السنة الرابعة – العدد الخامس عشر – كانون ثاني 2000 التقرير السنوي لعام 1999

محتويات التقرير

تقــــديـــــم

إهدار الحريات السياسية : مواطنة مع وقف التنفيذ!!

 

1)الاعتقال السياسي

أ- الحق في الحرية والأمان الشخصي.

ب- الحق في حرية المعتقد والرأي والتعبير والتجمع السلمي.

ج- الحق في حرية التنظيم (الحرية الحزبية).

 د- جدول يبين أسماء المعتقلين لأكثر من عام.

 

2) الجهاز القضائي:

أ- إشكاليات القضاء.

ب- محكمة العدل العليا.

ج- محكمة أمن الدولة.

 د - المحاكم العسكرية.

 

3) الإعدام في فلسطين: عقوبة الاعدام...مسمار آخر في نعش العدالة الفلسطينية.

 أ- الإعدام في الضفة وغزة.

 ب- الإعدام رمياً بالرصاص لضابط من خانيونس.

ج- عقوبة الإعدام في منظور القانون الدولي.

 د-  الإعدام عقوبة تستهدف آدمية الإنسان قبل حياته

 

4) التعذيب في السجون الفلسطينية:

 أ- أساليب التعذيب المتبعة.

ب-الأضرار الناجمة عن التعذيب.

ج- صور من أشكال التعذيب.

 د- وفيات في السجون.

 

5) إطلاق النار:

 أ- لهم حلال .. ولنا حرام...

 ب- دولة قانون أم عسكر.

1.  إطلاق النار أثناء اقتحام أو مطاردة.

2.  إطلاق النار بهدف الانتقام.

3.  اطلاق النار في الأفراح.

4.  اطلاق النارنتيجة الإستهتار بالسلاح.

5.    إطلاق النار نتيجة عبث الأطفال بالسلاح.

6.   إطلاق النار نتيجة عبث الكبار بالسلاح.          

 ج- ردور فعل...

  د- خاتمة.

  هـ- جدول يوضح عدد ضحايا اطلاق النار لعام1999.

 

6) الوضع الصحي في فلسطين:

أ- اشكاليات القطاع.

ب- مشاكل المستشفيات.

ج- مشاكل الكادر الطبي.

 

7)  الإعلام في فلسطين… بين مطرقة السلطة وسندان الرقابة الذاتية

I-       أ- الصحافة المكتوبة.

      ب- الخطوط الحمراء والرقابة الذات

ج- المحطات التلفزيونية والإذاعية الخاصة.

 د- الانتهاكات بحق الصحافيين الفلسطينيين.

 

8) الحريات الأكاديمية والجامعات الفلسطينية:

 أ- المعايير الدولية.

 ب- أمن الجامعات.

ج- التضييق على حياة الطلاب.

 د- الخلاصة.

·      قضية العام: يوم الاستقلال… وفاروق أبوحسَان

 

الرقيب 1999

  • تشرين اول 1999
  • كانون ثاني 1999
  • اذار 1999
  • حزيران 1999
  • اب 1999

أرشيف الرقيـــــــب

 

 تعريف المجموعة  -  بيانات صحفية - الرقــيب -  مصادر و مراجع -  روابط ذات صلة - الصفحة الرئيسية

 

التقرير السنوي للعام 1999

العدد الخامس عشر، كانون ثاني ‏2000

كتابة: المحامية ميرفت جابر، الباحثة نهى ابو دياب ووليد هادي

بحث : رستم خلايلة، نسرين المحتسب، ماهر فراج، باسم عيد، عزالدين الرزي ونهى ابو دياب

وتشكر المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الانسان مؤسسات حقوق الانسان، فقط تلك التي اسهمت في انجاح كتابة هذا التقرير.

 

أولاً: الاعتقال السياسي

كريمة خالد حماد، من بيت لاهيا في قطاع غزة، من مواليد 1975. متزوجة
وأم لطفل... في 19/6/1996، احتجزها جهاز الأمن الوقائي في سجن تل الهوى وتعرضت للتعذيب والمعاملة السيئة، وتم نقلها للمستشفى أربع مرات. وفي نيسان 1998،  وبعد نقلها إلى سجن غزة المركزي، زارها وفد من منظمة العفو الدولية، حيث ذكرت أنها تعامل معاملة حسنة، إلا أنها بكت بحرقة على فقد حريتها وطفلها. ولاحقاً في فترة الاعتقال، قام زوجها بتطليقها! لم توجه إلى كريمة أية تهمة على الإطلاق…!

 

تقويض حكم القانون:

 وكريمة، التي ما زالت تبرح مكانها في سجن غزة للسنة الرابعة على التوالي، غيضُ من فيض. فالسجون الفلسطينية تعج بالمئات من المعتقلين السياسيين، الذين سلبت حريتهم خارج إطار القانون الفلسطيني المحلي، وفي انتهاك للمعايير الدولية لحقوق الإنسان. إذ يجري اقتيادهم إلى مراكز الاعتقال بدون إصدار مذكرات توقيف أو توجيه لوائح الاتهام أو حتى بشبهة محددة. وفي جميع حالات التوقيف، لا يعرض المحتجز على حاكم صلح ولا يحال للمثول بسرعة أمام أحد القضاة. وإلى جانب حرمانه من التقاضي أمام المحاكم العادية، يستمر احتجاز الموقوف لفترات طويلة ينفرد بتحديد سقفها الزمني قائد الجهاز الأمني الذي أجرى الاعتقال. فقد تستمر في بعض الأحيان إلى أكثر من أربعة سنوات متتالية، في ظروف اعتقالية بالغة القسوة، وخلافاً لمقتضيات أحكام القانون الدولي ذات الصلة.

فالمادة التاسعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أنه:

                "لا يجوز القبض على أي انسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً".

كما ويرد في المادة الثامنة على أن لكل شخص الحق في "أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه عن أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون ".

وتمضي المادة العاشرة في التأكيد على الحق في توفير مقومات المحاكمة العادلة:

 "لكل إنسان الحق، على قدم المساواة التامة مع الآخرين ،في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلا علنياً للفصل في حقوقه و التزاماته وأية تهمة جنائية توجه إليه".

 

        وعلى الصعيد ذاته، يشكل الاعتقال التعسفي الذي تمارسه أجهزة الأمن الفلسطينية تجاوزاً للقوانين المحلية واجبة التطبيق، والتي لا تجيز اعتقال أو حجز شخص أكثر من 30 يوما تبعاً لمذكرة اعتقال أو أمر حجز صادر عن الجهات المختصة.

 (من أحكام القانون الجزائي سنة 1924 المطبق في غزة/المادة10، وقانون أصول المحاكمات الجزائية لسنة1961 المطبق في الضفة الغربية/المادة114).

ويذهب القانون إلى ضرورة التحقق من صحة الأسباب الموجبة لتوقيف الشخص مدة ال30 يوما، خلال فترة قصيرة لا تتعدى 3 أيام. حيث تنص المادة 100 من القانون الجزائي لعام 1961 على أنه:

"يجب على موظف الضابطة العدلية أن يسمع فورا أقوال المشتكى عليه المقبوض عليه فاذا لم يقتنع بها يرسله خلال 48 ساعة الى المدعي العام المختص ويجب على المدعي العام أن يستجوبه في ظرف 24 ساعه ثم يأمر بتوقيفه أو اطلاق سراحه".

ناهيك على أن القانون الساري في الضفة الغربية وقطاع غزة يمنح صلاحية الحجز والاعتقال لموظفي الضابطة العدلية وحدهم. وبما أن الأجهزة الأمنية المختلفة – باستثناء الشرطة –ليست في عداد "الضابطة العدلية"،فان أوامر الاعتقال الصادرة عنها تفتقر إلى المشروعية. (المادة 7،8،9 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الاردني لسنة 1961).

