متر من مكان إطلاق النار من الجانب الفلسطيني.
وبالطبع، من المألوف أن يقول من يتخذون القرارات العسكرية ويأمرون بالقصف
أن هناك هدفاً واضحاً لكل عملية قصف، وأن الأسلحة المتطورة "الذكية" كفيلة
بأن يكون القصف دقيقاً فلا يُصيب المدنيين.
كي نُقدّر فيما إذا كان هناك فعلاً "ضرورة أمنية" يجب علينا أن نوضح ماهية
التهديد والخطر الذي كان يتهدد الجيش الإسرائيلي من الفلسطينيين. وحسب ما
قاله الجيش الإسرائيلي نفسه فإن الجانب الفلسطيني يمتلك أربعة أنواع من
الأسلحة وهي:
أ- الحجارة
ب- الزجاجات الحارقة
ج- قنابل بسيطة من صنع محلي
د- رشاشات كلاشينكوف
وكما أشرنا في مكان سابق فإن معظم عمليات إطلاق النار من الجانب الفلسطيني
كانت تستهدف مواقع عسكرية إسرائيلية أو مستوطنات يهودية في الأراضي
الفلسطينية. في المقابل، فإن القصف الإسرائيلي من الأسلحة الثقيلة لم يستثن
أي شيء في الأراضي الفلسطينية، ناهيك عن انتشار القناصة الإسرائيليين في
مختلف نقاط التماس على مداخل المدن والمخيمات الفلسطينية.
لم يكن استخدام القوة والأسلحة من جانب الجيش الإسرائيلي مبرراً في معظم
الحالات التي بحثناها، كما لم تدعم استنتاجاتنا ما يدعيه الجيش الإسرائيلي
من أن مروحيات الهيلوكبتر كانت تستخدم فقط في حالات لم يكن منها بُد، حيث
أن هجمات الهيلوكبتر أدت إلى مقتل واصابة الكثيرين في داخل بيوتهم. مثل
الطفل سامر طبنجة (12 سنة) الذي قتل بفعل مروحية هيلوكبتر إسرائيلية بينما
هو واقف أمام منزله في نابلس.
وفي كثير من الحالات استخدمت مروحيات الهيلوكبتر للرد على إطلاق نار
فلسطيني نحو مستوطنات يهودية، مثل إطلاق النار من بلدة بيت جالا نحو
مستوطنة جيلو في غربي القدس، فهنا من الصعب إن لم يكن من المستحيل قبول
مبدأ (تناسب رد الفعل) أو (الضرورة الأمنية) لأن القذائف من الطائرات لا
تتناسب بأي حال مع بضع طلقات من رشاش كلاشينكوف.
فمثل هذه التبريرات التي يطلقها الجيش الإسرائيلي، لم يعد من الممكن أو من
المعقول قبولها.
أن توجيه النداء للحكومة الإسرائيلية للالتزام بنصوص القانون الدولي
واحترام وحماية المدنيين لن يُجدي نفعاً، لأن لإسرائيل ماضياً حافلاً بعدم
إعارة القانون الإنساني الدولي أي اعتبار. ولنأخذ القصف الإسرائيلي المتكرر
على جنوب لبنان في السنوات الطويلة الماضية، ففي 18 نيسان 1996 قامت
الطائرات الحربية الإسرائيلية بقصف جنوب لبنان فتم تدمير موقع تابع لقوات
هيئة الأمم المتحدة كان يأوي مدنيين لبنانيين فقتل في الهجوم 102 مدني
لبناني معظمهم من النساء والاطفال، وجُرح 130 آخرون، بفعل قذائف ثقيلة جداً
من عيار 155 ملم.
لقد وقّعت إسرائيل على اتفاقية دولية في كانون ثاني 2001 تنص على تأسيس
محكمة دولية لجرائم الحرب، مع تحفظ بأن لا يُقدم أي مواطن إسرائيلي أمام
هذه المحكمة، حيث كان المدعي العام الإسرائيلي الياكيم روبنشتاين، والهيئة
العسكرية الإسرائيلية، يخشى أن تضغط الدول العربية لاحقاً إلى تقديم ضباط
إسرائيليين أمام المحكمة، والجيش الإسرائيلي عارض مثل هذا التوقيع طالما أن
إسرائيل ما زالت في حالة حرب.
