|
11) انحياز وسائل الإعلام
في أوقات
الأزمات يتم تبادل التهم حول تحيّز الإعلام. فالاستراتيجيات العسكرية غالباً
ما ترافقها استراتيجيات إعلامية معقدة، أسلحتها الأساسية الصور والكلمات.
وانتفاضة الأقصى لم تشذ عن هذه القاعدة، فتسببت في نشوب اتهامات حول تحيّز
الإعلام والتحريض المتبادل من الجانبين. فالإسرائيليون يتهمون الإعلام
الفلسطيني بأنه يُشعل حقد الجماهير الفلسطينية ضد إسرائيل، بينما الفلسطينيون
في المقابل يتهمون الإعلام الإسرائيلي بأنه يدافع عن الجرائم التي يرتكبها
الجيش الإسرائيلي والمستوطنون المتطرفون والقوة المفرطة التي تستخدم في قمع
المظاهرات والمسيرات الشعبية.
ليس من الواضح
ما هو المفهوم من تهمة "تحيّز الإعلام". فالموضوعية بحد ذاتها شيء مثالي لا
يتوقع تحقيقه بصورة تامة من أي إنسان ينقل حقائق لا يمكن قياسها، وبالتالي
فإن جميع تقارير الصحافة هي بالضرورة "متحيّزة". وكون الصحافيين ينقلون
أفكارهم وآراءهم مع الأخبار ليس سبباً كافياً للحدّ من حريتهم في التعبير.
ولكن هناك حدود، والمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان على علم تام
بمسؤولية الصحافيين عن تضليل الرأي العام، وبالتالي بناء السلام - أو الحرب.
هذه القيود تفرضها أخلاقيات المهنة من ناحية، وعدم السماح بالتحريض على العنف
من ناحية أخرى.
ما هو التحريض بالضبط؟
لقد تأسست وفق
مذكرة "واي ريفر" بتاريخ 23-10-1998 لجنة ثلاثية (فلسطينية-
أمريكية-
إسرائيلية) لمنع التحريض، وكانت مهمتها الأولى هي تحديد تعريف لمصطلح
"تحريض". ولم يتفق الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي على تعريف موحّد للمصطلح.
فالجانب الفلسطيني يقول أن التحريض يقتصر على الأفعال بينما الإسرائيليون
يقولون أنه يشمل الأقوال أيضاً. وتُعرّف المجموعة الفلسطينية التحريض بأنه:
الدعوة إلى العنف ضد جماعة معينة، سواء عن طريق الكلام أو الكتابة أو أية
وسيلة أخرى. وكلما كانت تلك الدعوة علنية وعامة، كلما زادت خطورتها، وبالتالي
يمكن اعتبار كلمات وخطابات القادة السياسيين أو الدينيين تحريضاً واضحا، إلا
أننا سوف نبحث في هذا الجزء التحريض في وسائل الإعلام فقط. ويمكن للتحريض أن
يكون غير مباشر، مثل الإشادة بجريمة أو اعتداء تم ارتكابه. لكن منع التحريض
يُشكّل قيداً على الحق في حرية التعبير، ولذلك يجب تحديده بدقة متناهية.
ويبدو أن تبادل التهم بالتحريض خلال انتفاضة الأقصى الحالية حدث بصورة
متزايدة وكبيرة.
يجب أن نتذكر
دائماً أن التقارير التي لا تحتوي تحريضاً ولكنها لا تلتزم بقواعد وأخلاقيات
المهنة يجب أن يتم رفضها. هذه القواعد تتطلب من الصحافي أن يكون عادلا
ومتعمقاً في نقله للحدث. وإذا لم يتم الالتزام بذلك يعتبر نقل الخبر
"متحيّزا"، وهذا ما حدث–
ويحدث- خلال هذه
الانتفاضة.
الصحافة ليست
حرة في المناطق تحت السيطرة الفلسطينية التامة، لأن معظم وسائل الإعلام إما
للسلطة الفلسطينية حصة فيها، أو تخضع لرقابتها المباشرة. أضف إلى ذلك أن
الصحف الفلسطينية لا تتحمل مسؤولية التصريحات التي تصدر عن مؤسسات السلطة
الفلسطينية الرسمية، والتي عادة ما تكون متحيّزة. ولكن ذلك لا يعتبر مبرراً
لغياب المهنية، وهذا ما يظهر في الكثير من التقارير.
نادراً ما يقوم
الصحافيون الفلسطينيون بعمل تقارير متعمّقة مبنية على البحث المستقل، وتنتشر
في الصحافة الفلسطينية الكثير من الإشاعات والأكاذيب. فمثلاً ألقت التقارير
بمسؤولية مقتل المواطن الفلسطيني عصام جودة من قرية أم صفا بتاريخ 9-10-2001
على إسرائيل وقالت أنه تم تعذيبه على أيدي مستوطنين، ولكن الحقيقة أنه مات
أثر حادث سير بعد ملاحقته من دورية حرس حدود إسرائيلية. (وهذا ما أكده تقرير
صدر عن مؤسسة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" بتاريخ 3-11-2000 بعد أن قاموا
بدراسة الحالة).
والكثير من
التقارير التي نشرتها الصحافة الفلسطينية أكدت أن الجيش الإسرائيلي استخدم
رصاص دُم دُم المتفجر وعنصر اليورانيوم المستنفذ. ولكن لو تم استخدام جهاز
Gieger Teller
لأمكن بكل بساطة التأكد من وجود استخدام ذخيرة تحتوي على عنصر اليورانيوم في
قصف مدينة غز، ولكن ذلك لم يحدث. والأسوأ أن القيادة الفلسطينية سارعت إلى
نشر ذلك الإدعاء. وفي بعض الأحيان قامت التقارير الصحافية الفلسطينية بنشر
الأكاذيب، فمثلاً ورد في إحدى الصحف الفلسطينية أن الدمار الذي حلّ في مقام
يوسف في نابلس بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منه في بداية تشرين أول 2000 كان
سببه القصف الإسرائيلي. وحتى لو تبيّن أن ما ذُكر من تقارير كانت خاطئة، فلا
يتم تصحيحها لاحقا.