والواقع أن نصوص القانون لم تكن الضحية الوحيدة لممارسات السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، فهيبة القضاء الفلسطيني واستقلاليته تم هدرهما بدم بارد. إذ أن أجهزة الأمن الفلسطينية صمت آذانها تجاه  قرارات محكمة العدل العليا الخاصة بالإفراج عن معتقلين سياسيين، وتمادت في تجاهل الأحكام الصادرة عن أعلى هيئة قضائية في فلسطين، وفي أحسن الأحوال أرجأت التنفيذ لفترات طويلة. ففي العام 1999 وحده، أنهت محكمة العدل العليا النظر في (19) قضية قدمت إليها على خلفية الاعتقال السياسي، صدرت قرارات تقضي بالافراج عن ما مجموعه (52) معتقل سياسي في من هذه القضايا، تم إطلاق سراح (3) منهم فقط .

وكذلك مرغت السلطة التنفيذية أنف القضاء في التراب حينما تدخلت في شؤونه  على نحو مهين. ففي آب 1997، أمرت محكمة العدل العليا،برئاسة القاضي أمين عبد السلام، بالإفراج عن 10 طلاب من جامعة بير زيت، على أساس أنهم احتجزوا دون سند قانوني. وبعد صدور قرار المحكمة بوقت قصير، أحال وزير العدل فريح أبومدين، القاضي أمين عبد السلام إلى التقاعد.    

لهذا وغيره، لا يعول المعتقلون وذووهم على اللجوء للمحاكم والقانون للطعن في مشروعية الاعتقال السياسي. ويستعيضون عن ذلك، بالاتصال بأصحاب النفوذ السياسي للتوسط لدى الأجهزة الامنية بصورة غير رسمية لضمان الافراج عن ابنائهم المعتقلين. كما ذاع في قاموس الاعتقال السياسي ما يعرف بـ "المناشدة" أو الاسترحام، وهي عبارة عن رسالة يكتبها أهالي المعتقلين للرئيس عرفات و/أو لقادة الأجهزة الأمنية، وغالباً ما تنشر في أماكن بارزة من الصحف المحلية، تطلب منهم - بعد كيل المديح وتقديم الاعتذار- التدخل للإفراج عن أبنائهم المعتقلين.

 

الآثار الاجتماعية والنفسية للاعتقال التعسفي:

مثل هذه المحاولات وغيرها لم تجد نفعا، وفي أغلب الأحيان ذهبت أدراج الريح... فالمعتقل أكرم صبري من مدينة قلقيلية، والموقوف لدى "القوة 17" منذ العام 1995، قام بتسليم نفسه إلى مقر الارتباط الإسرائيلي، وذلك بعد أن فقد الأمل بإطلاق سراحه من سجون السلطة. وفي رسالة موجهة إلى أهله، يقول أكرم عن دوافع تصرفه: "في لحظة خيبة أمل انتابتني فجأة وبعدما طرقتم معظم الأبواب وسلكتم كل السبل وأنا بدوري أضربت عن الطعام عدة مرات في عدة سجون من سجون للسلطة، وكل ذلك دون جدوى". ويشار إلى أن اعتقال السيد صبري كان على خلفية اتهامه من قبل السلطات الإسرائيلية بالاشتراك في عملية إطلاق النار على مستوطن، وهو ما ينفيه بشدة.

آخرون، ممن لم يحالفهم حظ أكرم، لا زالوا يعانون من أمراض نفسية عديدة نتجت عن التعذيب وعن الشعور بالقهر والظلم الفادح... المواطن بشير حسني الظاهر من مدينة نابلس يعاني من مشاكل نفسية وعصبية جراء اعتقاله ما بين 7-9 مرات على يد الأجهزة الأمنية الفلسطينية. وفي حزيران 1998، احتجز في سجن جنيد لعشرة أيام، وحين أطلق سراحه كان عاجزاً عن النطق. وفي آخر اعتقال تعرض له، أضرب عن الطعام لمدة يومين، وتم نقله إلى مستشفى الأمراض النفسية في بيت جالا  بعد أن ساءت حالته الصحية ودهورت. ولدى زيارته من قبل أهله، أخذ يهلوس ويبكي ويصرخ  بكلمات غير مفهومة ،كما أنه لم يعد يعرف بعض أقربائه المقربين. و يفيد أهله بأنه كان يردد عبارات تشير إلى أنه يعيش حالة رعب من الأجهزة الأمنية الفلسطينية. فكان يذكر باستمرار اسمي جهاز الأمن الوقائي والمخابرات العامة!!.

اياد محمد رفاعي صلاح، يبلغ من العمر (25 عاماً)، تسبب اعتقاله المتواصل في سجون السلطة الفلسطينية لأكثر من أربعة أعوام "انسان متوتر ومتهيج ...، وهو يعاني من أفكار وهواجس اضطهادية، شكاك بمن حوله، قليل النوم، مضطرب في التفكير وكلامه غيرمنسق ... انعزالي، انطوائي، يتمتم لوحده و يضحك لوحده". (عن تقرير طبي يصف حالة المعتقل اياد). وأيضاً المعتقل هشام محمد علي الكحلوت (23عاماً) الذي واجه المصير ذاته ووجد نفسه، بعيد اعتقال سياسي مستمر منذ نيسان 1996، "ضيفا" على مستشفى الطب النفسي في حي النصر بمدينة غزة!!.

 

بالإضافة إلى الإسقاطات النفسية التي يتركها الإعتقال السياسي على المعتقل وأهله، فإن الجبهة الاجتماعية لا تبدو أقل تخريباً ودماراً. إذ أن غالبية المعتقلين يعيلون عائلات كبيرة واعتقالهم يؤدي إلى فقدان مصدر الرزق، خاصة وأن المعتقلين السياسيين في سجون السلطة لا يتقاضون معونات ومخصصات من وزارة الشؤون الاجتماعية كما هو الحال بالنسبة للأسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية. ومما زاد الطين بلة، قيام ديوان الموظفين أيضا عمل عاى تجميد رواتب بعض المعتقلين السياسيين الذين يعملون في مؤسسات ووزارات السلطة.

حسين علي أبو زنيد، مواطن يبلغ من العمر (70عاماً) وزوجته تصغره بعشر سنوات. يسكن مع أبنائه الستة وعائلاتهم في دورا/الخليل، حيث ما يزال اثنان منهم معتقلين لدى السلطات الإسرائيلية. في 1/10/1999، داهمت قوة من الأمن الوقائي بيت عائلة أبو زنيد، وقامت بتفتيشه بصورة دقيقة وقلب محتوياته رأساً على عقب. ولمفاجأة الأب حسين، اعتقلت القوة المداهمة اثنين آخرين من أبنائه: نايف أبو زنيد (28عاماً)، عامل ،متزوج وله خمسة أولاد. إبراهيم أبو زنيد (25عاماً)، عامل وأعزب. وكلاهما موجود الآن في سجن الظاهرية/زنازين التحقيق. وقد تحدث الأب بمرارة بالغة عن الوضع الذي آلت إليه العائلة بعد اقتسام السلطة الفلسطينية مع الاحتلال الإسرائيلي لثلثي أبنائه الستة. حيث أصبحت زوجاتهم وأبنائهم عالة على كاهل الجد الذي لا يقوى على خدمة نفسه. وقد وصلت بهم الحال حد الكفاف حيث لا يجدون في البيت حتى رغيف خبز يقتاتونه.

 

فئات المعتقلين السياسيين:

منذ العام 1994، احتجزت السلطة الفلسطينية ما يزيد عن 4000 شخص لأسباب سياسية، ما يزال حوالي 2500 منهم رهن الاعتقال على ذمة الأجهزة الأمنية المختلفة. وتتراوح أسباب التوقيف من معتقل لآخر، وتبعاً لذلك تختلف مسمياتهم.

 

السجناء السياسيون: وهم محتجزون للاشتباه في انتمائهم أو تعاطفهم مع جماعات إسلامية أو يسارية تعارض عملية السلام مع إسرائيل. ويعاني السجناء السياسين من الاعتقال المتواصل بدون محاكمة، وجميعهم تقريباً من المشتبه في تأييدهم للجماعتين الإسلاميتين: "حركة المقاومة الإسلامية" ومنظمة "الجهاد الإسلامي". وعادة ما يصار إلى اعتقالهم ضمن حملات واسعة وكبيرة تشنها الأجهزة الأمنية المختلفة عقب أحداث سياسية مهمة تشهدها المنطقة.

