السنة الخامسة – العدد الثاني والعشرون – نيسان
2001
عنف المستوطنين وتراخي الحكومة الاسرائيلية
اهمال اجرامي
عنف المستوطنين خلال انتفاضة الأقصى
4/1 أنواع الهجمات والإعتداءات
4/1 : القتل
خلال الفترة من كانون أول 1987 حتى آب 2000، قام الإسرائيليون "اليهود"
بقتل 115 مدنياً فلسطينياً في المناطق المحتلة، بمعدل أقل من شخص واحد كل
شهر. وخلال فترة خمسة أشهر منذ 29/9/2000 قُتل سبعة مدنيين فلسطينيين على
أيدي مدنيين يهود في الأراضي الفلسطينية على الأقل. وفي معظم هذه الحالات
لم يتم فتح تحقيق جديّ من جانب الشرطة الإسرائيلية، وأفرج عن المتهمين
الذين تم توقيفهم، وهم قليلون، بسبب "عدم كفاية الأدلة"، ولم تأخذ الشرطة
الإسرائيلية أقوال أي شهود عيان فلسطينيين.
القسم الأول من هذا الفصل يتناول سبع جرائم قتل راح ضحيتها مواطنون
فلسطينيون ولدى المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان معلومات وافيه
عنها، ثم القسم الثاني يحتوي معلومات غير كافية عن أربع جرائم ارتكبها
المستوطنون اليهود، ومن المهم التمييز بين أنواع حالات القتل المختلفة.
تحرير سليمان رزق، 21 سنة من حزما شمال القدس، قتل على أيدي مستوطن يهودي
رداً على إلقاء حجارة، يقول والد تحرير في إفادته للمجموعة الفلسطينية
لمراقبة حقوق الإنسان:
" بتاريخ 31/12/2000 قام أربعة أو خمسة شبان من قرية حزما برشق سيارات
المستوطنين التي تمر على طريق معاليه أدوميم – عوفرا الإلتفافية. ومن
الجائز أنهم أصابوا سيارة مستوطن بيضاء من نوع ميتسوبيشي، فما كان من
سائقها إلا أن استدار وعاد نحو الصبية وقام بإطلاق عشر رصاصات من مسدسه
فأصابت واحدة منها تحرير في رأسه من مسافة لا تزيد عن عشرة أمتار. قال شهود
عيان أنهم يعتقدون أنه كان مستوطناً لأنه كان يرتدي ملابس مدنية وفي سيارة
مدنية. أخذوا تحرير إلى مستشفى المقاصد في القدس في سيارة عادية لأنهم لم
ينتظروا سيارة الإسعاف، ولم تتقدم العائلة بأية شكوى لجهات إسرائيلية أو
فلسطينية لأنه لا جدوى من ذلك، تشكي لمين إذا كان غريمك القاضي!؟ "
حقيقة أن السائق اليهودي استدار في سيارته ورجع كي "يعاقب" الصبية راشقي
الحجارة تدل على أنه لجأ إلى استخدام قوة وعنف مبالغ فيه وليس بهدف حماية
نفسه. ورغم أن عدداً من شهود العيان الذين كانوا في المكان يقولون أنه يمكن
أن يتعرفوا على السيارة وربما رقم التسجيل الخاص بها، إلا أن الشرطة
الإسرائيلية لم تكترث ولم تأخذ أية أقوال من أي أحد في المكان.
وأحياناً يأتي رد الفعل متأخرا. فجريمة قتل الشاب محمد شلش (18 سنة من قرية
شقبا قرب رام الله) بتاريخ 17/12/2000 قد تكون رد فعل من المستوطنين على
رشق حجارة وقع في المكان قبل ذلك بأسبوع كامل. يقول والد محمد الحاج حامد
في إفادته للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان:
" كان محمد وبعض أصدقائه وطلاب المدرسة ينتظرون سيارة تاكسي للعودة من
المدرسة، ولكنهم رأوا سيارة مستوطنين تأتي نحوهم فهربوا باتجاه قرية عابود،
ولكن محمد ركض في الاتجاه المعاكس إلى الحقول، فلحق به اثنان من
المستوطنين، فأمسك به المستوطنان وأطلقوا النار على رأسه من مسافة قريبة
جداً (3-5 أمتار)، ولم يُقدموا له أية مساعدة وتركوه يموت. وبعد ثلاث ساعات
وصل الجيش الإسرائيلي ومعه سيارة إسعاف، وأخذوا الجثة إلى بيت ايل ومن ثم
إلى مستشفى أبو كبير في تل أبيب للتشريح. يبدو أن المستوطن الذي قتل ابني
كان يريد أن ينتقم، لأن سيارته رُشقت بالحجارة قبل ذلك بأسبوع. وقد قامت
الشرطة بتوقيف ثلاثة مستوطنين ليلة واحدة ثم أفرجت عنهم في اليوم التالي "
ليست كل اعتداءات المستوطنين ردود فعل على شيء حصل مسبقا، المزارع
الفلسطيني فريد نصاصرة (28 سنة من بيت فوريك قضاء نابلس) قتله المستوطنون
بينما هو في الحقل يقطف الزيتون، يقول أبن عمه خالد عيسى نصاصرة الذي أصيب
في نفس الحادثة:
" يوم الثلاثاء الموافق 17/10/2000 وبعد اجراء التنسيق مع مكتب الارتباط،
توجهت مجموعة من المزارعين إلى حقولهم لقطف الزيتون، وبعد حوالي ساعتين جاء
15-20 مستوطناً وبدأوا فجأة بإطلاق النار في جميع الاتجاهات، فحاول
المزارعون أن يحتموا وراء أي شيء، أصيب فريد في صدره وأنا في رجلي. وأصيب
ابن عم آخر لي برصاصة في بطنه، بينما مزارع رابع أسمه حمدي نصاصرة كان لحسن
حظه يحمل كيس زيتون ممتلئ فلم يصبه الرصاص مباشرة في ظهره. وهذه الجريمة
وقعت أمام أعين الجنود الإسرائيليين الذين لم يكونوا بعيدين عن المكان. وقد
علمتُ أن الشرطة اعتقلت اثنين من المستوطنين ثم أفرجت عنهما بعد 18 ساعة
"لعدم كفاية الأدلة " .