المسؤولية الفلسطينية
يستطيع المرء أن يُجادل فيما إذا اتخذت السلطة الفلسطينية أو قيادة
الانتفاضة كل ما ينبغي من خطوات لمنع إطلاق النار من بين البيوت والأحياء
المدنية، حيث لم يكن إطلاق النار من جانب مسلحين فلسطينيين نحو أهداف
عسكرية إسرائيلية أو مستوطنات يهودية عملاً مسؤولاً بصورة تامة، إذ أن
المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان ترى أنه كان من الأجدى تجنب
اطلاق النار من بين التجمعات السكنية الفلسطينية فلا يكون هناك سبب يدعو
لقيام الجيش الإسرائيلي بالرد العنيف والقاسي ضد المدنيين. ولكن هذا لا
يعني أن إطلاق النار الفلسطينية هذه على أهداف إسرائيلية، يُعفي إسرائيل
كقوة محتلة من مسؤولياتها أمام القانون الإنساني الدولي.
يدّعي الجيش الإسرائيلي أنه قام باطلاق النار على سيارات الإسعاف
الفلسطينية لأنها كانت تُستخدم لنقل وحماية المسلحين الفلسطينيين، ولكن
تقارير الانتفاضة الفلسطينية تُشير إلى أن ما مجموعه 102 سيارة إسعاف
فلسطينية أصيبت من النيران الإسرائيلية، منها 21 سيارة إسعاف تم تدميرها
بشكل كامل. (حسب احصائية "مفتاح" المبادرة الفلسطينية لتعميق الحوار
العالمي والديمقراطية، الخسائر الفلسطينية ما بين 29 أيلول و 31 كانون أول
2000)
قال الناطق العسكري الإسرائيلي في عدة تصريحات منذ إندلاع انتفاضة الأقصى
أن جميع حالات إطلاق النار من الجانب الفلسطيني كانت ضد مواقع عسكرية
إسرائيلية أو مستوطنات أو طرق يسلكها المستوطنون اليهود، أن وجود
المستوطنات اليهودية فوق الأراضي الفلسطينية يُشكل انتهاكاً للقانون الدولي
وبعض الاتفاقيات الدولية التي وقعتها إسرائيل. فحسب المادة 49 من اتفاقية
جنيف الرابعة "يُحرم على الدولة المُحتلة أن تُرحل مدنيين منها للسكن في
المنطقة التي تحتلها".
أن المقاومة الفلسطينية موجهة بالأساس ضد نوايا إسرائيل في التوسّع على
حساب الأرض الفلسطينية والقضاء على الحقوق الفلسطينية في السيادة والتحرر
من نير القوة العسكرية المحتلة الجاثمة فوق هذه الأرض من سنوات.
4/3) عقاب جماعي لآلاف الفلسطينيين
حتى نُحلل فيما إذا قامت إسرائيل بقصف مناطق سكنية فلسطينية كإجراء انتقامي
يجب أن ننظر إلى أمرين: أولا، الأسلحة التي استخدمت في القصف، وثانياً،
أسلوب الحرب (والمقصود كيفية استخدام الأسلحة). إن الممارسات التي قامت بها
الحكومة الإسرائيلية في محاولة لإخضاع الانتفاضة تُشكل عقاباً جماعياً ضد
آلاف الفلسطينيين، وفيما يلي تفسيرات تثبت ذلك:
1- عدد المنازل الفلسطينية التي تم قصفها بلغ أكثر من 3000 بيت، يسكنها ما
يقارب 21ألف شخص، فهل كل هؤلاء إرهابيون قاموا بهجمات مسلحة ضد مواقع
إسرائيلية؟! كما أن ما مجموعه 2,400 دونم من الأراضي الزراعية الفلسطينية
التي تحتوي على 25 ألف شجرة زيتون وفواكه مثمرة تم تجريفها وتدميرها، ولا
يُعقل أن يكون مالكو هذه الأراضي قد هددوا أمن الجنود أو المدنيين
الإسرائيليين.
2- طبيعة القصف الإسرائيلي، واختيار الأسلحة المستخدمة ضد الفلسطينيين
وأسلوب القتال المتبع، ضد مناطق سكنية يُشير إلى أن الجيش الإسرائيلي لم
يُفرّق بين مدنيين أو عسكريين.