وقد استطاعت "المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان" توثيق  خمس حملات اعتقال على الأقل منذ قدوم السلطة في العام 1994. فبعيد تسلمها للمناطق الخاضعة لنفوذها، افتتحت أجهزة الأمن الفلسطينية ماراثون الاعتقال السياسي، وأقدمت على توقيف ما يقارب 800 شخص، أفرجت عن معظمهم بعد أيام وبقي قليل منهم لمدة وصلت لأكثر من 50 يوما. وفي نهاية شباط 1996، اقتيد إلى الأسر حوالي 1200 شخص يشتبه بعضويتهم في تنظيمات إسلامية، في أكبر موجة من الإعتقالات تشهدها الضفة الغربية وقطاع غزة منذ زوال الاحتلال. وأمضى كثيرون منهم أسابيع رهن الاعتقال في عزلة عن العالم الخارجي،كما تفشى تعذيب المعتقلين.

وفي إطار حادثة مقتل محيي الدين الشريف، أحد القادة البارزين ل "كتائب عز الدين القسام" الجناح العسكري لحركة حماس عام 1998، اعتقل في رام الله نحو 40 شخصاً، زعم أنهم على صلة بواقعة الاغتيال. وشهد العام1999، موجتين من الاعتقالات: في كانون الثاني/يناير وآب/أغسطس على التوالي. وفي الحملة الأخيرة لوحدها، والتي أعقبت التوقيع على اتفاقية شرم الشيخ (واي المعدلة)، جرى توقيف(47) مواطناً. ويتم التحقيق مع المعتقلين في الحملات الكبيرة حول علاقتهم بالتنظيمات السياسية دون أن يكون هنالك قانون يحظر الانتماء لهذه التنظيمات الفلسطينية.

سجناء الرأي: كما طال أسلوب الاعتقال السياسي، كل من وجه انتقادات للسلطة الفلسطينية، بما في ذلك الصحافيون والناشطون في مجال حقوق الإنسان، وهذه الاعتقالات تحظى بقدر كبير من الاهتمام الدولي والإعلامي، وتواجه سخطا جماهيريا واسع النطاق، مما يعجل في إطلاق سراحهم في غضون أيام أو بضعة أسابيع. وهذا لا ينفي وجود موقوفين مضى على اعتقالهم سنوات عدة، مثل د. عبد العزيز الرنتيسي من قطاع غزة. وهو معتقل في سجن السرايا في غزة منذ9/4/98 على خلفية تصريح صحفي لجريدة "الجيروسالم بوست".

وفي نهاية تشرين ثاني من العام 1999، أصدر جهازي المخابرات العامة ومباحث أمن الدولة (الشرطة) أوامر اعتقال بحق تسع شخصيات فلسطينية من الوسط الأكاديمي في الضفة الغربية، اعتبرت مسؤولة عن كتابة وتعميم بيان جماهيري يتهم السيد عرفات بالتغاضي عن الفساد المستشري في أواسط السلطة الفلسطينية وتشجيعه، وينتقد أداء الجهاز التنفيذي في إدارة الشؤون الداخلية والمفاوضات على حد سواء.

 

السجناء الأمنيون: وهم الأشخاص الذين تحتجزهم السلطة الفلسطينية في سجونها خلافاً لمقتضيات القانون وأحكامه، بشبهة التعاون والعمالة لإسرائيل.

وبموجب الاتفاقيات المعقودة بين الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني،فانه لا يسمح بتقديم المشتبه بتورطهم بأنشطة تجسسية لصالح السلطات الاسرائيلية إلى القضاء الفلسطيني و/أو معاقبتهم. ولذلك يتردد في الأوساط الأمنية الفلسطينية بأنهم "موقوفون مدى الحياة".

ويحاط موضوع السجناء الأمنيين بسرية، وتكتم شديدين. فغالبيتهم موقوفون لدى الاستخبارات العسكرية، التي يرأسها اللواء موسى عرفات، ولا يسمح لمنظمات حقوق الإنسان بزيارة المعتقلات التابعة للجهاز المذكور، والتي ينظر إليها من قبل الفلسطينيين بنوع من الرهبة، لما يتناقله المعتقلون عن أوضاعها المأساوية وعزلتها التامة عن العالم.    

ولذلك، فان أية جهة لا تملك معلومات دقيقة عن عدد السجناء الأمنيين الفعلي. وقد ورد في تقرير لمنظمة العفو الدولية (أمنستي) مؤخراً، أن هنالك ما لا يقل عن 250 سجينا أمنيا محتجزون بدون تهمة أو محاكمة لما يزيد عن عام.

ويلقى معظم السجناء الأمنيين معاملة سيئة ويتعرضون بشكل مبرمج للتعذيب، حيث يحتجزون في عزلة عن العالم الخارجي دون السماح لهم بالاتصال بذويهم أو محاميهم.

وتشعر "المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الانسان" بقلق متزايد إزاء الطريقة التي تنتهجها السلطة الفلسطينية حيال شبهة العمالة. إذ أن اتفاقيات التسوية المرحلية أخرجت تهمة "العمالة" من نطاق الأفعال التي يسمح للقانون الفلسطيني بتجريمها، مما يجعلها مصطلحا انشائيا فظفاظا بدون توصيف قانوني محدد يضبط أركانها والحالات التي تنطبق عليها. وهذا أفسح المجال أمام السلطة الفلسطينية لتستخدم وصمة التعاون مع اسرائيل في كثير من الأحيان  لتلطيخ سمعة بعض المعارضين السياسيي. وفي مرات عديدة ، جرى استخدام هذة التهمة من قبل أفراد يعملون في الأجهزة الأمنية على هامش تسديد حسابات وخلافات شخصية. ومن ثم صار أولئك الذين اعتقلوا بزعم التعاون مع اسرائيل يواجهون اتهاماً يحط من شأنهم، بينما يحرمون من أية وسيلة للرد على هذا الإتهام والدفاع عن أنفسهم .

 

مقاومة الاعتقال السياسي:

في 22/1/1999 أفرجت السلطة الفلسطينية عن (38) معتقلاً سياسياً أمضوا فترات متفاوتة داخل السجون تراوحت ما بين الشهرين والثلاث سنوات. إلا أن هذا الإجراء لم يتناسب مع حجم المطالب المطروحة، وبدا وكأنه مجرد ذر للرماد في العيون!!.

فرغم الوعود الكثيرة التي تقدمت بها شخصيات مسؤولة ملف الاعتقال السياسي والى الابد، ورغم الأضرار التي لحقت بشرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني جراء احتجاز مواطنين لفترات طويلة ومتعاقبة دون سند قانوني، ما تزال السلطة التنفيذية تتعامل باستهتار مفزع وعقلية متعالية مع هذا الملف الخطير،  وسياستها الرسمية في هذا المجال تنكر أي وجود فعلي للمعتقلين السياسيين، وتنظر إليهم على أساس أنهم متورطون في مخالفات قانونية تمس المصالح الفلسطينية العليا!!.

على هذه الأرضية، أصبح الحوار في هذه القضية ما بين القطاعات الفلسطينية المناهضة للاعتقال السياسي (كالمجلس التشريعي،منظمات حقوق الإنسان،المعتقلين وأهاليهم ..) من جهة، والسلطة التنفيذية من جهة أخرى، بمثابة حوار طرشان. تعمدت فيه الأخيرة التضليل والمراوغة والتسويف، مما حدا بالمعتقلين وأهاليهم إلى الأخذ بزمام المبادرة والقيام بعدة إجراءات احتجاجية.

سجن جنيد: يستخدم معسكر جنيد في ضواحي نابلس الغربية كمقر لعدة أجهزة أمنية فلسطينية، منها جهاز أمن الرئاسة (قوة 17)، الإرتباط العسكري وشرطة البحرية. يذكر أنه حتى رحيل الاحتلال الإسرائيلي عن المدينة(كانون الثاني 96)، اعتبر هذا السجن رمزاً يغيضاً للقمع، إذ كان السجن المركزي وقبع فيه حوالي (800) أسير فلسطيني. ومع تسليم المنطقة للسلطة الفلسطينية، تم استخدام المعسكر كموقع للأجهزة الأمنية. ثم جرى استخدامه في الثامن من أيلول 1997 كمعتقل سياسي للعشرات من نشيطي المعارضة.

