تعريف المجموعة  -  بيانات صحفية - الرقــيب -  مصادر و مراجع -  روابط ذات صلة - الصفحة الرئيسية

 

السنة الرابعة – العدد السادس عشر– نيسان 2000

رعب في االقدس
 إسرائيل لا تُعير الفلسطينيين ضحايا الإرهاب أي اهتمام

 

قضية مقتل د. نائلة قراعين التي ما تزال غامضة


بالنسبة للكثير من الفلسطينيين من سكان القدس، كانت د. نائلة قراعين تعتبر من النساء القياديات في القدس، حيث أنها تحمل شهادات عليا من جامعات في الولايات المتحدة الأمريكية، من جامعة هارفارد، ودكتوراة في الطب العام من جامعة جون هوبكنز الأمريكية. وبعد أن عادت إلى وطنها فلسطين، كرّست حياتها لخدمة الشعب الفلسطيني، فعملت في إطار خطة تطوير القطاع الصحي الفلسطيني، من خلال منظمات صحية دولية عاملة في المنطقة، ومع وزارة الصحة الفلسطينية، وبسبب نشاطاتها هذه باتت د. قراعين تُعرف باسم (ملاك القدس) لفعاليتها وارتباطها بمدينة القدس التي أحبتها كثيرا، وعرفاناً لدورها المؤثر، الذي كان واضحاً في جنازتها التي حضرها جمع غفير من شخصيات وأهالي القدس يتقدمهم السيدان فيصل الحسيني وسري نسيبة.

من قتل د. قراعين؟ ولماذا؟
طُعنت د. نائلة قراعين حتى الموت يوم 11 شباط 1999 ما بين الساعة العاشرة والعاشرة والنصف صباحاً في شارع (اليشا) غربي القدس، وذلك أثر ضربة سكين واحدة قاتلة اخترقت القلب (حسب ما تبين من تقرير التشريح) ووجدت جثتها على طريق جانبي في حي المصرارة الذي عادة ما يكون مكتظاً في ذلك الوقت، بعد أن قام أحد المارة بإبلاغ الشرطة.
اثر اكتشاف جثة د. قراعين، أصدرت الشرطة الإسرائيلية عدة تصريحات متباينة ومتناقضة حول الحادثة، ففي البداية أعلن راديو إسرائيل في النشرة الصباحية أن حادث القتل وقع على خلفية قومية، ثم قالت الشرطة فيما بعد أن الحادث ربما وقع بسبب سرقة أو خلاف عائلي. إلا أن هذه الروايات تم دحضها عندما أعلنت الشرطة بعد خمس ساعات من وقوع الحادث عن اعتقال شخص مشتبه به يُدعى محمد شعلان، وهو فلسطيني من سكان قرية أبو ديس شرقي القدس، كان قد قام بتسليم نفسه للشرطة الإسرائيلية على حاجز عسكري إسرائيلي بالقرب من قرية العيزرية شرق مدينة القدس ، واعترف -كما ادعت الشرطة - بأنه قتل د. قراعين بالخطأ ظاناً أنها يهودية.

بالرغم من وجود بعض الفجوات في اعتراف محمد شعلان إلا أن الشرطة الإسرائيلية لم تحاول ملاحقة أية فرضية أخرى حول مقتل د. قراعين، فمثلاً لم تفكر الشرطة في إمكانية أن يكون (القاتل المتسلسل) هو من ارتكب الجريمة، كما أن دور الشخص المدعو محمد بدر في الحادثة ما يزال غامضا.

في مقابلة أجرتها "المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان" مع أندريه روزنتال محامي عائلة القراعين حول القضية (بواسطة الهاتف في شهر آب 1999) بيّن روزنتال لماذا لم تقم الشرطة الإسرائيلية بمتابعة أي فرصة أخرى :

"الحقيقة القانونية موجودة، وهي ليست صحيحة بالضرورة، إلا أنه من وجهة نظر الشرطة والدولة (إسرائيل) فالمهم أن الحقيقة موجودة من ناحية قانونية، وهي أن محمد شعلان قد قتل د. نائلة قراعين، وهو قد اعترف بذلك.

ويبدو أن هناك شخصاً آخر له علاقة بالحادث، ويدعى محمد بدر، وكان يترافع عنه المحامي جواد بولص، وهناك قضية ضده وقد يُدان على علاقته بالحادث.