3- أن تصريحات الناطق باسم الجيش الإسرائيلي نفسه تعطي دليلاً قاطعاً أن
هدفهم من القصف كان معاقبة آلاف من الناس بسبب سلوك قام به فرد أو أفراد.
أنظر إلى تصريح الجيش الإسرائيلي بتاريخ 20/11/2000 الذي جاء فيه:
"قامت سفن من البحرية الإسرائيلية، ومروحيات هيلوكبتر تابعة للجيش
الإسرائيلي بقصف مواقع تابعة للسلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية في مدينة
غزة، وذلك رداً على الهجوم (البربري) الذي تعرض له باص إسرائيلي يقل
أطفالاً وبالغين مرافقين لهم في منطقة كفار داروم، وقد أدى ذلك الهجوم إلى
مقتل مدنيين وجرح تسعة منهم خمسة أطفال."
هذا القصف على مدينة غزة أوقع قتيلاً واحداً، و 102 جريحا.
تصريح الجيش الإسرائيلي بتاريخ 12/10/2000:
"مقتل جنديي احتياط إسرائيليين في رام الله: رداً على ذلك العمل البربري،
قامت المروحيات الحربية التابعة للجيش الإسرائيلي بقصف محكم على مواقع
للسلطة الفلسطينية، بهدف نقل رسالة واضحة للقيادة الفلسطينية لوقف أعمال
العنف. المواقع التي استهدفت كانت: مقر قيادة الشرطة في رام الله، سيارات
تابعة للشرطة في رام الله، محطة إذاعة في رام الله، زوارق بحرية فلسطينية
في غزة، ومكاتب حركة فتح في غزة."
ولكن يبدو أن ذلك القصف لم يكن محكماً، لأن 27 فلسطينياً أصيبوا من القصف
في رام الله، و 6 آخرين في غزة، منهم اثنان بجروح خطيرة. كما أن العديد من
المنازل تضررت من ذلك القصف الذي شمل أيضاً الخليل والبيرة. وبعد ساعة
واحدة من ذلك القصف، تم قصف مواقع فلسطينية في كل من نابلس وأريحا.
تصريح الجيش الإسرائيلي بتاريخ 12/10/2000:
"قامت مروحيات الهيلوكبتر التابعة للجيش الإسرائيلي بقصف مقر أكاديمية
الشرطة الفلسطينية في أريحا وذلك رداً على إحراق كنيس يهودي قديم في
المدينة."
وقال الطيارون الإسرائيليون أنهم أصابوا أهدافهم "اصابات مباشرة"، ولكن
خلال ذلك القصف تم تدمير بضع بيوت مدنية إلى جانب أكاديمية الشرطة.
لقد لجأت إسرائيل إلى أساليب مخيفة جعلت المجتمع الفلسطيني يعيش في رعب
حقيقي، فالقصف الإسرائيلي لا يستثني أحداً ولا يُفرّق بين مسلحين ومدنيين،
وبين "مخطئين" وأبرياء، ولكن رغم ذلك لم يُحقق القصف الإسرائيلي ما كان
يسعى له، فلم يزد الشعب الفلسطيني إلا صموداً أكثر وتمسكاً أكثر بأرضه
ووطنه (فقد أفاد جميع من قابلهم مندوبو المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق
الإنسان ممن قُصفت منازلهم، في الخليل وبيت جالا ورفح، أنهم لن يتركوا
بيوتهم حتى لو دُفنوا فيها).
4/4 ) الضرر الزائد: هل استخدمت إسرائيل قذائف تحتوي على يورانيوم مُنضب في
قصفها للمناطق الفلسطينية؟
ولكن ماذا عن هجمات يُمكن أن تؤدي إلى تلويث البيئة ومشاكل في الصحة
العامة؟!