قتل المستوطنون الشاب الفلسطيني فهد مصطفى بكر عودة، 22 سنة، عندما هاجموا
بيته في قرية بديا قرب نابلس بتاريخ 7/10/2000. وقد أعطى الموظف خضري فايز
مرجان، 27 سنة، من قرية بديا والذي يعمل كاتباً في شركة خاصة، الإفادة
التالية لمؤسسة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان:
" يوم الأحد الموافق 8/10/2000 في المساء، هاجم المستوطنون قرية بديا في
خمس سيارات منها واحدة فورد ترانزيت وأخرى GMC Van، وقد جاءوا من الناحية
الغربية من جهة مستوطنة أريئيل. وقد هاجموا بعض البيوت والمحلات في الجانب
الشرقي من القرية، وقد بدأ أحد المواطنين بدعوة الشباب من خلال مكبر صوت
للقدوم إلى مركز البلدة لمنع المستوطنين من دخولها. وقد توجه الشهيد خضري
مع مجموعة من الشباب إلى الجانب الشرقي، وقد كنتُ أنا برفقة الشهيد، فوضعنا
صخوراً وحجارة في الشارع لسدّ الطريق أمام المستوطنين. وصلت سيارة فيات
ستيشن فيها مستوطنان، خرج أحدهما وبدأ باطلاق النار نحونا، رغم أننا لم
نرشق أية حجارة، وقد أطلق ما يقارب 14 رصاصة من مسافة لا تزيد عن 15 متراً
فأصابت واحدة منها رأس خضري من الخلف لأنه كان هارباً يبحث عن مخبأ. وتوفي
فهد بعد ساعة ونصف من إصابته، وقد مات قبل أن يسمح الجيش الإسرائيلي لسيارة
الإسعاف بالوصول إلى القرية، وقد بقيت جثته في العيادة إلى أن تم دفنها في
اليوم التالي "
الحالة الوحيدة التي قتل فيها مدنيٌ يهودي مواطناً فلسطينياً ويُمكن أن
تُصنف على أساس أنها دفاع عن النفس وقعت بالقرب من حاجز ايريز المؤدي إلى
قطاع غزة، وقُتل فيها الشاب محمد جودة أبو عاصي، 30 سنة، من غزة الذي قام
بطعن صاحب العمل الإسرائيلي ولكن إسرائيلياً كان ماراً في المكان أطلق عليه
النار فقتله.
أما الشهيد نجيب عبيدو، 20 سنة من الخليل، فقد قتله مستوطنٌ يهودي بدمٍ
بارد وهو ملقى جريحاً على الأرض. فقد هاجم نجيب شرطياً إسرائيلياً ولكن
الشرطي أطلق عليه النار وأصابه وتركه على الأرض ينزف. قابل الشرطي مستوطناً
في الطريق وأخبره بما حدث، فذهب المستوطن إلى حيث كان نجيب ملقى على الأرض
وأطلق عليه النار في رأسه من مسافة قريبة جداً. يقول جهاد شقيق نجيب عبيدو
في إفادته للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان:
" يوم الجمعة الموافق 22/12/2000 ذهب أخي نجيب إلى بيت أختي لتناول طعام
الإفطار في رمضان عندها. خرج من البيت حوالي الساعة الثانية والنصف عصرا.
سمعنا في الأخبار أن شاباً فلسطينياً حاول طعن شرطي ولكنه أصيب بإطلاق نار
من المستوطنين في الخليل، لم نكن نعرف أ المقصود هو أخي نجيب. بعد ساعة
تقريباً اتصل ضابط مخابرات إسرائيلي بأخي الكبير ماهر وطلب منه أن يحضر
حالاً إلى مكتب الإدارة المدنية. حين ذهب إلى هناك أخبروه أن نجيب قد مات
بعد أن أطلق عليه مستوطنون النار وقتلوه، وكان قبل ذلك قد حاول قتل شرطي
طعناً فأصابه الشرطي الذي ذهب على حد قولهم ليحضر الإسعاف "
في هذه الحالة يتبين أن المسألة لم تكن أبداً دفاعاً عن النفس بالنسبة
للمستوطن الذي كان يقصد أن يقتل الشاب الفلسطيني وهو جريح ينزف دما.
المواطن الفلسطيني مصطفى محمود عليان، 48 سنة من مخيم عسكر قرب نابلس، قتل
على أيدي مستوطنين ألقوا حجراً كبيراً على سيارته. يقول حسين سليمان الذي
كان معه ساعة وقوع الحادث في إفادته للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق
الإنسان:
" اعتاد مصطفى أن يسافر ومعه ابنه علاء إلى بلدة عناتا قرب القدس لبيع
الخضار هناك، ويوم وقوع الحادثة كنا ثلاثة في الشاحنة، مصطفى يجلس بجوار
ابنه علاء الذي يقود الشاحنة وأنا في الخلف. في اليوم السابق للهجوم لم
نستطع أن نعود إلى البيت في نابلس لأن المستوطنين كانوا قد أغلقوا الطريق
بين رام الله ونابلس.
الحادث وقع عندما هاجم حوالي 13 مستوطناً يهودياً من مستوطنة عوفرا الشاحنة
بالحجارة فسقط حجر كبير على الزجاج الأمامي وأصاب مصطفى في رأسه وصدره،
وعندما رأى ابنه علاء ذلك زاد من السرعة، بينما فقد أبوه الوعي وهو ينزف.
وعندما وصلنا إلى مستشفى رفيديا في نابلس قال الأطباء أن مصطفى قد توفي
نتيجة ضربة قوية بجسم ثقيل على رأسه "
تقول مؤسسة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان أن ما مجموعه 64 فلسطينياً
قتلوا على ايدي مستوطنين خلال الفترة من 1987 إلى 1994، منهم أربعة حالات
فقط يمكن القول أنها كانت دفاع عن النفس. / أنظر تقرير "بتسيلم" سنة 1994
تحت عنوان "تطبيق القانون".
وهذا ما أكدته الحالات التي فحصتها المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق
الإنسان، وفي كحالات القليلة التي تم فيها إعتقال مستوطنين، أُفرج عنه بعد
ساعات أو أيام معدودة "لعدم كفاية الأدلة".