بالنسبة لوجهة نظر الدولة في الموضوع، فالقضية واضحة ومنتهية، هناك فلسطينيان التقيا قبل وقوع الحادث (شعلان وبدر) وناقشا أمر الطعن في القدس، فأخذ واحد منهما الأمر بيديه وذهب وأشترى سكينا، وفي اليوم التالي طعن وقتل امرأة، مُعتقداً أنها يهودية، فتبيّن أنها عربية، واعترف بجريمته، أي أن القضية من وجهة نظر الحكومة منتهية ويُمكن إغلاقها".

قام المحامي إبراهيم أبو عطا بتمثيل محمد شعلان في بداية القضية، واعترف على لسان شعلان بارتكاب جريمة القتل على خلفية "مشاكل عائلية" وأن شعلان يشعر بالأسف لموت د. نائلة. ومن وجهة نظر الدولة فإن اعتراف شعلان وأسفه على ما حصل يشكلان دليلاً قوياً لإدانته، بالضبط كما أوضح المحامي روزنتال، أي أنه كانت هناك عدة أسباب جعلت الحكومة لا تبحث في القضية أكثر من ذلك، منها أن د. قراعين لم يكن لها أي أعداء سياسيين أو غيرهم .

وبالرغم من اعترافات شعلان المتكررة بارتكابه الجريمة، إلا أنه أنكر تهمة القتل أمام المحكمة في القدس بتاريخ 19 أيلول 1999، وكان محامي الدفاع عنه عوني يغمور وتأجل النظر بالقضية إلى 19 تشرين أول 1999، ومن ثم تأجلت إلى موعد لاحق. إلا أنه يظل هناك تساؤلٌ يفرض نفسه، كما قال أندريه روزنتال:

"أرى بعض الفجوات في اعتراف شعلان، فمن خلال نص المرافعات في إحدى جلسات المحاكمة، تبدو روايته غريبة، خاصة بالنسبة لأحد شهود العيان، وهي امرأة تقول أنها شاهدت شعلان يطعن ويقتل د. نائلة قراعين، ثم سارت معه إلى نهاية الشارع ... فرواية المرأة تبدو سهلة جداً وبسيطة جداً وهذا أمر مستغرب في حادثة قتل مروعة مثل هذه! كما أن هناك شاهد عيان آخر رأى بعض ما حدث من شرفة منزله، إلا أنه لم ير واقعة الطعن نفسها !"

وأضاف روزنتال قائلاً:
"لم نقم بإجراء أي تحقيق في هذا الجانب (شهود العيان) ولم نحاول أن نجد معلومات أخرى عن تلك المرأة، إلا أنني غير مرتاح للطريقة التي يسير بها التحقيق، أجد نفسي غير مصدق لاعتراف شعلان!"

وهناك تساؤل آخر هو : لماذا قام محمد شعلان بتسليم نفسه للسلطات الإسرائيلية بدلاً من السلطات الفلسطينية، خاصة وأنه من قرية أبو ديس في الضفة الغربية؟! حيث يبدو- من وجهة نظر فلسطينية- أنه لو سلّم نفسه للسلطة الفلسطينية على أساس أنه قتل د. نائلة قراعين وهو يعتقد أنها يهودية مرتكباً خطأً غير مقصود ، لو فعل ذلك، لكان هناك على الأقل فرصة لحل المشكلة بطريقة عائلية أو عشائرية مثلا، وهذا كان وما زال يحدث في المجتمع الفلسطيني الذي يغفر الخطأ إذا كان بدون قصد.