تُحرّم اتفاقية جنيف بشكل أساسي ما هو ليس ضرورياً فعلاً "لتحقيق الهدف من
الحرب"، أو بعبارة أخرى ما هو "زائد عن الحاجة"، ومن هنا فإن مصطلح
"المعاناة الزائدة" أصبح معروفاً ومتداولاً في القانون الإنساني الدولي. أن
تحريم استخدام أسلحة فتّاكة الهدف منه تجنيب المدنيين والمتحاربين معاً
نتائج وخيمة قد تترتب من وراء ذلك. أي أنه حسب القانون الإنساني، إذا ثبت
أن الجيش الإسرائيلي قد لجأ إلى استخدام أسلحة زائدة في أذاها عن الغاية من
استخدامها، سواء كان الضحايا مدنيين أو مسلحين فلسطينيين، فإن طائلة
المسؤولية تقع على الحكومة الإسرائيلية.
أن استخدام الجيش الإسرائيلي لمختلف أنواع الأسلحة والذخيرة في محاولته قمع
وإخماد الانتفاضة الفلسطينية، يُثير الاتهام بأن الجيش الإسرائيلي قد
استخدم قذائف تحتوي على عنصر اليورانيوم المُنضب وتأثيراته القاتلة على
الإنسان والبيئة (اتهام رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات لإسرائيل بأنها
قصفت الفلسطينيين باليورانيوم، الصحف الفلسطينية الثلاث بتاريخ 12/1/2001).
في ردّه على سؤال وجهته له المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان ، قال
الناطق باسم الجيش الإسرائيلي في رسالته بتاريخ 17/12/2000 أنه:
"لم يتم استخدام قذائف أو ذخيرة تحتوي على عنصر اليورانيوم المُنضب في
القصف الإسرائيلي للمناطق المدنية الفلسطينية." ولكن هذا الرد الإسرائيلي
لا ينفي امكانية أن تكون إسرائيل قد قصفت مواقع عسكرية فلسطينية مستخدمة
ذخيرة اليورانيوم المُنضب.
في قضية مشابهة، أكدت وزارة الخارجية البريطانية للجنة الشؤون الخارجية في
مجلس العموم البريطاني أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) لم يستخدم ذخيرة
اليورانيوم المُنضب في قصف اقليم كوسوفو في العام 1999، وما ثبت فيما بعد
أن حلف شمال الأطلسي نفسه اعترف
باستخدام تلك الذخيرة. وطالما أن الأمر كذلك، وللقضاء على مختلف الأقاويل
من اتهامات وردود نفي، فإن المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان توصي
بتشكيل لجنة مستقلة لفحص هذا الأمر.
4/5) عدم التحذير قبل القصف
"الجيش الإسرائيلي لا يُعطي أي تحذير، ولذلك فإن هدوء الليل لا يلبث أن
يتحوّل إلى جحيم
من القصف، مثيراً الرعب بين المدنيين الفلسطينيين النائمين في بيوتهم."
المواطن محمد خليل ياسين، من مدينة الخليل
طوال 63 يوماً من القصف المكثف على مدينة الخليل، باستثناء سبعة أيام، خاصة
في البلدة القديمة التي تقع في منطقة C تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية،
لم يتم تحذير السكان قبل وقوع القصف. ويوم 20/11/2000 قُصفت مدينة غزة من
الجو والبر والبحر دون أن يكون هناك إنذار مسبق من الجيش الإسرائيلي.
حتى أثناء الحرب الأهلية في البوسنة سنة 1995، كان يتم تحذير السكان
المدنيين فيتركون المدينة قبل أن تتساقط عليها القذائف.
لقد تداولت وسائل الإعلام في شهر تشرين أول 2000 تقارير عن قيام عشرات
العائلات بإخلاء بلدة بيت جالا، ولكن ذلك لم يكن صحيحاً، حيث قاوم سكان بيت
جالا القصف وصمدوا ولم يغادروا. صحيح أن بعض العائلات تركت منازلها، ولكنها
بقيت لدى أقارب لها أو نزلت في فنادق في بيت جالا، وقامت بلدية بيت جالا
بدفع فواتير هذه الفنادق في بداية الأمر، ولكن بسبب الضائقة المالية، عادت
معظم هذه العائلات إلى منازلها.
ولكن يبدو أن منع وقوع الاصابات في صفوف المدنيين الفلسطينيين لم يكن على
سُلم أولويات الجيش الإسرائيلي. أنظر إلى تصريح الناطق باسم الجيش
الإسرائيلي بتاريخ 10/10/2000 حول هذه النقطة:
"الجيش الإسرائيلي غير معني بأن يؤذي أي مدنيين فلسطينيين أبرياء، ولذلك
يوصي الجيش الإسرائيلي بأن يقوم سكان المناطق التي تُطلق منها النيران إما
بمنع المسلحين من ذلك، أو أن يتركوا المكان".