هناك أربعة حالات قتل فيها مواطنون فلسطينيون خلال انتفاضة الأقصى، ولكن لم
تتوفر فيها دلائل تؤكد أن المستوطنين قاموا بارتكابها عن قصد. فالشاب شادي
أحمد الزعول، 16 سنة، من قرية حوسان، ثَبت أن مستوطناً قد قام بدهسه
بسيارته وهو يقف على جانب الطريق الالتفافي رقم 60، ولكن لم يتضح فيما إذا
كان ذلك حادث دهس عادي أم أن المستوطن تعمّد دهس وقتل الشهيد. يقول عمه
يوسف (32 سنة) في إفادته للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان:
" بتاريخ 30/11/2000 حوالي الساعة السادسة صباحاً كان شادي يسير إلى جانب
الطريق رقم 60 الالتفافي الذي يستخدمه فلسطينيون وإسرائيليون. مررتُ بالباص
الذي أقوده لأخذ عمال وتوقفتُ عند مدخل مستوطنة بيتار عيليت، ورأيت شاحنة
أسمنت وسيارة GMC إسرائيليتين في الشارع. وفجأة لمحت سيارة ال GMC
الإسرائيلية تعبر الشارع مسرعة وتدهس شادي فتقذفه مسافة لا تقل عن عشرة
أمتار. أسرعت إليه فوجدته ينزف من رأسه ويداه وأرجله مكسورة. فأخذت أصرخ
على سائق السيارة وهو مستوطنٌ مسلح، فأنكر أن يكون قد قتل شادي. وتجمع
الناس من القرية وكذلك المستوطنون، وعندما شاهد القاتل المستوطنين من حوله
أخبرهم بفخر أنه قتل شاباً فلسطينياً، فبدأ المستوطنون بالغناء والرقص لأن
عربياً قد قتل. واحدٌ من المستوطنين قال أنه طبيب فقام بفحص شادي وقال أنه
في حالة حرجة ويحتاج إلى مستشفى على الفور. وصل الجيش الإسرائيلي بعد ذلك
وأبعد الجميع من المكان، بما فيهم القاتل سائق السيارة. وصل الإسعاف وأخذ
شادي إلى مستشفى هداسا عين كارم، ولكن لم تنجح محاولات انقاذ حياة الفتى
فمات بعد بضع ساعات، ونقلت جثته إلى مستشفى أبو كبير للتشريح. وقد أظهرت
التقارير الطبية أن الشهيد أصيب بكسور في الجمجمة والعمود الفقري واليدين
والرجلين "
الشاب ابراهيم عبد الرحمن العُلامي (25 سنة) أطلقت عليه النار وقُتل بينما
كان يقود سيارته بالقرب من منطقة بيت عينون في محافظة الخليل بتاريخ
12/10/2000، وكانت تدور مواجهات في المكان في ذلك الوقت بين المستوطنين
والجنود الإسرائيليين من جهة والمتظاهرين الفلسطينيين من جهة ثانية. وهذه
حالة خطيرة، فكيف يسمح الجيش الإسرائيلي لمدنيين إسرائيليين "مستوطنين"
بالمشاركة في مواجهات ضد منتفضين فلسطينيين. فحقيقة أن المستوطنين يُشاركون
في إطلاق النار على المتظاهرين الفلسطينيين جنباً إلى جنب مع الجنود
الإسرائيليين تُشير إلى أنهم أصبحوا جزءاً من قوات الأمن الإسرائيلية، وهذه
ظاهرة خطيرة جدا.
يوم السبت الموافق 3/3/2001 وجدت جثة الشاب أحمد حسن محمد علاّن، 25 سنة،
من قرية قريوت قضاء نابلس بالقرب من مستوطنة شيلو، ويوم السبت 17/3/2001
وجدت جثة الطفل محمد اسماعيل نصّار، 11 سنة، بالقرب من ضاحية البريد شمال
القدس ععلى مقربة من مستوطنة نفيه يعقوب، ولكن لم يكن هناك شهود عيان، ولم
تتوفّر تفاصيل أوفى عن هاتين الحالتين، لذلك تحث المجموعة الفلسطينية
لمراقبة حقوق الإنسان من الشرطة الإسرائيلية على الإسراع في فتح تحقيق
حولهما، وتوقيف ومحاكمة كل من تثبت إدانته.
4/2: إطلاق النار
ارتفع عدد حالات إطلاق النار من جانب المستوطنين على المواطنين الفلسطينيين
خلال انتفاضة الأقصى، ورغم صعوبة تسجيل مثل هذه الحالات، إلا أن هناك ما لا
يقل عن 66 فلسطينياً أصيبوا بجروح بين متوسطة وخطيرة من نيران المستوطنين
منذ اندلاع الأحداث في 29/9/2000. مثال حي على ما يحصل، هو ما وقع للطفل
منصور جابر، 13 سنة، حيث قامت الشرطة الإسرائيلية بفتح تحقيق في حالته لأن
المستوطن الذي أطلق النار، يهوشوع شاني من مستوطنة كريات أربع قرب الخليل،
اعترف بأنه "من الجائز" أنه كان مسؤولاً عن إصابة الطفل منصور بجروح.
أصيب منصور بجروح في بطنه ويده من نار أطلقها المستوطن شاني، عندما هاجم
مستوطنون منزل عطا جابر وقاموا ياحتلاله. وكانت أسرة جابر التي تسكن البيت
قد تعرضت مراراً لمضايقات من مستوطني كريات أربع، يقول جد منصور خضر جابر
في إفادته للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان:
" بتاريخ 9/12/2000 حوالي الساعة التاسعة صباحا وصل إلى التل القريب من
بيتنا عددٌ كبير من سيارات المستوطنين من كريات أربع، كانوا أكثر من مائتي
مستوطن ومعهم حوالي خمسين جنديا إسرائيليا. أدركنا أنه وراءهم شيئاً ما،
اقتربوا أكثر وأكثر من بيت ابنتي المتزوجة، وبدأوا باطلاق النار في الهواء.
شعرنا بالخطر من حولنا وقرر أبنائي أن يخرجوا لحماية بيت أختهم فأخذوا
بالقاء الحجارة على المستوطنين. وقد استمرت المواجهة أكثر من 90 دقيقة
والجيش الإسرائيلي يراقب ويشاهد ما يحدث دون أن يحرك ساكنا. وأخيرا، أخرج
مستوطنٌ سلاحه M16 وأطلق النار على حفيدي منصور فأصابه في يده اليمنى
وبطنه، فسقط منصور على الأرض.