ويوجد فيه قسمان (4،5) وهما مخصصان لاحتجاز المعارضين السياسيين، حيث يشمل قسم(5) حوالي 46 معتقلاً وقسم (4) 21 معتقلاً، وكما أن هنالك قسماً للزنازين والتحقيق. ويعتبر سجن جنيد أهم سجون السلطة الفلسطينية وأكبرها في الضفة الغربية، وغالباً ما تنطلق منه موجات الاحتجاج والتحركات المعادية للاعتقال السياسي. 

لقد شهد العام 1999، أطول إضراب عن الطعام يخوضه المعتقلون السياسيون في سجون السلطة الفلسطينية من أجل إطلاق سراحهم. ففي 24/1/1999، أعلن (48) معتقلاً سياسياً في سجن جنيد بالإضافة إلى عدد من المعتقلين في سجن أريحا المركزي إضراباً عن الطعام استمر لمدة (36 يوماً). حيث تم انهائه في 28/2/1999 إثر توصل السجناء السياسيين إلى تفاهم مع السلطة الفلسطينية يقضي باطلاق سراح كافة المعتقلين ممن لم تثبت بحقهم أية مخالفات أمنية و تقديم المخالفين منهم للقضاء.

 وسرعان ما تنصلت السلطة الفلسطينية من هذا التفاهم وضربت به عرض الحائط. ومما دفع بعض أهالي المعتقلين في 28/3/1999، أثناء زيارتهم لذويهم المعتقلين في سجن جنيد عشية العيد الأضحى، إلى الاعتصام داخل السجن ورفضوا الخروج دون أبنائهم. وقد توترت الأمور في السجن إلى حد كبير، مما اضطر إدارة السجن إلى اجراء حوار مع رئيس السلطة والأجهزة الأمنية، حيث تقرر الإفراج عن تسعة معتقلين. كما وافرج عن (11) معتقلاً آخرين في اليوم الأخير من العيد في 31/3/1999. تم اعتقال ستة منهم بعد أيام معدودة، ليصبح عدد المفرج عنهم من سجن جنيد هذا العام (10) أشخاص فقط!!.

وفي 14/6/1999، بدت الأوضاع في هذا السجن مرشحة للتأزم والانفجار، فقد امتنع المعتقلون عن الزيارة، أعقبه اضراب تحذيري عن الطعام لمدة يوم واحد احتجاجاُ على عدم الالتزام بالاتفاق المذكور.

وفي23/6/99 ساد السجن توتراً شديداً بعد أن وردت معلومات تفيد بأن الإدارة تنوي القيام بنقل المعتقلين السياسيين إلى أماكن اعتقال أخرى متفرقة رغماً عنهم بهدف احباط أية خطوة احتجاجية مقبلة، مما أدى إلى تذمر واسع في صفوف المعتقلين وأهاليهم. وفور تسرب المعلومات عن قرار النقل، تجمهر أهالي المعتقلين في مساء نفس اليوم أمام السجن وبدأوا بالاحتجاج أمام المدخل واستمر الاعتصام حتى منتصف الليل.

في 5/7/1999 وأثناء زيارة المعتقلين من قبل ذويهم، أقدم أفراد من (قوة 17) على استخدام القوة المفرطة والمبالغ فيها من خلال اطلاق النار وتهديد حياة المعتقلين وعائلاتهم. ووقع الحادث عندما قام أحد الحراس بالتضييق على الأهالي واخضاعهم لتفتيش شخصي دقيق. فبما أن بعضاُ من أقارب السجناء منع من الزيارة. وبعد ذلك بقليل، أخذ نفس الجندي يكيل الشتائم تجاه عدد من أهالي المعتقلين ووجه لهم تهمة العمالة مع اسرائيل. في تلك اللحظة، احتج السجناء على المعاملة القاسية التي يحظون بها وأهاليهم . ورد رجال الأمن بإطلاق العيارات النارية في الهواء وهددوا الأهالي والمعتقلين. وقد ساد جو من الرعب والارتباك لدى الأهالي وفقدت أم المعتقل عمر منصور الوعي، ليتم تقديم الإسعافات الأولية لها داخل السجن. وحينها تقدم الجندي الذي افتعل المشاكل من البداية، ووضع بندقيته في صدر أحد السجناء مهدداً إياه، وأدى ذلك إلى استفزاز مشاعر المعتقلين وفقدانهم للسيطرة على أعصابهم وقفزوا عن الأسوار الداخلية الشائكة واشتبكوا بالأيدي مع الجنود الذين استمروا باطلاق الرصاص الكثيف في الهواء لتفريق وضبط المعتقلين.

في6/7/99 جهاز الاستخبارات العسكرية يستخدم القوة المفرطة لفض تظاهرة سلمية تم تنظيمها في نابلس من قبل أهالي المعتقلين السياسيين في سجن جنيد للاحتجاج على الطريقة التي تم التعامل بها مع أبنائهم من قبل إدارة السجن.

(لمزيد من التفاصيل انظر القسم المتعلق بحرية الرأي والتعبير).     

في 8/7/1999 ولأول مرة في سلسلة الاجراءات المناوئة للاعتقال السياسي، يتجمهر ذوو المعتقلين أمام بوابة السجن ويطالبون السلطة الفلسطينية -في اعتصام استمر حتى الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل – بتسليم أبنائهم المعتقلين إلى سلطة السجون الإسرائيلية.

 سجون أخرى:

 7/1/1999: أعلن الأسرى في سجن جنين اضراباً تحذيرياً عن الطعام ليوم واحد احتجاجاً على استمرار اعتقالهم.

10/1/1999: أعلن المعتقل منير عبد المجيد الحروب والمعتقل هشام الشرباتي الاضراب عن الطعام احتجاجاً على استمرار اعتقالهما بدون تهمة أو محاكمة في سجن أريحا العسكري وللمطالبة بنقلهما إلى مدينة الخليل. وفي نهاية الاضراب الذي استمر (75) يوماً، كانا غير قادرين على الوقوف لأداء الصلاة ويجب حملانهم لتقضيةحاجاتهم الرئيسية.

4/2/1999: أعلن المعتقل محمد فهمي أبو بكر(22عاماً) المعتقل في سجن جنين، الاضراب المفتوح عن الطعام احتجاجا على اعتقاله بدون توجيه لائحة اتهام، خاصة وأنه من المحسوبين على حركة "فتح" ولم يكن في يوم من الأيام في صفوف المعارضة.

1/3/1999: أعلن د. عبد العزيز الرنتيسي المعتقل في سجن السرايا في غزة اضراباً مفتوحاً عن الطعام بعد أن قامت إدارة السجن بوضع سجناء جنائيين داخل الغرفة المعتقل فيها. وكانت إدارة السجن قد ساومت عائلته على السماح لها بالزيارة مقابل التكتم على إعلان د. الرنتيسي الاضراب عن الطعام داخل السجن. يشار إلى أن السيد الرنتيسي لا يزال رهن الاعتقال رغم صدور قرار بالافراج في 4/6/1999 من قبل محكمة العدل العليا.

25/3/1999: أعلن ثلاثة معتقلين: أنور حمدان، إياد حردان وخالد زكارنة في سجن أريحا المركزي اضراباً مفتوحاً عن الطعام احتجاجاً على استمرار اعتقالهم منذ أكثر من أربعة أشهر دون توجيه تهمة لهم أو احالتهم للمحاكمة.

24/4/1999: تظاهر مائة شخص أمام السجن المركزي في أريحا مطالبين بالإفراج عن معتقلين من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين هما: يوسف وشاهر الراعي، من مدينة قلقيلية، حكم عليهما بالسجن ستة أعوام ونصف العام في أيلول 1995 من قبل محكمة أمن الدولة بتهمة التحريض على أعمال الشغب. وكانت اسرائيل قد اتهمت الرجلين بالمشاركة في قتل اسرائيليين اثنين طعناً بالسكين في منطقة أريحا. وقد تبين لاحقاً عدم صلتهما بحادثة القتل المشار إليها، بعد أن أفرجت اسرائيل عن مشتبه فيه ثالث في نفس القضية.

