المقـدمــة
شهد
العام 1998 تراجع في انتهاكات السلطة الوطنية الفلسطينية لحقوق الانسان في
مجالات معينة ، كما شهد ازدياداً في هذه الانتهاكات في مجالات اخرى مقارنة
بالعام 1997 .
فمن
الملاحظ ان السلطة بدأت تدرك اهمية تفادي الاثار السلبية للانتهاكات الاكثر
اثارة للراي العام المحلي والعالمي وذلك بالحد من هذه التجاوزات قدر المستطاع
، فعلى سبيل المثال تقلص عدد الوفيات في السجون الفلسطينية عام 1998 الى
وفاتين ، بينما بلغ عددها سبعاً في العام 1997 ، كما ان اغلاق السلطة لمحطات
التلفزة المحلية لم يتعد يوماً واحداً اثناء الاعتداء الاميركي
– البريطاني على العراق في 16/12/1998 بحجة بث
التظاهرات المؤيدة للعراق . بينما استمر اغلاق هذه المحطات ثلاثة اشهر ابان
الازمة العراقية في شباط الماضي وذلك لغياب رد فعل من اصحاب هذه المحطات ، في
حينه مقارنةً مع موقفهم الجماعي خلال العدوان الاخير على العراق ، حيث تداعوا
لعقد اجتماع طارئ .
ويبدو
ان السلطة الفلسطينية بدأت تدرك ايضاً مدى الاحباط السائد في الشارع
الفلسطيني والتأثير السلبي لممارساتها ضد حقوق الانسان على الرأي العام
محلياً ودولياً ، وبدأت تشعر بان مثل هذه الانتهاكات ستؤثر سلبياً على
مصداقيتها وتثير علامات استفهام كبيرة حول مدى جديتها ومصداقيتها ونواياها في
إقامة مجتمع مدني تسوده الديمقراطية والمحافظة على حقوق الانسان وسيادة
القانون ، كما ان السلطة الفلسطينية تدرك بان انتهاكاتها لحقوق الانسان واضحة
ويسهل الوصول اليها من خلال ما تقوم به المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق
الانسان بالاضافة الى المنظمات الحقوقية الاخرى من مراقبة مكثفة ومتواصلة
لاداء الاجهزة الامنية وتصرفاتها في السجون ومراكز التوقيف والاعتقال البالغ
عددها 151 في الجزء الذي تسيطر عليه السلطة في الضفة والذي يقل عن 6% من
مساحة الضفة .
ان
العالم اصبح أشبه بقرية صغيرة بعد التطور الهائل الذي شهدته الاتصالات وشبكات
"الانترنت" بحيث تشعر السلطة انها تحت مراقبة مشددة وتحت مجهر دولي ، كما ان
هذه السلطة تعلم مدى قوة الرأي العام ونفوذه وتأثره بما تنشره او تذيعه او
تبثه وسائل الاعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية .
قد
يكون هذا الانخفاض الملموس في عدد الوفيات داخل السجون الفلسطينية مجرد نور
ضعيف في نفق تغمره الظلمة ، فالسجون الفلسطينية ما تزال مزدحمة بسجناء قضى
بعضهم عامين واكثر دون محاكمة او توجيه أي تهمة ، وظاهرة تعذيب الموقوفين
تتسع ، فقد تلقت المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الانسان وحدها سبعين افادة
بالتعذيب من الضحايا في السجون او اقاربهم خلال النصف الاول من العام الماضي
1998 وهو عدد يبعث على الفزع خاصة اذا علمنا ان العشرات من الضحايا واقاربهم
لا يملكون الجرأة الكافية للتقدم بشكاوى او مراجعة المجموعة او غيرها من
منظمات حقوق الانسان لتقديم افادات حول ما تعرضوا له من تعذيب .
لقد
اصدرت المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الانسان تقريرها الاخير في
تشرين الاول من العام الماضي 1998 تحت عنوان " التعذيب : جور الدولة" ،
والغريب ان بعض من يلجأون للتعذيب ويتفننون فيه ، كانوا هم عرضة للتعذيب على
ايدي المحققين الإسرائيليين ، وهكذا اصبح ضحايا التعذيب الإسرائيلي
"الجلادين" لابناء وطنهم ، وهو أمر يثير الأسى ويبدد الاحلام الوردية التي
كانت في أذهان من انتظروا طويلاً احلال سلام عادل واقامة نواة سليمة صلبة
لدولة فلسطينية دولة القانون والمؤسسات .
اما
الانتهاكات والخروقات لحرية الصحافة فحدث عنها بلا حرج ففي حين واصلت اسرائيل
مسيرة الانتهاكات الممتدة على مدار ثلاثين عاماً من الاحتلال ، فان السلطة
الفلسطينية انضمت لهذه المسيرة في المناطق الخاضعة لسيطرتها التي كانت لا
تتجاوز ال 3% واصبحت اقل من 6% بعد اتفاق واي ريفر وتجلت الانتهاكات
الاسرائيلية وتركزت في الخليل عندما تعرض ثمانية صحافيين فلسطينيين لوابل من
نيران أسلحة الجيش الإسرائيلي في 13/3/1998 واصيب معظمهم بجراح وكان ذنبهم
انهم وثقوا وبثوا هجمة المستوطنين على سكان حارة ابو سنينة الآمنين .
وعندما جاءت السلطة الفلسطينية لم تعترف بوجود صحافة حرة فواصلت فرض الرقابة
الذاتية على الصحف الفلسطينية سواء الصادرة في القدس او في الضفة وغزة .
وقد
تعرض عدد من الصحافيين الفلسطينيين للاعتقال والضرب وتكسير اجهزة التصوير
خلال تصوير المظاهرات المؤيدة للشعب العراقي في شهر شباط وكانون الاول من
العام 1998 .
وخلال
مراسم توقيع اتفاق "واي ريفر" في 23/10/1998 أوقفت الشرطة الفلسطينية 11
صحافياً بينهم صحافية اميركية بعد خروجهم من منزل الشيخ احمد ياسين الزعيم
الروحي لحركة "حماس" الذي فرضت عليه الاقامة الجبرية ومنعت الصحافيين من
إجراء أية مقابلة معه وقطعت خطوطه الهاتفية واشترطت الحصول على اذن مسبق من
السلطات الامنية قبل مقابلته .
وامتثالاً لما تضمنه اتفاق "واي ريفر" اصدر رئيس السلطة الفلسطينية ياسر
عرفات مرسوماً رئاسياً بتاريخ 19/11/1998 يحظر فيه ممارسة أي نشاط تحريضي .
وقد اثار هذا المرسوم الرئاسي علامات استفهام كبيرة لدى الحقوقيين والمشرعين
حول مدى قانونيته ، فالرئيس في الانظمة الدستورية من حقه ان يصدر مثل هذا
المرسوم في غياب مجلس نواب ولكن ليس من حقه او صلاحيته اصدار مثل هذا المرسوم
مع وجود سلطة تشريعية متمثلة في المجلس التشريعي الذي من حقه وحده اصدار
التشريعات المتعلقة بالقضايا العامة .
وقد تضمن المرسوم الرئاسي عبارات وتعبيرات مطاطية وغامضة ، ولم يعرف التحريض
او التمييز العنصري ، مما قد يؤدي الى اساءة في تفسير مضمونه خاصة في ظل وجود
نظام قضائي غير مستقل
|