حاول المستوطنون منعنا من إسعاف منصور، ولكننا ذهبنا وأخبرنا الشرطة فطلبوا
سيارة الإسعاف ونقلوه إلى مستشفى هداسا عين كارم حيث مكث مدة 40 يوما. وبعد
موقف متأزم استمر أربع ساعات دخل المستوطنون والجيش إلى منزل أبن عمي عطا
جابر، الذي كانت السلطات الإسرائيلية قد هدمته مرتين في السابق. وما زال
الجنود الإسرائيليون يتخذون منه موقعاً عسكرياً مع أن هناك قراراً من
المحكمة الإسرائيلية العليا بإخلائه." وقد أكد أحد أعضاء فريق السلام
المسيحي في مدينة الخليل هذه الرواية.
أحد أكثر حوادث اطلاق النار خطورة هو ما وقع في قرية حوسان بتاريخ
3/12/2000. قال علي خليل حمامرة أحد أعضاء المجلس القروي في حوسان في إفادة
للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان:
" حوالي الساعة الخامسة والنصف مساء توقفت سيارة GMC Van إسرائيلية ونزل
منها أربعة مدنيين مسلحين ساروا مسافة 20 مترا على جانب الطريق ثم فتحوا
نيران رشاشاتهم فجرحوا شخصين كانا على مقربة من الجامع. وخلال دقائق وصل
جيبان عسكريان إسرائيليان ونزل منهما الجنود وبدأوا باطلاق النار لحماية
المستوطنين، وقد أطلقوا كميات كبيرة من قنابل الغاز مما تسبب في حدوث حالات
اختناق لدى العديد من المواطنين الذين كانوا قد تجمعوا بعد سماع اطلاق
النار.
وبعد حدوث مواجهات مع الجيش، قام الجنود الإسرائيليون بقطع خطوط الكهرباء
والهاتف عن القرية، ونقل الجريحان إلى مستشفى الحسين في بيت جالا. ومما
يجدر ذكره أن نفس السيارة الإسرائيلية GMC Van كانت قد دهست الشاب شادي
أحمد حسين الزعول قبل أسبوع."
في هجوم المستوطنين على المزارعين وهم يقطفون الزيتون في بيت فوريك، والذي
راح ضحيته الشهيد فريد نصاصرة، أصيب أيضاً ثلاثة فلسطينيين. وفي هجوم مماثل
وقع بتاريخ 1/11/2000 جرح مزارعان فلسطينيان وهما يقطفان الزيتون في قرية
عوريف قرب نابلس، أحد المزارعين كان فوزي هليل شحادة الذي قال للمجموعة
الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان:
" في ذلك اليوم ترك أفراد أسرة الصفدي منزلهم وذهبوا إلى الحقول لقطف
الزيتون. وبينما نحن نفعل ذلك وإذا بحوالي عشرين مستوطناً مسلحين
يهاجموننا، هربنا باتجاه القرية ولكنهم لحقوا بنا. أطلق أحدهم النار فأصاب
الشاب سعيد عبد الصفدي، 18 سنة، بجروح خطيرة. كما وأصيب المواطن فالح محمد
الصفدي، 38 سنة، في بطنه. وقد حمل المزارعون الجريحين مسافة 2 كيلومتر قبل
أن تنقلهما سيارة إلى مستشفى رفيديا في نابلس. وأدخلا إلى غرفة العمليات
فورا، ومكث سعيد في المستشفى 21 يوما وفالح 15 يوما. وقد قمنا بالاتصال
بمكتب الارتباط الذي بدوره أبلغ الإسرائيليين بما حصل، فجاء الجيش وسألوا
بتهكم: لماذا لم تطلقوا النار عليهم؟ وقد طلب منا مكتب الارتباط الإسرائيلي
أن نحضر في اليوم التالي للتعرّف على المستوطنين الذين هاجمونا، ولكن في
اليوم التالي لم يأت أحد منهم. "
وفي هجوم لم يكن له أي سبب، قام المستوطنون المتطرفون بمهاجمة مدرسة حوّارة
للأولاد بتاريخ 19/12/2000، في سيارة من نوع GMC Van وأصابوا الطالب أحمد
يوسف عودة، 17 سنة، في رجله والطالب محمد أحمد الحرزين، 14 سنة، في بطنه.
يقول الطالب أحمد عودة في إفادته للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق
الإنسان:
" في حوالي الساعة السابعة والربع من صباح ذلك اليوم جاءت سيارة فيها خمسة
مستوطنين مسلحين ووقفت أمام المدرسة، فركضتُ حتى أغلق البوابة لأنهم لو
دخلوا ساحة المدرسة لوقعت كارثة. ولكن أحد المستوطنين أطلق النار وأصابني
في رجلي فساعدني طلاب صفي وأغلقوا البوابة. وصل الجيش الإسرائيلي وأبعد
المستوطنين ولكنه منع سيارة الإسعاف من الوصول لأخذي للمستشفى. ولكن
الإسعاف سلكت طريقاً ترابياً وأخذتني للمستشفى حيث وجدتُ طالباً آخر من
المدرسة هناك. محمد الحرزين 14 سنة كان قد أصيب في بطنه من المستوطنين بعد
أن رشقت سياراتهم بالحجارة في وقت مبكر ذلك اليوم. "
والملاحظ من هجمات المستوطنين واستخدامهم للأسلحة النارية أنهم لم يكونوا
في معظم الحالات تحت أي تهديد أو خطر على حياتهم، بل وفي كثير من الحالات
قاموا بتنظيم وتنفيذ هجماتهم بمبادرات منهم أنفسهم. ومُجدداً، على الرغم من
وجود شهود عيان في كثير من الحالات إلا أن الشرطة والجيش الإسرائيلي لم
يأخذوا منهم أية إفادات ولم تجرِ اية تحقيقات.
4/3 : الضرب المبرح
الضرب المبرح يُمثل نهجاً آخر من أساليب عنف المستوطنين المتعصبين وتنفيسهم
لحقدهم على الفلسطينيين، مثلما هو الحال مع الصحافيين في الخليل الذين
تعرضوا مرات عديدة لضرب المستوطنين. وفي معظم حالات ضرب الفلسطينيين كان
أفرادٌ من الجيش أو الشرطة الإسرائيلية يقفون وينظرون دون تدخل منهم.