 

ظروف الاعتقال :

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في التاسع من كانون أول 1988 "مجموعة المبادىء المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن". وهي تمثل المعايير الدولية المنظمة لحقوق الأفراد الخاضعين للقبض والاحتجاز ،بما فيها الظروف التي ينبغي توفيرها أثناء الاعتقال. وقد تمثلت انتهاكات السلطة الفلسطينية على هذا الصعيد في ما يلي:

أماكن الاعتقال:

لا يمكن تحديد مكان الاعتقال منذ بدايته إلا فيما ندر. وغالباً ما يتم ذلك خارج الإطار الرسمي، بحيث تتحقق المعرفة عن طريق الواسطة أو من قبل أحد المعتقلين المفرج عنهم. إذ لا توجد سلطة مختصة تتولى مسؤولية إخطار أسر الموقوفين بمكان احتجازهم. وتتضح المعاناة أكثر إذا علمنا أن جميع الأجهزة الأمنية بفروعها المختلفة تتولى الإعتقال، ولكل جهاز أمن مركز توقيف خاص به. ولعدم اتباع إجراءات محددة عند اعتقال الأفراد، فانه يتم أحياناً إنكار وجود معتقل معين من قبل حراس السجن!!.

 

غرف الحجز:

إن جميع من يحقق معهم يتم احتجازهم في غرف لا تزيد مساحة الواحدة منها عن مترين مربعين. وفي بعض الأحيان، "كما في سجن الظاهرية في الخليل"، تكون مساحة الغرفة أقل من ذلك. وهي بالعادة ينقصها التهوية وقد يحشر فيها أكثر من شخص واحد!!.

الاتصال مع العالم الخارجي:

لا توجد تعليمات محددة تسمح بإدخال أجهزة التلفزيون والراديو والمواد المطبوعة إلى المعتقلين. وكثير من السجناء محرومون من الاطلاع على أية معلومات من خارج السجن. كما أنه لا توجد خدمة بريدية منتظمة من وإلى السجون. ويبدو أن لمديري السجون سلطة تقديرية في تحديد المواد المسموح بدخولها إلى مؤسساتهم.

 

زيارات من قبل المحامين وأفراد الأسرة:

إن الجهة المسؤولة عن السماح للمحامي بزيارة المعتقلين غير معروفة، ولكن عادة ما تحتاج هذه الزيارة الى تصريح من المدعي العام، وهو بالغالب غير معترف به من قبل الأجهزة الأمنية .كما انه ليس هنالك نظام محدد يمكن الحديث عنه بخصوص زيارة المعتقلين السياسيين من قبل ذويهم. فقد يسمح لمعتقل بزيارة أهله بعد أسبوع من اعتقاله وآخر قد لا يرى أهله إلا عند الإفراج عنه وبعد مرور أشهر عدة!.

العلاج الطبي:

لا يعرض السجناء على طبيب عند ادخالهم إلى المعتقل إلا في حالات قليلة، كما أنه غالباً لا يوجد أطباء يقومون بزيارات منتظمة للمعتقلين. والعائلات هي التي تزود أبنائها بالدواء حيث تخلو مراكز الاعتقال من الادوية، وتعاني هذه المراكز من نقص واضح في العيادات المتخصصة. ولا يوجد سجل طبي يوثق مرض السجين والعلاج الذي أعطي له، ليلازمه عند نقله من سجن لآخر أو الى المستشفى. مما يشكل خطورة حقيقية على صحة المعتقلين، خاصة وأن بعضاً منهم من كبار السن ممن يعانون من أمراض مزمنة مثل السكري، القلب، الكلى..كما أن عدداً آخر من المعتقلين يعانون من أمراض طارئة، وتتباطأ إدارات السجون في تقديم العلاج الضروري، وهنالك حالة وفاة واحدة على الأقل في العام 1999نتجت عن التقاعس في تقديم العلاج الطبي في الوقت المناسب.

 

الطعام والملابس والنظافة الشخصية:

إن نوعية وكمية الطعام في بعض المعتقلات سيئة ولا تفي باحتياجات المعتقلين، ويسمح للأهالي بإحضار الطعام لأبنائهم أثناء الزيارات. وفي بعض الأحيان يسمح للسجين بالذهاب الى محل تجاري لشراء طعام له وللآخرين. أما الملابس، فلا يتم توفيرها من قبل إدارة السجن، ولذلك فالأهل هم الذين يجلبون اللباس لأبنائهم. وبالتالي، فان السجناء المحرومين من الزيارات ملزمون بارتداء نفس الملابس لفترة طويلة. ومن جانب آخر، لا تهيىء إدارة السجن الظروف المناسبة التي تمكن المعتقلين من المحافظه على النظافة الشخصية. ففي بعض الحالات يفتقر السجين إلى المواد الضرورية للنظافة. ويشار إلى أن ما تقدم لا ينسحب على كافة مراكز الاعتقال، فالسجون المركزية في معظم الأحيان لا يشملها التعميم المتعلق بالطعام و النظافة الشخصية. فضلاً عن أن حرمان المعتقل من مستوى لائق في هاتين القضيتين غالباً ما يكون في إطار الضغط الممارس عليه أثناء التحقيق للادلاء باعترافات. ولدى "المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان" علم بحالات تم تقدم فيها الشعير و( رحم البقر ) كوجبة غذاء. كذلك حرم العديد من المعتقلين من الاستحمام لفترات طويلة، وفرض عليهم في بعض الأحيان قضاء حاجتهم على أنفسهم!.  

التعذيب:

تمارس كافة أجهزة الأمن الفلسطينية-أثناء التحقيق- أنواعاً مختلفة ومتعددة من ضروب التعذيب بحق المعتقلين السياسيين بهدف انتزاع الاعترافات. وفي العام 1999، توفي شخص واحد على الأقل نتيجة التعذيب في سجون السلطة. كما ويتعرض الموقوفون لمعاملة قاسية وحاطة بالكرامة من قبل المحققين والسجانين على حد سواء. ونظراً لما يشكله هذا الموضوع من أهمية استثنائية فقد تم تناوله بشكل موسع في تقرير منفصل .    

سحب الامتيازات من المعتقلين:

في أعقاب الصدامات التي شهدها سجن جنيد في شهر تموز سنة 1999، تردت أوضاع المعتقلين في سجون السلطة الفلسطينية، وتراجعت الظروف الاعتقالية إلى حد كبير. ومن الممكن تسجيل هذا التراجع في ست نقاط

1. الحرمان من إدخال المطبوعات عن طريق الأهالي مثل الكتب والمجلات والصحف.

2. تقليص ساعات "الفورة" في الساحة الخارجية للمعتقل.

3. حرمان المعتقلين من ممارسة الرياضة في الساحات الخارجية.

4. منع الزيارات نهائياً أو التهديد بمنعها.

5. عزل المعتقلين عن بعضهم البعض وزج آخرين في الزنازين.

6. مصادرة أجهزة الراديو الخاصة بالمعتقلين.

 

عقوبات جماعية:

توصلت الأجهزة الامنية الفلسطينية إلى اسلوب مبتكر في كيفية مضاعفتها لانتهاك حقوق الانسان في الأراضي الفلسطينية وذلك عن طريق استخدام الاعتقال السياسي كعقوبة جماعية تستهدف جميع أفراد العائلة في بعض الأحيان.

الطفل بلال الغول، يبلغ من العمر (15 عاماً)، وهو طالب في الصف الثالث إعدادي، كان هو وعائلته ضحايا للاعتقال السياسي في السجون الفلسطينية. فعلى إثر فرار والده يحيى الغول (38عاماً)من سجن السرايا في غزة في11/12/1999 ،اعتقل جهاز المخابرات العامة والدته "وفاء" في نفس اليوم، ولم يطلق سراحها إلا في اليوم التالي بعد أن توسطت عائلتها لدى جهاز المخابرات بشرط أن تبقى في بيت والدها. ولم يسمح لها بالعودة إلى منزلها وأبنائها الثمانية إلا بعد اسبوع!!.

وفرضت المخابرات العامة الاعتقال البيتي على جميع أفراد الأسرة لما يزيد عن عشرين يوماً ولم يسمح إلا لابنها البالغ من العمر (11)عاماً بالخروج لشراء الحاجيات للمنزل. وفي 12 كانون ثاني 1998 استدعت المخابرات عدة أفراد من عائلة الغول، واعتقلت ستة منهمن، أطلق سراح ثلاثة بعد عشرة أيام.