وثمة تساؤل ثالث يفرض نفسه بقوة فيما يتعلق بكون محمد شعلان فعلاً هو قاتل د. قراعين وصدق روايته للحادث، وهو: أنه بالنسبة لعائلة شعلان، فإن محمد كان موجوداً في البيت حتى الساعة الثانية بعد ظهر يوم الحادث (الجريمة وقعت ما بين الساعة العاشرة والعاشرة والنصف صباحاً) أي بعد 4-5 ساعات من وقوع القتل، حيث أن العائلة كانت تحتفل في اليوم السابق بخروج أخ محمد من السجن، وبقي الجميع نائمون حتى الساعة العاشرة صباحا.
(هذا الحديث رواه أحد أشقاء محمد شعلان، حسب صحيفة "الحياة اللندنية، بتاريخ 27 شباط 1999 عدد رقم 13140)

وأضاف شقيق محمد شعلان أن محمد كان يعمل لصالح جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، وهذا يعني، حسب وجهة نظر شقيقه ، أن محمد غير متزن نفسياً وعقليا.
ومهما كانت الروايات حول الحادث، فإنه بالنسبة لعائلة شعلان، فإن جهاز الأمن الإسرائيلي قد قام بترتيب وفبركة الحادث من خلال "توريط" أحد أفراد العائلة (محمد) في القضية، وتصرّ عائلة شعلان على أنه (في الحقيقة) ليست هناك أية صلة بين مقتل د. نائلة قراعين وابنهم محمد شعلان.

نستخلص أن كل من عائلة شعلان، وعائلة قراعين، والمحامي أندريه روزنتال، لم يُعلنوا بصراحة من هو قاتل د. نائلة قراعين !؟ بل قاموا فقط بتوجيه بعض الأسئلة. ففي البداية ظن الفلسطينيون أن د. قراعين كانت ضحية (للقاتل المتسلسل) اليهودي، وإذا كان الأمر كذلك فإنها تكون الضحية الأنثى الأولى لذلك القاتل الغامض، إلا أن اعتراف فلسطيني آخر بأنه ارتكب القتل يحجب الضوء عن احتمال القاتل المتسلسل. ويعتقد كثير من الفلسطينيين أن رجل أمن إسرائيلياً محترف هو الذي قتل د. نائلة قراعين، ويشير هؤلاء إلى نشر الشرطة الإسرائيلية نعياً للضحية في الصحف باللغتين العربية والعبرية. وكان نص هذا النعي:
(تنعى الشرطة الإسرائيلية بحزن عميق وفاة د. نائلة قراعين التي قُتلت على خلفية أسباب قومية في حي المصرارة في القدس، ونشارك عائلتها المنكوبة الأحزان لوفاتها) ولا يُبين النعي أية تفاصيل حول الحادث. إلا أننا نتساءل: لماذا يُمكن أن تقتل إسرائيل د. نائلة قراعين؟ ورغم ذلك يظل هذا الاحتمال قائما.

إذا تبين أن محمد شعلان هو فعلاً قاتل د. قراعين، فإن حكومة إسرائيل غير مُلزمة بتقديم أي تعويض لعائلة قراعين على أساس ان من قام بالحركة شخص عربي فلسطيني، وإذا تبين أن القاتل اليهودي المتسلسل أم أي يهودي آخر أو رجل أمن هو من قتلها، فإن عائلتها لا تستحق تعويضاً من الحكومة الإسرائيلية.
إلا أن أسرة قراعين لا تريد تعويضاً بالضرورة، إنها تبحث عن الحقيقة، وتريد أن تعرف فقط من الذي قتل الابنة الغالية نائلة، ولماذا؟ ومثل بقية الحالات في هذا التقرير، فإن الحقيقة هي أهم ما في الأمر. وتقع المسؤولية على كاهل السلطات الإسرائيلية لكشف هذه الحقيقة لعائلات الضحايا والمجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي، وهذا -إن حدث- سوف يتيح الفرصة لعائلات الضحايا للحصول على تعويضات من الحكومة الإسرائيلية، إذن فمن الضرورة أن تجيب السلطات الإسرائيلية على أسئلة كثيرة تتعلق بمقتل د. قراعين.

(ملاحظة: نظرت المحكمة المركزية الإسرائيلية في قضية مقتل د. نائلة قراعين في جلسة أخيرة عقدت في ------- وحكمت على محمد شعلان المتهم الرئيسي بالسجن المؤبد، وعلى محمد بدر صديق شعلان بالسجن 3 سنوات بتهمة معرفته بمعلومات عن الحادث قبل وقوعه وعدم التبليغ عنه، ولم تأخذ المحكمة بأقوال المرأة الشاهدة لأنها اعتبرتها باطلة)

 

 تعريف المجموعة  -  بيانات صحفية - الرقــيب -  مصادر و مراجع -  روابط ذات صلة - الصفحة الرئيسية