يقول والد الطفل بهاء دنديس، 12 سنة، من الخليل والذي تعرض إلى ضرب مبرح في
إفادته للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان:
" بتاريخ 18/1/2001 حوالي الساعة العاشرة ليلاً وبينما أولادي يلعبون أمام
البيت، قام مستوطن يهودي، عمره 18 سنة تقريبا، بالصراخ عليهم وسبّهم،
ودفعهم إلى داخل البيت. ابني الكبير بهاء رد الشتيمة عليه فغضب المستوطن
وسحب بهاء إلى الخارج وأخذه إلى موقع المستوطنين الذين أنهالوا عليه
بالضرب، وخشيت أن يقتلوه. منعني الجنود الإسرائيليون من دخول منطقة
المستوطنين ودخلوا هم وأحضروا بهاء الذي كان فاقداً الوعي وينزف من رأسه،
وقام المستوطنون برش نوع من الغاز في عينيه. أخذته إلى الطبيب فوراً،
واستغرق بضعة أيام حتى تعافى تماما. لقد كان الأمر مثل الكابوس المخيف. "
ولا يقتصر ضرب المستوطنين على الأطفال والفتية الصغار بل يتعدى ذلك إلى
الكبار، فالمواطن عبد اللطيف قمصية، 27 سنة، تعرّض لضرب مبرح فقط لأنه سلك
طريقاً مخصصاً للمستوطنين.
" بتاريخ 9/10/2000 كنتُ في طريقي من قرية بلعا إلى مدينة نابلس، وعند مدخل
مستوطنة عناف على الطريق الرئيسي أوقفتني مجموعة من المستوطنين المسلحين
وأجبروني على النزول من سيارتي وبدأوا بضربي بالبنادق والهراوات. بعد ربع
ساعة وصل جيب جيش إسرائيلي فطرد المستوطنين من المكان، ولكن الجنود تركوني
أنزف وأتألم مدة لا تقل عن نصف ساعة. في النهاية وصلت سيارة عربية وأخذني
السائق إلى مستشفى رفيديا حيث مكثت فترة عشرة أيام تحت العلاج. "
يتعرَض الصحافيون الفلسطينيون إلى مضايقات وضرب واعتداءات متواصلة من
المستوطنين الإسرائيليين، خاصة في مدينة الخليل حيث يحاول الصحافيون أن
يصوّروا اعتداءات المستوطنين وممارساتهم الهمجية ضد المواطنين الفلسطينيين،
وبالطبع هذا أمر لا يروق للمستوطنين، ولا للجيش الإسرائيلي.
يقول الصحافي الفلسطيني حسام أبو علاّن، 46 سنة، للمجموعة الفلسطينية
لمراقبة حقوق الإنسان:
" بتاريخ 12/12/2000 كنتُ برفقة وفد من نساء أجنبيات متزوجات من فلسطينيين
يزرن البلدة القديمة في الخليل، عندما علمنا أن المستوطنين يهاجمون سوق
الخضار أسرعتُ إلى هناك لتغطية الحدث. ولكن ما أن وصلتُ حتى أمسكني ثمانية
مستوطنين مسلحين وانهالوا علي ضرباً، وعندما تجمّعت النساء الأجنبيات حولي
وأخذن يُجادلن المستوطنين، تدخل الجيش الإسرائيلي لحماية المستوطنين.
أخذوني إلى مستشفى عالية، وبالطبع لم أقدم شكوى لأنني لا أثق في الشرطة
الإسرائيلية. "
" وبتاريخ 26/12/2000 كنتُ ضمن مجموعة من الصحافيين نغطي مواجهات بين
الشباب والجنود الإسرائيليين في شارع الشلالة في البلدة القديمة في الخليل.
سمعتُ صراخاً خلفي وإذا بمجموعة من المستوطنين يهاجمون امرأتين فلسطينيتين
ويضربوهما. حاولتُ أن أساعد المرأتين الفلسطينيتين على الهرب، فأمسك بي
المستوطنون وأخذوا يضربونني بكل قسوة. فجاء زملائي وأخذوا يتجادلون مع
المستوطنين ووصل الجيش الإسرائيلي وأبعد المستوطنين من المكان. "
الصحافي لؤي أبو هيكل، مصوّر وكالة رويتر، 21 سنة، قال للمجموعة الفلسطينية
لمراقبة حقوق الإنسان:
" بتاريخ 12/12/2000 كنتُ في شارع الشلالة أغطي المواجهات عندما سمعنا أن
المستوطنين يهاجمون سوق الخضار "الحسبة" فتوجهتُ مع مجموعة من الصحافيين
إلى هناك. عندما وصلتُ وبدأت أصوّر اعتداءات المستوطنين على المحلات
والمواطنين الفلسطينيين، هاجمني حوالي عشرة مستوطنين وضربوني بكل وحشية،
وكسروا الكاميرا التي كانت معي. ساعدني الزميل مازن دعنا، الذي ضربه
المستوطنون كذلك، وتلقيت اسعافاً أوليا. "
أن ممارسات المستوطنين واعتداءاتهم على الصحافيين على مرأى من القوات
الإسرائيلية تشكّل انتهاكاً صارخاً لمبدأ حرية الصحافة الذي نصّ عليه
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 19 منه) وانتهاكاّ صارخاً للقانون
الإسرائيلي نفسه.
4/4 : رشق الحجارة
لدى المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان تقارير عن 45 حالة قام فيها
المستوطنون الإسرائيليون برشق حجارة على سيارات أو بيوت المواطنين
الفلسطينيين. ورغم أن الحجارة أقل خطراً من الأسلحة إلا أنها ممكن أن تسبب
إصابات خطيرة أو حتى الموت، خاصة إذا رشقت سيارة مسرعة (أنظر حادثة استشهاد
مصطفى عليان في القسم 4/1).