  وأخيراً، جاء دور الطفل بلال.حيث قامت قوة مشتركة من الأجهزة الأمنية(المخابرات العامة، الشرطة، الأمن الوقائي) يقارب عددهم (75) فرداً بمداهمة منزل العائلة وأجرت تفتيشاً دقيقاً اقتلعوا خلاله بلاط غرفة الأب يحيى، واستجوبوا الأم وفاء والابن بلال. ثم عادت قوة من المخابرات مكونة من (8) أفراد، و اعتقلت بلال من منزله في 12 شباط 1999، أي بعد شهرين من فرار والده.

بقي بلال رهن التوقيف لمدة عشرين يوماً، تعرض خلالها للضرب ولضغوط نفسية، واحتجز مع معتقلين بالغين وحرم من لقاء محام، كما أن النيابة لم تحقق معه!.

 

الاعتقالات على مذبح الاتفاقات السلمية!!

في 5/2/1999 وعقب صلاة الجمعة،انطلقت مسيرة جماهيرية حاشدة،شارك فيها أكثر من 1500 شخص من أمام جامع النصر في البلدة القديمة في نابلس متجهة نحو مقر المحافظة معبرة عن تأييدها وتضامنها مع المعتقلين السياسيين المضربين عن الطعام في سجني جنيد وأريحا. وقد حاولت الشرطة منع المسيرة من التقدم باقامة حواجز بشرية من الشرطة، مما أدى إلى مواجهات مع جموع المتظاهرين الذين رشقوا الشرطة بوابل من الحجارة والزجاجات الفارغة. وتقدمت المسيرة متخطية الحواجز البشرية ومتحدية المطر الشديد، وهتف المشاركون بشعارات تدعو للافراج الفوري عن المعتقلين السياسيين. وكذلك هتفوا ضد التنسيق الأمني الثلاثي الفلسطيني –الأمريكي- الإسرائيلي .

مما لا شك فيه، أن انتشار ظاهرة الاعتقال السياسي في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية أمر مرتبط بصورة وثيقة بالضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية

وإسرائيل من أجل القبض على أشخاص ضالعين في أنشطة "الإرهاب". وترى اسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية أن أكبر خطر يهدد عملية السلام هو "الارهاب"، أي الهجمات التي تشنها حركتا حماس و"الجهاد الاسلامي" وغيرهما من الجماعات المسلحة على أهداف اسرائيلية. وكثيراً ما ردد المسؤولون الحكوميون الإسرائيليون تصريحات مفادها أن السبيل الوحيدلمنع "الارهاب" هو ألا تكتفي السلطة الفلسطينية بالقبض على "الارهابيين" بل أن تضمن بالمثل عدم الافراج عنهم، وهو ما حول المعارضين الفلسطينيين الى رهائن سياسيين.

ولم يقتصر دور السلطة الفلسطينية على الاستجابة لمثل هذه الضغوطات فحسب، بل انها عمدت في أحيان عديدة إلى الاستقواء على المواطن الفلسطيني والزج به الى غياهب السجون من أجل تقوية موقفها الدولي قبيل توقيع الاتفاقيات .

ففي الأول من نيسان نفذت حركة الجهاد الإسلامي عمليتيين انتحاريتيين بواسطة سيارات ملغومة بالمتفجرات استهدفت تجمعات اسرائيلية متفرقة بالقرب من مستوطنة "كفار دروم" و"نيتساريم". وقد أودت العمليتين بحياة منفذيها الفلسطينيين، إلا أنها لم توقع إصابات في صفوف اسرائيليين.

ورغم الفشل الذي منيت به العمليتين، وجدت السلطة الفلسطينية نفسها في موقف لاتحسد عليه. فرئيس الوزراء الاسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو كان يردد دوما أن السلطة لا تبذل جهداً كافياً في محاربة "الارهاب".

وقد سارعت الأجهزة الامنية الفلسطينية إلى القيام بحملة اعتقالات واسعة في صفوف المعارضة الاسلامية، وخاصة حركة الجهاد الاسلامي. المواطن ابراهيم اسماعيل حلبي، كان من بين من شملتهم الاعتقالات. وهو متزوج وأب لطفلين وهو يبلغ من العمر

 (27 عاماً) ويدرس في الجامعة الاسلامية. وعلم من زوجته، أن قوة من جهاز المخابرات العامة حضرت للسؤال عنه في بيته الكائن في حي الشجاعية في غزة، وعادت أدراجها لعدم تواجده في المكان.. في حوالي الساعة الحادية عشر ليلاً من نفس اليوم7/4/1997، قام بتسليم نفسه لمسؤولين من الجهاز في سجن السرايا، حيث ما يزال معتقلاُ حتى إعداد التقرير.

وخلال المرحلة الاولى من التوقيف،أخضع لتعذيب عنيف من قبل المحققين، تخلله ضرب بكوابل الكهرباء، الشبح بالمقلوب لفترات طويلة، خلع أظافر من اليد والارجل والخنق عن طريق تكميم الفم ووضع الرأس في وعاء مملوء بالماء. استمر التحقيق معه حتى 30/4/1997، حيث أصيب بحالة من الانهيار العصبي وأجبر على الاعتراف بالتخابر مع المخابرات الاسرائيلية والتخطيط معها لتنفيذ العمليتين السابق ذكرهما "بهدف الاضرار بموقف المفاوض الفلسطيني".

وفي 4/5/1997 كان التلفزيون الفلسطيني الرسمي يذيع "اعترافات" الحلبي، عبر مؤتمر صحفي أجبر على اجرائه، وقد بدا في نفسية سيئة جداً. وفيما بعد، تكشفت دلائل تشير الى تورط قيادات سياسية عليا في الاعداد والتدبير لمشهد الاعتراف المتلفز، والذي كان المواطن ابراهيم بطله وضحيته في آن واحد!!.

فعشية المؤتمر الصحفي المذكور، حضر إلى سجن غزة المركزي أمين عام الرئاسة الطيب عبد الرحيم وبصحبته حسن الكاشف المدير العام في وزارة الاعلام، وطلبا من الحلبي

– بالتهديد والترغيب- التحدث إلى وسائل الاعلام عن تعاونه المزعوم مع المخابرات الاسرائيلية. وقد وعده أمين عام الرئاسة بالافراج عنه خلال ستة أشهر إذا ما قام بذلك.

على أية حال، فقد ألقى جهاز الامن الوقائي في وقت لاحق القبض على الاشخاص الضالعين بالتخطيط للعملية المنسوبة إلى الحلبي، وهم أعضاء في الجهاز العسكري لحركة الجهاد الاسلامي. وقد اعترفوا بمسؤوليتهم عن العملية وعزوا فشلها إلى سوء في التنسيق بين قيادات الحركة في داخل وخارج فلسطين.

ويشار إلى أن الحلبي، الذي لم تصدر بحقه لائحة اتهام حتى الان، خاطب وأهله عبر عدة رسائل ومناشدات، الكثير من المسؤولين، من بينهم الرئيس عرفات، لشرح ظروف الاعتقال والتعذيب الذي رافق انتزاع الاعترافات الكاذبة، وللمطالبة بالتدخل للافراج عنه. ولكن دون جدوى.

إن "المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الانسان"، وهي تتابع مجريات اعتقال المواطن الحلبي، ترى بأن تواتر الاحداث وفقاً للمنحى الذي تتخذه حالياً، يشكل تهديداً جدياً على سلامة وحياة المعتقل المذكور. حيث تشير الحيثيات إلى خلل فادح في كيفية إدارة التحقيق في هذه القضية. إذ أن اجبار متهم على حضور مؤتمر صحفي والادلاء بافادة مغلوطة لا أساس لها من الصحة في إطار ضجة إعلامية غير مسبوقة، يضع جهاز المخابرات ومصداقيته في التحري وجمع المعلومات في مأزق حقيقي، ويرشح المواطن حلبي ليكون عبئا ثقيلاً على الجهاز يتعذر التعاطي معه ضمن قنوات القانون، ولذلك نرتأي ضرورة التحرك السريع من أجل توفير محاكمة عادلة ونزيهة وعلنية للحلبي، تتدارك الاخطار التي تتربص به إحقاقاً للعدل والقانون .