ولكن دعوة الجيش الإسرائيلي هذه المواطنين الفلسطينيين إلى "منع إطلاق
النار من أحيائهم" يُخالف مبادئ القانون الإنساني الدولي في حقهم بالحصول
على الحماية المطلوبة، ونفس الشئ يُمكن أن يُقال عن اقتراح أحد أعضاء
المجلس التشريعي الفلسطيني (عباس زكي، عضو مركزية فتح) الذي زار البلدة
القديمة في الخليل ودعا المواطنين إلى "القبض على المسلحين الذين يطلقون
النار، وجلبهم له" متجاهلاً بذلك صعوبة تنفيذ اقتراحه العبقري. /من إفادة
للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان بتاريخ 13/12/2000.
أن مبدأ تحذير السكان قبل القيام بقصف مناطق مأهولة منصوص عليه في معاهدة
هاغ الدولية، واتفاقية جنيف الرابعة، الملحق الأول، مادة 57، إلا إذا لم
تسمح الظروف بذلك. وفي حالة أن المدنيين لم يسمعوا أو يستقبلوا هذه
التحذيرات، فإن ذلك لا يُخلي مسؤولية القوة المهاجمة من عدم اللجوء إلى
القصف العشوائي بدون تمييز.
أن مقولة "المفاجأة في الهجوم تؤدي إلى النصر" لا تنطبق هنا، لأن إسرائيل
تمتلك كل الإمكانيات العسكرية الجوية، ولا توجد لدى الفلسطينيين أية وسائل
دفاعية.
4/6) ترويع شعب كامل: الصعوبات الإنسانية الناجمة عن القصف الإسرائيلي
لا يجوز أن يكون السكان المدنيون بوصفهم هذا وكذا الأشخاص المدنيون محلاً
للهجوم، وتحظر أعمال العنف أو التهديد به الرامية أساساً إلى بث الذعر بين
السكان المدنيين.
اتفاقية جنيف الرابعة، الملحق الأول، مادة 51 فقرة 2
ليس من السهل قياس حجم الضرر الإنساني الذي يلحق بالسكان نتيجة فرض حصار
عسكري مُحكم عليهم ، ويمكن بالمقابل حساب عدد القتلى والجرحى ولا يمكن حساب
الضرر غير المباشر. فعلى سبيل المثال تم قصف وتدمير المولّدات الكهربائية
من جانب الجيش الإسرائيلي، وقامت المروحيات الحربية الإسرائيلية بقصف
سيارات الإسعاف عدة مرات، فهل كانت هذه الأعمال تخدم مصالح أمنية
إسرائيلية، أم أنها جاءت عقاباً جماعياً وترويعاً للمدنيين الفلسطينيين؟.
أ، قصف المؤسسات وتدمير البنية التحتية الفلسطينية حرم المواطنين من خدمات
عديدة تتراوح من مياه المجاري التي تتدفق في كثير من الأحياء إلى الخدمات
الصحية في المستشفيات ووصول التيار الكهربائي. مثال على ذلك، تدمير قناة
"العودة" المائية في منطقة أريحا التي تروي الكثير من الحقول في الأغوار.
كما أن العيش تحت ظرف احتمال وقوع القصف بدون سابق إنذار يثير الرعب بين
المواطنين وبالتالي يحدّ من إمكانية الحصول على المواد الغذائية والماء
والرعاية الصحية، ويمنع خدمات الإغاثة من الوصول إلى المواطنين. أضف إلى
ذلك أن الحصار الظالم والقاسي المفروض على البلدات والمدن الفلسطينية الذي
لم يسبق له مثيل لا في الانتفاضة الأولى ولا أيام الاحتلال يزيد من صعوبات
الحياة على الفلسطينيين.