تستخدم التقارير
الفلسطينية في بعض الأحيان لغة غير موضوعية. فمثلاً يُشار إلى الجنود
الإسرائيليين على أنهم "قتلة" وأن الإسرائيليين "صهاينة". وإذا لم تُصنف هذه
اللغة على أنها تحريض، فهي بالتأكيد لا تخدم أي تفاهم بين الفلسطينيين
والإسرائيليين. والتقارير الإخبارية الفلسطينية تمجّد الشهداء الذين ينفذون
هجمات تفجيرية ويقتلون عشرات المدنيين الإسرائيليين، وفي ذلك عدم اكتراث
بالقانون الإنساني الدولي. وكما هو متوقع، لا يتم ذكر أسماء الضحايا
الإسرائيليين الذين يسقطون في العمليات التفجيرية أو المواجهات. وهذه النقطة
موجودة أيضاً في الإعلام الإسرائيلي الذي لا يذكر أسماء الضحايا الفلسطينيين.
أما في الجانب
الإسرائيلي فالمشكلة الأساسية أن وسائل الإعلام أصبحت مُكرّسة لنقل وجهة نظر
المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. وهذا ينطبق على المراسلين العسكريين الذين
يجدون مصدراً سهلاً في التقارير الصحافية الرسمية، وفعلاً فان التقارير
الصحافية الصادرة عن الناطق باسم الجيش الإسرائيلي تُنشر بشكل كامل، بدون أي
تدقيق أو حذف. ولذلك يرد أن فلسطينيين سقطوا خلال "تبادل كثيف لإطلاق النار"
بينما مصادر أخرى تؤكد أنه لم تقع أية مواجهات في المكان. أضف إلى ذلك أن
الجيش الإسرائيلي وضع لغةً محددة لوصف أحداث انتفاضة الأقصى بشكل يعتبر
مقبولاً ومفضلاً لدى الإسرائيليين، فالهجمات الإسرائيلية هي "ردود فعل"،
واعتداءات المستوطنين هي "احتجاجات"، و "جيلو" ليست مستوطنة بل هي "ضاحية في
القدس"، وتجريف الأراضي والبيوت الفلسطينية يعتبر "أعمال هندسية بداعي
الأمن"، وعمليات إغتيال القادة الفلسطينيين هي "هجمات منتقاة أو عمليات
اعتراضية".
أكثر ما يثير
الدهشة في الإعلام الإسرائيلي هو الاستخدام المُفرط لكلمة "إرهاب"، وهو مصطلح
يُطلق على الأعمال التي تهدف إلى بث الرعب بين السكان المدنيين، والتعريف لا
ينطبق على معظم الأعمال التي يقوم بها المسلحون الفلسطينيون الذين يهدفون إلى
تحرير الأراضي الفلسطينية من الاحتلال الإسرائيلي ممثلاً بالجنود والمستوطنين
الإسرائيليين. ولكن في لغة الأخبار الإسرائيلية كل فلسطيني يقاوم الاحتلال –
أي جميع الفلسطينيين – هم "إرهابيون". هذه اللغة تحجب بشكل تام الدافع وراء
انتفاضة الأقصى، وتدفع الرأي العام الإسرائيلي إلى النظر للفلسطينيين على
أنهم شعبٌ متطرف وعنيف. وهي تٌقلل أيضاً من قيمة الضحايا الفلسطينيين، الذين
هم أيضاً سكان مدنيون.
يُثير موقف
وسائل الإعلام على جانبي الخط الأخضر اهتمام المجموعة الفلسطينية لمراقبة
حقوق الإنسان، فالمفروض أن يقوم الصحافيون بنقل التقارير الإخبارية بتفحص
ودقة قدر الإمكان. فبدلاً من تضليل وتهييج الرأي العام، بإمكان الصحافيين أن
يخففوا من حدة التوتر ويمهدوا الطريق أمام السلام. ولذلك تدعو المجموعة
الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان جميع الصحافيين الفلسطينيين والإسرائيليين
إلى أداء واجباتهم ومسؤولياتهم على أساس احترام أسس وأخلاقيات الصحافة، خاصة
في تغطية أخبار وتقارير انتفاضة الأقصى. فالتقارير الموضوعية والمتوازنة هي
مفتاح للنجاة إذا أراد الشَعبان الخروج من المأزق الحالي. والأهم من كل ذلك
أن جميع التقارير والآراء يجب أن تتوافق مع المبادئ الدولية فيما يتعلق بحقوق
الإنسان والقانون الإنساني.
وتستنكر
المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان كل المحاولات التي تقوم بها
الحكومات للتأثير على وتوجيه وسائل الإعلام. وقد ظهر ذلك بشكل واضح عندما
ناقشت الحكومة الإسرائيلية إمكانية سحب البطاقات الصحافية من الصحافيين
الفلسطينيين، وعندما يقوم الجنود الإسرائيليون وأجهزة الأمن الفلسطينية
بتوقيف ومضايقة الصحافيين الفلسطينيين ومصادرة أو تكسير معداتهم. مثل هذه
المحاولات لكبت وسائل الإعلام لا يمكن قبولها أبداً في دول تدّعي أنها تلتزم
بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان وحرية الصحافة.
|