ثانياً: حرية المعتقد والرأي والتعبير

 

 بتاريخ 28/11/94، ولأربعة أيام لاحقة حظرت السلطة الوطنية الفلسطينية توزيع جريدة (القدس)، وهي الصحيفة اليومية الاوسع انتشارا داخل الضفة الغربية وقطاع غزة وصرح في حينها مدير الشرطة غازي الجبالي أن التأخير في التوزيع يعود لسوء الاحوال الجوية. وأضاف: (هؤلاء الصحافيون عملاء وظروف الطقس الصعبة قد تستمر لثمانية اشهر أخرى)‍‍‍.

بتاريخ 16/12/99 وأثناء اعتصام سلمي أمام مبنى سجن المخابرات العامة في أريحا للاحتجاج على أستمرار توقيف بعض السجناء السياسين، استدرج نائب المجلس التشريعي، عبد الجواد صالح، (68 عاماً) الى داخل المبنى، حيث تم الاعتداء عليه من قبل عناصر المخابرات بالضرب المبرح بالايدي والارجل وجلد بالسوط لأكثر من ربع ساعة، ثم القاء النائب عبد الجواد صالح بطريقة مهينة خارج باب السجن!.

حادثتان متباعدتان في السياق الزمني لكنهما ذات مدلول جيد بما يمثلانه من تعنت واستبداد يطال حرية الرأي والتعبير في مناطق الحكم الذاتي.  ولقد دأبت السلطة الفلسطينية ومنذ تسلمها صلاحيات الحاكم العسكري في عام 1994، على ارساء دعائم حكم قمعي يتولى مصادرة الرأي الآخر والحيلولة دون التعبير عنه.

وفي نية مبيته للاجهاز على قيم الحرية الديمقراطية التي كفلتها المدنية المتحضرة، جرى ويجري اعتقال الصحافيين ومصادرة معدات التصوير والافلام، وتمارس في بعض الحالات، ضغوطا جسدية بحق قطاعات تنتقد هذه الممارسات، في أستعراض مشين للعضلات، تحت سمع وبصر وزارة الاعلام، التي كان بمثابة "شاهد الزور" وفي ظل تغيب تام للقضاء. فأفلت حرية الصحافة وضاق هامش الحريات وشاع جو من الخوف لدى الناس ونما هاجس الرقابة الذاتية لديهم.

 

الضمانات القانونية لحرية التعبير:-

لقد شكلت هذه الاتتهاكات مساسا خطيرا بحقوق الانسان في الاراضي الفلسطينية وتجاوزا فاضحا لمبادىء القانون الدولي ذات الصلة ولأحكام قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني.

فقد نصت المادة التاسعة عشر من الاعلان العالمي لحقوق الانسان على أنه:-

"لكل انسان الحق في حرية الرأي والتعبير، ويتضمن هذا الحق حرية تبنى الرأي دون تدخل، وحرية البحث عن المعلومات والافكار والحصول عليها ونقلها من خلال أية وسيلة أعلام وبغض النظر عن الحدود".

ويؤكد الميثاق العالمي لحقوق الانسان في مادته التاسعة عشر على الحقوق الساسية والمدنية وعلى حق كل فرد في حرية الرأي والتعبير حيث ينص على أن:-

1. لكل أنسان الحق اعتناق آراء دون مضايقة.

2. لكل أنسان الحق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق  "حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والافكار وتلقيها ونقلها الى الآحرين دون ما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها... ."

كما عبرت المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان بوضوح عن أهمية حرية التعبير بالنسبة للديمقراطية في القرار (Hanady side case.7 December 1976)  "أن حرية التعبير عن الرأي هي احدى الأسس الجوهرية للمجتمع الديمقراطي، وأحد الشروط الاولية لتقدم ولنمو كل انسان... ولا تنطبق (هذه الحرية) فقط على المعلومات أو الافكار التي يتلقاها الناس بارتياح وتعتبر غير مؤذية أو غير ذات أهمية وانما (تنطبق) أيضا على ما قد يعتبر مؤذيا أو صداميا أو مزعجا بالنسبة للدولة أو لأية شريحة من المجتمع".

وفي المقابل، فقد أقرت التشريعات المحلية ـ في مجملهاـ حرية الرأي والتعبير. فقد نصت المادة التاسعة عشرة من القانون الاساسي للسلطة الفلسطينية على  أن (لا مساس بحرية الرأي، ولكل انسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو بالكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام القانون)  كما ورد في المادة الثانية من قانون المطبوعات والنشر رقم 5 لسنة 1955 الصادر عن السلطة الوطنية، (الصحافة والطباعة حريتان وحرية الرأي مكفولة لكل فلسطيني، وله أن يعرب عن رأيه قولا، كتابة، وتصويرا ورسما في وسائل التعبير والاعلام).

ونصت المادة الثالثة من ذات القانون على أن (تمارس الصحافة مهمتها بحرية في تقديم الاخبار والمعلومات والتعليقات وتسهم في نشر الفكر والثقافة والعلوم في حدود القانون وفي اطار الحفاظ على الحريات والحقوق والواجبات العامة واحترام حرية الحياة الخاصة للآخرين وحرمتها).

 

المرسوم الرئاسي حول التحريض:-

في 23 تشرين أول 1998، وقع الطرفان الاسرائيلي والفلسطيني اتفاقية (واي ريفر)، وقد تضمنت الاتفاقية التزاما من قبل الجانب الفلسطيني باصدار مرسوم يحظر كافة أشكال التحريض على العنف والاهاب.

ولاحقا في 19 تشرين ثاني 1998، أصدر السيد ياسر عرفات المرسوم الرئاسي الخاص بالتحريض وينص في حيثياته على أن (تعتبر الافعال التالية غير مشروعة في كافة المحافظات الفلسطينية).

التحريض على التمييز العنصري، وتشجييع أعمال العنف المخالفة للقوانين، أو توجيه الاهانات للديانات المختلفة، أو استعمال العنف أو التحريض على استعمال العنف الذي يضر بالعلاقت مع الدول الشقيقة والاجنبية، وتشكيل الجمعيات غير المشروعة التي تمارس أو تحرض على الجرائم وأفساد الحياة، وتهييج الجماهير للتغيير بالقوة غير المشروعة أو التحريض على الفتنة، أو التحريض على خرق الاتفاقيات التي عقدتها منظمة التحرير الفلسطينية مع دول شقيقة أو أجنبية.

ويلاحظ، أن المرسوم ينطوي على ايهام مغروض في عدم تناوله لتعريف "التحريض"، كما يفسح المجال أمام السلطة التنفيذية لاخضاعه لتقديراتها في كل حالة على حدا. وبالتالي استخدامه لقمع حرية الرأي والتعبير، وحرية الصحافة على وجه الخصوص في الوقت الذي تشاء.

لقد نجح هذا المرسوم في تحويل وسائل الاعلام الى منطقة محرمة على المعارضة السياسية. وباتت الصحافة اسطوانة مشروخة لوجهة النظر الرسمية وتصريحات المسؤولين. والا يتهددها مصير الاغلاق، ويكون مصير العاملين فيها السجن أو الحرمان من لقمة العيش!

 

تقييد الحق في التجمع السلمي والتظاهر:- 

تتيح ممارسة الحق في التجمع السلمي للأفراد فرصة للتعبير عن أرائهم والتداول في المواضيع السياسية، بغض النظر عن ماهية أو مضمون النقاش الجاري، وبذلك يكون هذا الحق مرادفا ولصيقا بحق التعبير عن الرأي ويتمتع بحماية قانونية مماثلة.

فالمادة (20) من الاعلان العالمي لحقوق الانسان كفلت (لكل شخص حق في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية).

كما أقرت المادة (26) من البند الخامس من القانون الاساسي للسلطة الفلسطينية حق ( عقد الاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات في حدود القانون)، ونص قانون الاجتماعات العامة الاردني رقم (60) لسنة 1953 على أنه (يجوز عقد الاجتماعات العامة على أن يعطى أشعار بذلك قبل 48 ساعة من عقد الاجتماع).