بلغت نسبة الأطفال دون سن 14 سنة الذين تم قصف منازلهم من مجموع السكان
الفلسطينيين 46%، مع أن اتفاقية حقوق الطفل التي اعتمدتها الجمعية العمومية
لهيئة الأمم بقرارها رقم 44/25 في 20 تشرين أول 1989، تنص على حق الطفل في
الحياة والعيش والتطور. أضف إلى ذلك الرعب الذي يدبّ في الأطفال وهم يرون
ويسمعون القصف وسقوط القذائف ليلاً ونهاراً في مختلف التجمعات السكنية في
المناطق الفلسطينية. لقد أحدث القصف الإسرائيلي آثاراً على سلوك الأطفال
الفلسطينيين، فأصبحوا أكثر التصاقاً بأفراد العائلة، ويبكون لأقل الأسباب،
ويتحاشون الأماكن التي تتعرض للقصف، ولا ينامون بشكل جيد، كثيرو الحركة،
وسلوكهم عدواني، ويميلون إلى العُزلة. /من تقرير مؤسسة الدفاع عن الأطفال
العالمية المُقدم إلى لجنة حقوق الإنسان التابعة لهيئة الأمم المتحدة
بتاريخ 13/11/2000.
4/7) مُلخص
يُشير تقريرنا إلى غياب المهنية في أداء الجيش الإسرائيلي، بالاضافة إلى
ذريعة "الضرورة الأمنية" كان الجيش الإسرائيلي يهدف من وراء قصف المدن
والمواقع الفلسطينية إلى ما يلي:
1- اختبار بعض الأسلحة لاستخدامها في المناطق الفلسطينية
2- تدريب الجنود الإسرائيليين على إصابة الأهداف
3- تدريب الجنود الإسرائيليين على استعمال بعض أنواع الأسلحة
في حالة قام الجيش الإسرائيلي بالتباهي كونه التزم بمبادئ القانون الإنساني
الدولي، فإن ذلك سوف يكون تطوراً ايجابياً هاما. أن ذلك القانون ما زال
متجذراً في الأعراف الدولية وفي التفكير العسكري على مستوى العالم، وفي حال
تطبيقه في المناطق الفلسطينية من جانب الجيش الإسرائيلي، فإن ذلك سوف
يُزوّد المواطنين الفلسطينيين المدنيين بحماية وأمن هم بأمس الحاجة لهما.
لقد تسبب القصف الإسرائيلي العشوائي والعنيف بأضرار بالغة في آلاف البيوت
الفلسطينية، فترى آثار الرصاص والشظايا على الجدران، والنوافذ والأبواب
المكسورة، والأثاث المحطم وخزانات المياه المخرّبة. كما أن هناك شقوقاً
ودماراً في كثير من واجهات الأبنية، إضافة إلى بنايات ومنازل احترقت
بالكامل.
الغارات الجوية والقصف الصاروخي العنيف والمكثف بشتى أنواع الأسلحة
والذخيرة أدى إلى وفيات واصابات عديدة في صفوف المدنيين، ولم يقم الجيش
الإسرائيلي بتبرير هذه الحالات بالقول أنها "اصابات مؤسفة لم تكن مقصودة"
كما كان يُعلن عن الحالات المشابهة إبّان قصفه للبنان.
قامت بعض المجالس البلدية الفلسطينية واللجان المُشكلة بجمع احصائيات
ومعلومات وأدلة عن حجم الدمار والضرر الذي أحدثه القصف الإسرائيلي، ولكننا
نجد أن السلطة الفلسطينية ومعظم المجالس البلدية الأخرى لم تأخذ هذه المهمة
على محمل الجد، ووجدنا أن الكثير من التقارير التي أُعدت لم تكن دقيقة بل
مُبالغ فيها. كان ينبغي أن يُستفاد من مهندسين وخبراء مختصين في مثل هذه
اللجان لجمع المعلومات وتقدير خسائر المواطنين بطريقة علمية دقيقة،
وكان ينبغي أن تقوم السلطة الفلسطينية بتقديم المساعدات اللازمة للمواطنين
المتضررين للتخفيف من معاناتهم. لقد قامت بعض المجالس البلدية بتقديم
مساعدات بسيطة مثل إصلاح الشبابيك وخزانات المياه وتمديدات الكهرباء في بعض
المناطق.
لكن المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان تؤكد أن تعويض ضحايا القصف
عن الدمار والضرر الذي أصابهم يقع في المقام الأول على من قام به، وهي
الحكومة الإسرائيلية.