علي محمود الداموني، 28 سنة من قرية بورين قرب نابلس، أصيب بجروح خطيرة
عندما رشقت سيارته بالحجارة وهو مسافر على الشارع العام. قالت شقيقته ايمان
للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان:
" بتاريخ 8/12/2000 حوالي الساعة السابعة والنصف صباحاً كان أخي علي يقود
سيارته على الطريق الإلتفافي قرب بورين عندما قام مستوطنون بإلقاء حجارة
عليه من سيارة GMC Van فتحطم الزجاج الأمامي وجُرح علي في رأسه، وواصلت
سيارة المستوطنين طريقها دون أن تتوقف. أخذ الناس شقيقي إلى المستشفى
التخصصي في نابلس حيث مكث فاقداً الوعي لمدة 12 يوما. "
وقد تعرّض المواطن خالد موفق إبراهيم المدني، 35 سنة من نابلس، لحادثة
خطيرة مشابهة، وفيما يلي ما أفاد به للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق
الإنسان:
" بتاريخ 11/10/2000 قام عددٌ من المستوطنين من مستوطنة (عليه) على طريق
نابلس برشق سيارتي بالحجارة ففقدت السيطرة عليها ودهستُ عدداً منهم،
فنقلوني في مروحية هيلوكبتر إسرائيلية مع الجرحى من المستوطنين. أصبتُ بكسر
في العمود الفقري وكسر في يدي، وفقدت الذاكرة لمدة شهرين، ومكثتُ في
العناية الفائقة فترة 27 يوما. وقد تكلّف علاجي مبلغ 112 ألف شيكل، وأخذت
الشرطة الإسرائيلية أقوالي مرتين. "
وفي عمل أكثر تنظيماً، قام المستوطنون اليهود من مستوطنات كارني شومرون
وكيدوميم وألفيه منشيه في شمال الضفة الغربية بتاريخ 3/11/2000 بإغلاق
الطريق الرئيسي في نقطتين، مفترق قلقيلية ومفترق عزّون. يقول هولد ليبرمان،
رئيس مجلس مستوطنة كاريني شومرون: (إذا لم نستطع السفر على الطرق بأمان،
فلن نسمح لهم "يقصد الفلسطينيين" أن يسيروا بسلام) وأضاف ليبرمان أن هذه
الخطوة تمت بتنسيق وموافقة من الجيش الإسرائيلي. /أنظر صحيفة هآرتس بتاريخ
5/11/2000.
تتعرض السيارات العريبة على الطريق بين قريتي حوسان ونحالين قرب بيت لحم
باستمرار للرشق بالحجارة من المستوطنين من مستوطنة بيتار عيليت المجاورة،
خاصة أيام السبت. أفاد محمد حسن غياضة، 33 سنة، للمجموعة الفلسطينية
لمراقبة حقوق الإنسان:
" منذ ما يقارب الشهرين يقوم المستوطنون كل يوم سبت ما بين الساعة 2-3 بعد
الظهر برشق السيارات العربية بالحجارة، خاصة في منطقة وادي البقر الخطرة
حيث من السهل أن يفقد السائق السيطرة على السيارة وبالتالي تنقلب في
الوادي. يرتدي المستوطنون ثياباً شبه موحدة، بناطيل سوداء وقمصان بيضاء،
وهم يقومون بذلك بدون أي مبرر، فقط لأيذاء الفلسطينيين. "
وقد أكّد هذه الرواية ثلاثة مواطنين آخرين تعرضوا لنفس التجربة، منهم نعيم
ابراهيم فنّون، 42 سنة، الذي قال للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق
الإنسان:
" يحدث ذلك كل يوم سبت، من الساعة الثانية بعد الظهر. كنتُ في سيارتي مع
صديق عندما قام المستوطنون برشقنا بالحجارة. كانوا أكثر من 80 شخصاً بعضهم
مسلحون، صغاراً وكباراً، يرتدون بناطيل سوداء بشكل عام. "
يقوم المستوطنون أيضاً برشق بعض المنازل العربية بالحجارة، وخاصة في القرى
القريبة من الطرق الالتفافية التي يسلكها المستوطنون، مثل قرية حوسان قرب
بيت لحم وقرية حوّارة قرب نابلس. قال محمد مصطفى عليان، 45 سنة من حوسان،
للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان:
" كان المستوطنون يلقون الحجارة على بيتنا الواقع على جانب طريق رقم 60
الالتفافي، ولكن الأمر زاد بشكل كبير بعد اندلاع انتفاضة الأقصى. هم في
العادة يرشقون الحجارة من الباص الذي يقلّهم من وإلى مستوطنة بيتار عيليت.
بتاريخ 30/10/2000 وعند منتصف الليل توقفت سيارة من نوع GMC Van إسرائيلية
في الشارع أمام بيتنا وألقى المستوطنون منها زجاجة حارقة انفجرت عند
البوابة الرئيسية للبيت. بالطبع لا يمكن أن يقوم بذلك مواطنون عرب لأنهم لا
يتجولون في مثل تلك الساعة المتأخرة من الليل. ثم اختفت سيارة المستوطنين،
وبعد ذلك بدقائق قليلة وصلت سيارة جيب عسكرية إسرائيلية ونزل منها الجنود
فطلبتُ أن أتكلم مع قائد الوحدة وكان درزياً فسألني إن كنتُ متأكداً أن
المستوطنين هم الذين رموا الزجاجة الحارقة وليس أحد أبنائي، فطلبت منه أن
يكون أكثر عقلانية من ذلك. "
وعن حادثة مشابهة وقعت في قرية الخضر يقول المواطن عمر أحمد سليم عيسى، 32
سنة :
" بتاريخ 31/12/2000 جاءت ثلاث سيارات تُقل مستوطنين، فنزلوا وبدأوا
بمهاجمة بيتي الكائن على مقربة من الشارع الرئيسي في القرية. كانوا حوالي
20 مستوطن، أكثر من نصفهم مسلحون، وأخذوا يرشقون البيت بالحجارة. جمعتُ
أطفالي الخمسة في غرفة في الخلف بعيدة عن واجهة المنزل التي حطموها كلياً.
استغرق الأمر حوالي ثماني دقائق ثم اختفوا من المكان وكأن شيئاً لم يكن. "
أحد أكثر الأحداث خطورة وقع للمواطن مصطفى هموص،52 سنة، من بلدة حوّارة قرب
نابلس بتاريخ 6/1/2001، حيث أفاد المواطن مصطفى للمجموعة الفلسطينية
لمراقبة حقوق الإنسان:
" كنتُ أرعى أغنامي الخمسة على بعد حوالي 200 متر من بيتي على أطراف بلدة
حوارة. بعد حوالي ساعة جاء مستوطنان مسلحان برشاشات "عوزي" من مستوطنة
يتسهار المجاورة ومعهما كلبان. قالا أنني تعديت على أرضهما وأنه يجب أن
أعاقب على ذلك. أجبراني أن أجلس ويداي إلى أعلى، وأخذا يرشقانني بالحجارة،
وهما يصرخان باللغة العربية (لا تتحرك وإلا ستموت). حاولتُ بعد عشرة دقائق
أن أتحرك وأهرب، ولكن أحدهما ضربني بحجر كبير على رأسي وبدأت أنزف بغزارة.
