9) العُمـلاء
أحدى ميّزات
انتفاضة الأقصى كانت زيادة حدة العنف داخل المجتمع الفلسطيني. وفي محاولة
منها لقمع الانتفاضة بدأت إسرائيل منذ شهر تشرين ثاني 2000 بسياسة اغتيال
النشطاء الفلسطينيين. هذه السياسة رفعت من وتيرة الخوف والشك بين الشعب
الفلسطيني الذي يؤمن بأن مثل هذه العمليات يمكن تنفيذها فقط من خلال مساعدة
تأتي من الداخل، أي من خلال العملاء المتعاونين مع الاحتلال.
إن استخدام
إسرائيل للعملاء الفلسطينيين قديمٌ قدم الاحتلال نفسه. ومما يُسهّل توظيفهم
في خدمة سلطات الاحتلال هو اعتماد الشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة على
السلطات الإسرائيلية في الحصول على مختلف أنواع التصاريح: تصاريح عمل
وتصاريح سفر وتصاريح استيراد وتصدير وتصاريح دراسة وتصاريح لمّ شمل
للعائلات. لم يغيّر قيام السلطة الفلسطينية كثيراً من الوضع، وأن استغلال
إسرائيل لهذا الاعتماد يعتبر بحد ذاته انتهاكاً لالتزامها الدولي وفق
اتفاقيات جنيف.
(أنظر المادة
31 من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب
المؤرخة في 12 آب 1949: تحظر ممارسة أي إكراه بدني أو معنوي إزاء الأشخاص
المحميين، خصوصاً بهدف الحصول على معلومات منهم أو من غيرهم.)
ولكن مع أنه
يجب النظر إلى العملاء على أساس أنهم أنفسهم ضحايا للاحتلال، إلا أن
الفلسطينيين يمقتونهم بشدة لأنهم رضوا بالوقوف ضد أبناء شعبهم. والانطباع
العام هو أنه يجب أن يتم قتلهم، وأن أية وجهة نظر أخرى يتم ربطها بالعملاء.
وفي ظل هذا الجو من
الشك والعنف،
يصل الاتهام بالعمالة في كثير من الأحيان إلى حدّ القتل.
خلال
الانتفاضة الأولى (1987-1993) قُتل ما لا يقل عن ألف فلسطيني على خلفية
الشك بأنهم عملاء لإسرائيل. وهو رقم يوازي تقريباً عدد الشهداء الذين سقطوا
خلال نفس الفترة، وهو 1100 شهيد قتلهم الجيش الإسرائيلي والمستوطنون
اليهود. ولكن من 40-45% فقط من ذلك الرقم كان لهم فعلاً اتصالات وعلاقات مع
السلطات الإسرائيلية. واليوم مع اندلاع انتفاضة الأقصى وتنفيذ إسرائيل
لسلسلة من عمليات الإغتيال ضد كوادر وقيادات الانتفاضة، عادت ظاهرة ملاحقة
وقتل المتهمين بالعَمالة للشيوع مجدداً، والكثير من الفلسطينيين يقولون
أنها وصلت إلى درجة غير مسبوقة.
الفارق الوحيد
عن الانتفاضة الأولى هو وجود السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية التي يجب
أن يكون لها سيطرة كليّة على استخدام القوة والأسلحة، وبالتالي هي المسؤولة
عن محاكمة المتهمين بالتعاون مع إسرائيل. لقد قامت الأجهزة الأمنية فعلاً
بإعتقال المئات من المتهمين بالعَمالة لصالح إسرائيل، وقامت محكمة أمن
الدولة الفلسطينية بمحاكمة عدد منهم وحكمت على عدد منهم بالإعدام، وجرى
تنفيذه بحق شخصين في شهر كانون ثاني 2001، وسط هتافات الجماهير المؤيدة
للإعدام.
هذا هو المأزق
الذي وجدت السلطة الفلسطينية نفسها واقعة فيه: فمن ناحية، أفراد الشعب
يطالبون بايقاع أقصى العقوبة بالعملاء وإلا فإنهم سوف يأخذون الأمر بأيديهم
(منذ بدء انتفاضة الأقصى قُتل أكثر من عشرين فلسطينياً يشتبه بتعاونهم مع
إسرائيل أمام بيوتهم أو في الشارع على أيدي مسلحين فلسطينيين)، ولكن من
ناحية أخرى، لا ترغب السلطة الفلسطينية بتنفيذ المزيد من المحاكمات السريعة
وعمليات إعدام العملاء لأن ذلك يواجه بنقد شديد من المجتمع الدولي.
من وجهة نظر
مبادئ حقوق الإنسان يجب أن يُعطى المتهمون بالعَمالة فرصة الحصول على
محاكمة عادلة. وذلك يبدأ بإعتقال المتهم، وذلك يجري عادة بعد وقوع عملية
الإغتيال مباشرة وهذا يُثير مخاوف أن يكون مستنداً على إشاعات وأقاويل وليس
على تحقيقات وأدلة جديّة. وبسبب غياب الأدلة ضد المتهمين بالعَمالة، تقوم
الأجهزة الأمنية الفلسطينية بالاعتماد بشكل كبير على التحقيق كي تثبت صحة
موقفها، وبالتالي كثيراً ما وقعت حالات وفيات في السجون الفلسطينية، وهذا
بدوره يثير الريبة حول أساليب التحقيق المتبعة. وأخيراً، فإن محاكمة
المتهمين بالتعاون مع إسرائيل تجري بصورة سريعة أمام محكمة أمن الدولة التي
وُجهت لها انتقادات دولية بسبب افتقارها لأبسط قواعد المحاكمة العادلة، كما
أن الحكم بالإعدام يعتبر انتهاكاً خطيراً للحق في الحياة.
وتقع على كاهل
السلطة الفلسطينية مسؤولية التحقيق في حالات قتل الأفراد التي تحدث بين
الحين والآخر. فمن واجب السلطة الفلسطينية التحقيق في هذه الجرائم، وكشف
الدوافع وراءها، فكثيراً ما كانت تهمة العّمالة غطاء لأسباب أخرى، مثل
الخلافات العائلية أو النزاعات الشخصية، ويجب تقديم من تثبت إدانته أمام
القضاء ليأخذ ما يستحقه. إن تقاعس السلطة الفلسطينية عن أخذ خطوات ثابتة
لوضع حد أمام "المبادرات الخاصة" لأخذ القانون باليد، سوف يشجع على مزيد من
"تصفية الحسابات" بشكل فردي، وذلك بالتالي يُضعف من سلطةالقانون.