 

وفي انتهاك المواثيق حقوق الانسان الدولية والقوانين سارية المفعول في مناطق السلطة الفلسطينية، أصدر مدير عام الشرطة اللواء غازي الجبالي بتاريخ 9/9/1994 قرارين يقضي أحدهما بضرورة الحصول على اذن مسبق من الشرطة الفلسطينية لعقد الاجتماعات السياسية، والآخر بضرورة حصول شركة الباصات على اذن خطي مسبق من الشرطة الفلسطينية قبل قيامها بنقل أفراد ينتمون الى مجموعة سياسية.

 

اعتقال مواطنين لممارستهم الحق في التعبير عن الرأي

في 15/9/1999، اعتقل جهاز الامن الوقائي الصحافي ماهر الدسوقي بعد مداهمة مكتبه

(دار الثقافة العربي) الكائن في رام الله، وتم توقيفه بناء على أمر من المدعي العام العسكري لمدة خمسة عشر يوما.

وأتهم الدسوقي (38عاماً) الذي يقدم برنامجين أسبوعيا يبثان على الهواء في كل من تلفزيوني (النصر) و(القدس التربوي) يناقش من خلالها قضايا مجتمعية، بتهمة

(التحريض)، وجاء اعتقاله أثر تقديم برنامج حول المعتقلين في السجون الاسرائيلية، انتقدت خلاله والدة المعتقل، الرئيس عرفات بسبب عدم ايلائه قضية المعتقلين الاهتمام الكافي.

هذا وقد أفرج عنه بتاريخ 4/10/99 دون أن يقدم ضده لائحة اتهام أو يعرض على محكمة.

نفذت أجهزة الأمن الفلسطينية يومي  27و28/11/99 أوامر اعتقال وفرض الاقامة الجبرية بحق مجموعة في الشخصيات السياسية الاكاديمية الفلسطينية، وذلك على خلفية قيام عشرين شخصية سياسية بما فيهم أعضاء من المجلس التشريعي باصدار بيان سياسي ينتقد سياسات السلطة الفلسطيية ويحمل على الفساد المستشري في أراضيها (عرف فيما بعد باسم بيان العشرين).

لقد طالت حملة الاعتقالات تسع شخصيات وطنية، أثنان منهم لا يزالان رهن الاعتقال بتهمة (التحريض على اثارة الفتنة) وقد تم تحويلهما الى محكمة أمن الدولة.

 ولقد امتدت سلسلة الانتهاكات لتشمل حرية الرأي والتعبير داخل دور العبادة، ففي يوم الجمعة الموافق 5/11/99، ألقى الشيخ صبري أبو دياب من سلوان، (45عاماً) خطبة بعنوان "الأمل والألم" بمناسبة الاسراء والمعراج بناء على طلب من رواد المسجد (مسجد قرية حزما).

مساء يوم 7/11/99 تقدمت من الشيخ صبري مجموعة من الاشخاص عرفت فيما بعد بأنها من جهاز المخابرات الفلسطيني، وأجبر على القدوم للمقاطعة في رام الله فقط لمدة ربع ساعة للاجابة على بعض الاسئلة، والربع ساعة هذه استمرت لأكثر من عشرين يوما، بلا لائحة اتهام أو حتى محاكمة، مدعين بأنه تعرض في خطبته لشخص الرئيس عرفات.

 

كيف تقول  "لا" في سلطة  "نعم" ؟!. سياسية كتم الافواه ....

شهد عام 1999، تصعيداً خطراً من جانب السلطة الفلسطينية في موقفها المعادي لحرية التعبير، وذلك بترسيخ نهج اللجوء الى العنف والاعتداء الجسدي على المواطنين بسبب ابدائهم لآرائهم، كماحدث مع عضو المجلس التشريعي عبد الجواد صالح وآخرين، ففي 11/12/99  أقدم "مجهولون" بالاعتداء على الآنسة حنان المصو، نشيطة حقوق انسان، بقذفها بالحجارة مما أدى الى اصابتها في وجهها وفقدانها الوعي لعدة ساعات، وكان المعتدون قد هددوا حنان بالتوقيفها عن عملها ومغادرة البلاد برسالة ملفوفة بحجر. كما وتعرض د. معاوية المصري، عضو مجلس تشريعي  لاعتداء مسلح على خلفية توقيعه لبيان ينتقد فيه الفساد لدى السلطة الفلسطينية. ففي 1/12/99، وأثناء عودته الى بيته في نابلس، أصيب في قدمه اليسرى جراء اطلاق النار عليه من قبل ثلاثة مقنعين، يعتقد بأنهم يعملون لصالح احدى الاجهزة الامنية في المدينة.

وفي 14/4/99، أقدم ستة عناصر من جهاز الامن الوقائي على اختطاف وتعذيب المواطن زهير محمد فياض السويطي، (50عاماً)، من بيت حنينا، ويعمل مرشد ومدرس للفنون في وزارة المعارف، اثر قيامه برسم صورة لرئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق "رابين" وقت اغتياله، وتقديمها هدية لحزب ميرتس اليساري. حيث اقتيد الى مغادرة تقع على مشارف بلدة دورا، وألقي به فوق كوم من الاشواك، وانهال عليه الخاطفون بالضرب المبرح بالعصي والهراوات لمدة نصف ساعة، تخللها اطفاء أعقاب السجائر في انحاء متعددة من جسده، مما تسبب باحداث كسور في الصدر وكسر في الجمجمة وارتجاج بالدماغ، وكان الخاطفون أثناء التعذيب، يحاولون أجبار المواطن زهير بالاعتراف بالعمالة لاسرائيل بسبب رسمه المذكور، فقد أضحت سياسة تكميم الافواه وتغييب العقول نهجا يصلح استعماله في جميع الحالات وعلى جميع الاشخاص، اذا ما حاولوا التعبير عن غضبهم أو ازدرائهم أو حتى رأيهم بغض النظر عن المضمون أو طريقة التعبير، ليكن عبرة لمن يقول "لا" في سلطة "نعم".

 

في 6/7/99، أقدم جهاز الاستخبارات العسكرية على أستخدام القوة المفرطة لفض تظاهرة سلمية نظمها نسوة من أهالي المعتقلين في نابلس، وعقب أحداث توتر في سجن جنيد، حيث تم الاعتداء عليهن بالدفع و الضرب بالايدي وشوهدت الدماء تسيل من النساء وارتفعت أصواتهن بالصراخ والبكاء وجرح خمسة نساء وطفل واحد. وقام أحد عناصر الامن الفلسطيني بجر الصحفي جعفر اشتية ـ مصور وكالة الأنباء الفرنسية ـ والاعتداء عليه بالضرب واعتقاله.

 كما استنفر أهالي وشبان مخيم يبنا في رفح \ غزة وجمعوا أنفسهم وهتفوا بشكل تلقائي يوم الاربعاء الموافق 10/3/1999 الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرا، بعد سماع قرار الاعدام الصادر عن محكمة أمن الدولة بحق رائد أحمد العطار المتهم باطلاق النار على النقيب رفعت جودة في رفح، وكانت قوات من الامن الوطني والاستخبارات والمخابرات تقف بالقرب من شارع كير، فقام الشبان بالقاء الحجارة عليهم ثم تراجعوا، وكان عدد الجنود تقريبا (25) جندياً اطلقوا رصاصة في الهواء بداية، ثم اطلقوا بعدها وابلاً من الرصاص مباشرة، لم يكن بين المتظاهرين أناس ملثمون أو مسلحون، وكانت قوات الامن الوطني على بعد أقل من (15) متراً، فقد سقط قتيلا علاء الهمص (17عاماً) بعد أن دخلت الرصاصة جوف عينه وخرجت من منتصف رأسة أما خميس سلامة فقد كان مختبئاً بجانب الحائط وكان يحاول التوجه للشارع المجاور، عندها أصيب بطلقتين واحدة في قلبه والثانية في صدره، وقد نقل على أثرها الى المستشفى، حيث قال خميس لصديقه وهو ينزف "طخوني الامن الوطني يا ناصر" وبعد نصف ساعة توفي قبل وصوله مستشفى ناصر في خانيونس.                                    

 

ثالثاً: الحرية الحزبية

 

أولاً: حزب الخلاص الوطني الإسلامي:   

اعتقال د.غازي حمد (33 عاماً)  وبعض من رفاقه في الحزب:

 

       قد تم إعتقال الدكتور حمد الناطق الإعلامي لحزب الخلاص الإسلامي ومدير تحرير صحيفة "الرسالة