تمكنتُ أخيراً من الهرب بعد نصف ساعة تقريباً، واحتاج الجرح إلى عشر غرز في
مستشفى رفيديا في نابلس. ذهبتُ في اليوم التالي إلى مكتب الإرتباط لتقديم
شكوى، ولكن لم أجد أحداً هناك. "
كما رأينا فإن الفلسطينيين الذين يرشقون الحجارة يتم إطلاق النار عليهم من
الجيش الإسرائيلي، أو يُعتقلوا لمدة لا تقل عن سنة كاملة، بينما المستوطنون
الذين يرشقون الحجارة لا ينالون أكثر من توقيف لبضعة ساعات.
4/5 : إتلاف الممتلكات والسرقة
من المهم التوضيح هنا أن عنف المستوطنين لا يتوقف عند أو ينحصر في الهجمات
الخطيرة التي تهدد الحياة فتؤدي إلى الموت أو الإصابة، فمعظم اعتداءات
المستوطنين تنصبّ في تخريب وسرقة ممتلكات المواطنين الفلسطينيين. ومن خلال
فحصٍ خاطفٍ لطبيعة وحجم مثل هذه الاعتداءات يتبيّن أن المستوطنين اليهود
يعتبرون أنفسهم فوق القانون إذا كان الضحايا فلسطينيين.
خلال انتفاضة الأقصى توالت هجمات المستوطنين المتعصبين على سوق الخضار في
البلدة القديمة في الخليل، فيما يلي إفادة المواطن نضال موسى جمجوم
للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان:
" بتاريخ 23/1/2001 في ساعات ما بعد الظهر جاء أكثر من 25 مستوطناً بين
أطفال ونساء ورجال ومعهم حوالي 15 جندياً حمايةً لهم. دخلوا إلى حسبة
الخضار وهم يصرخون بهتافات ضد العرب واصفين إياهم بالكلاب والخنازير، وأنهم
يستحقون القتل. ثم هاجموا بسطات الخضار والملابس، حتى وصولا إلى محلي فقامت
امرأتان منهم بقلب الخضار على الأرض، حاولت أن أمنع ذلك لأن المحل هو مصدر
رزقي الوحيد، ولكن الجنود تصدوا لي وأجبروني أن أقف متفرجا.
والمستوطنون يقومون بمهاجمة الحسبة مرتين أو ثلاثاً كل أسبوع، فيعيثون
الخراب والفوضى في المكان تحت بصر وسمع الجيش الذي لا يفعل شيئاً سوى
حمايتهم. لقد حولوا حياتنا إلى جحيم لا يُطاق. ومنذ بدء انتفاضة الأقصى لا
يأتي إلينا أي زبائن تقريباً لأنهم يخشون مضايقات المستوطنين والجنود. "
يبدو أنه أصبح هناك نمط معروف لاستفزازات واعتداءات المستوطنين في البلدة
القديمة في الخليل، وفرض نظام منع التجول على منطقة H2 الخاضعة للسيطرة
الأمنية الإسرائيلية. فحالما يُرفع نظام منع التجول، ينزل المستوطنون تحت
حماية الجيش إلى السوق للتسبب في حدث ما، وبالتالي يفرض الجيش منع التجول
من جديد. (حسب مراقبي فريق السلام المسيحي الموجود في الخليل، أنظر أيضاً
صحيفة هآرتس بتاريخ 24/11/2000)
يقول المواطن كرم محمد الزعتري، 30 سنة، في إفادته للمجموعة الفلسطينية
لمراقبة حقوق الإنسان:
" بتاريخ 1/1/2001 حوالي الساعة الواحدة والنصف ظهرا، جاء عشرة مستوطنين
مسلحين إلى محل الملابس الذي أملكه في البلدة القديمة، وقاموا برمي مجموعة
الملابس المعروضة في الخارج على الأرض وداسوا عليها. سألتهم (لماذا تفعلون
هذا؟) فدخلوا إلى المحل وانهالوا عليّ ضربا. ورموا بعض الملابس في الخارج
على الأرض المبتلة، وأخذوا مجموعة من أفخر الملابس معهم ثم تركوا المحل.
بعد بضعة دقائق جاءني شرطي إسرائيلي وقال أن بضاعتي موجودة في مخفر شرطة
كريات أربع ولكنني لا أستطيع أن أذهب إلى هناك لأنه لم يكن لدي تصريح
بالدخول إلى هناك. ونصحني أصدقائي أن لا أذهب لأن المستوطنين سوف يكونون
هناك وسوف أتعرض لمزيد من المضايقات.
هذا المحل هو مصدر رزقي الوحيد، وأصبحنا لا نغطي تكاليف الكهرباء والماء
والتلفون، لقد حوّل هؤلاء المستوطنون حياتنا إلى جحيم. "
منطقة أخرى منكوبة تتعرّض لاعتداءات متواصلة من المستوطنين هي منطقة
المواصي على شاطئ البحر في قطاع غزة والمحاطة بمجموعة مستوطنات غوش قطيف.
يسكن منطقة المواصي ما يقارب 9 آلاف فلسطيني يعانون من حصار عسكري مُحكم
منذ بدء انتفاضة الأقصى.
بتاريخ 15/1/2001 قام ما يزيد على 100 مستوطن مسلح من غوش قطيف بتنفيذ
عمليات حرق وتدمير للبيوت والسيارات والممتلكات الفلسطينية، فحرقوا سبعة
منازل غير مأهولة، و15 مزرعة بلاستيكية، ناهيك عن إطلاق النار العشوائي
وتكسير السيارات، وقد أصيبت إمرأة فلسطينية تدعى مقبولة النجار بجروح في
وجهها جرّاء ضربها على أيدي مستوطن حاقد. هذه الهجمة الشرسة جرت تحت سمع
وبصر الجيش الإسرائيلي الذي لم يحرك ساكنا.
أما بلدة حوّارة التي تقع على الطريق رقم 60 بين مدينتي نابلس ورام الله،
فقد تأثرت بشكل كبير بعنف المستوطنين واعتداءاتهم خاصة في انتفاضة الأقصى،
لأن المستوطنين يمرون من وسط البلدة ويقومون بالاعتداء على المواطنين
الفلسطينيين وممتلكاتهم. أفاد المواطن جهاد الجواري رئيس بلدية حوّارة في
لقائه مع المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان:
" بتاريخ 6/10/2000 قام المستوطنون بحرق مسجد البلدة وعشرات النسخ من
القرآن الكريم بداخله. في اليوم التالي وقعت مواجهات بين الشباب وقوات
الجيش والمستوطنين الإسرائيليين، والنتيجة كانت فرض نظام منع التجول على
البلدة بشكل شبه متواصل، ولا يرفعونه إلا لبضعة ساعات أو أيام قليلة ثم
يفرضونه من جديد. والأدهى أن المستوطنين يستغلون منع التجول وعدم وجود
المواطنين فيقومون بتخريب المحلات والممتلكات وسرقة الكثير منها.
بتاريخ 5/1/2001 نزل خمسون مستوطناً مسلحين من مستوطنة يتسهار ومعهم جرافة
كبيرة، قاموا بتدمير مخزنين أملكهما وقتلوا سبعة خراف وسرقوا البقية، أكثر
من 43 رأس غنم وخمسة خيول. "
إضافة إلى هذه الاعتداءات والانتهاكات الخطيرة، قام المستوطنون اليهود، تحت
حماية الجيش الإسرائيلي وبمساعدته، بتجريف آلاف الأشجار المثمرة وغيرها
بحجة أن الشبان راشقي الحجارة يقومون بالأختباء وراءها. فمثلاً في شهر
تشرين ثاني 2000 تم تجريف حوالي 300 شجرة على جانبي الطريق في بلدة حوّارة،
وتم تجريف ما يقارب 1000 شجرة، معظمها من الزيتون المثمر، في قرية دير
الحطب قرب نابلس بتاريخ 4/12/2000، وفي نفس اليوم تم قطع 200 شجرة زيتون في
قرية عينبوس تعود للمواطن هاشم سليمان.
(من أجل مزيد من التفاصيل حول أعمال التخريب وتجريف وقطع الأشجار على أيدي
المستوطنين أنظر تقرير المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان تحت عنوان
"انتفاضة الأقصى: ممارسات لا إنسانية بحق الإنسانية" الصادر في تشرين أول
2000).
فيما يلي جدول يُبين الفلسطينيين ضحايا عنف المستوطنين من تاريخ 28/9/2000
الشهداء الجرحى حوادث القاء حجارة حوادث ضرب مبرح تحطيم وتخريب ممتلكات
المجموع 7 67 47 23 48
إفادات المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان 7 39 13 11 20
تقارير أخرى 3 26 34 12 28
تحليـل
إن من حق المستوطنين، كأي بشر آخرين، أن يدافعوا عن أنفسهم، ولكن في جميع
الحالات السبع التي أقدم فيها مستوطنون على قتل مواطنين فلسطينيين خلال
انتفاضة الأقصى، لم تكن هناك أي حالة دفاع عن النفس. بل إن الكثير من حالات
الاعتداء على المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم كان يقوم بها المستوطنون من
أجل العنف نفسه، أو بسبب حقدٍ أعمى ضد الفلسطينيين، أو كردود أفعال على
تعرضهم للرشق بالحجارة من الفتية الفلسطينيين، ولكن حتى في الحالة الأخيرة
فإن ذلك لا يعطيهم الحق في أن يأخذوا القانون بأيديهم كيفما يحلو لهم.
ولكن الأمر الخطير هو أن يقوم المستوطنون بتنظيم هجمات مُخططة ضد القرى
والمخيمات الفلسطينية، مثل ما وقع في قرية حوسان وفي الهجمات على سوق
الخضار في الخليل وعلى منطقة المواصي في قطاع غزة، وذلك في محاولة للخروج
من الظروف الأمنية الصعبة التي اختار المستوطنون أن يعيشوا فيها، أو
كمحاولة لطرد المواطنين العرب من مناطق محددة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وهذا السبب الأخير له دلائل في أقوال وشعارات المستوطنين أنفسهم، مثل
"الموت للعرب" أو "كهانا كان على حق".
هجمات واعتداءات المستوطنين تلقى دعماً وتشجيعاً من المستويين السياسي
والأمني في إسرائيل، فمجلس المستوطنات اليهودية في المناطق المحتلة "يشع"
ومعه الحاخامون اليهود والحكومة الإسرائيلية يتحملون المسؤولية السياسية
والدينية في الأمر، بينما تقع المسؤولية الأمنية على الجيش الإسرائيلي
والشرطة الإسرائيلية اللذين عليهما أن يقوما بفرض وتطبيق القانون بغض النظر
عن ديانة أو قومية من يقوم بالاعتداء.
فالحكومة الإسرائيلية على سبيل المثال لم تقم برفض أو حتى شجب العقوبة
الخفيفة جداً والمُخزية التي صدرت ضد المستوطن القاتل ناحوم كورمان، وهذا
أمر يعتبر تشجيعاً على القيام بجرائم مشابهة ضد المواطنين الفلسطينيين في
المناطق المحتلة. ومجلس المستوطنات "يشع" دعا الجيش الإسرائيلي بتاريخ
26/2/2001 إلى ضرورة قتل ياسر عرفات (أنظر صحيفة هآرتس بتاريخ 27/2/2001)
وهذا تحريض واضح ودعوة جريئة للعنف والقتل.
بل أن رئيس مجلس "يشع" الحاخام المتطرف زالمان ميلاميد دعا إلى استخدام كل
الوسائل القانونية وغير القانونية لوقف عملية السلام والمفاوضات (أنظر كلمة
المحرر في صحيفة هآرتس بتاريخ 31/12/2000).
هناك مستوطنات إسرائيلية معينة في الأراضي المحتلة باتت معروفة بكرهها
الشديد للعرب وقيام ساكنيها بالهجوم على المواطنين الفلسطينيين بشكل مستمر،
مثل يتسهار وايتمار وبراخا في الشمال قرب نابلس، كريات أربع في الخليل،
وبيتار عيليت قرب الخضر، إضافة لمستوطنات قطاع غزة. ولقد أصبحت جولات الشغب
والتخريب التي يقوم بها المستوطنون في البلدة القديمة في الخليل أمراً
روتينياً يجد فيه المستوطنون (والجيش الإسرائيلي) التسلية والترفيه، فيما
تتضاعف معاناة المواطنين الفلسطينيين.