|
7. مشاكل مُحددة صاحبت إتفاقية اوسلو
يُقر هذا التقرير أن وضع العمال الفلسطينيين وظروفهم ساءت بدرجة كبيرة بعد
حرب الخليج وعملية اوسلو ، ولكن هذا لا يعني أنه لم تكن توجد صعوبات قبل ذلك.
فإنتهاكات حقوق العمال الفلسطينيين وُجدت منذ دخل هؤلاء العمال الى سوق العمل
الإسرائيلي. فالحكومة الإسرائيلية تضع العراقيل والحواجز أمام جهود هؤلاء
العمال في كسب العيش لعائلاتهم. الكثير من هذه العراقيل نشأت مع إتفاقات
اوسلو. والصعوبات التي كانت موجودة مُسبقا، تفاقمت مع مجيء عملية اوسلو،
وخاصة مسألة فرض الإغلاق شبه الدائم على المناطق. فيما يلي وصف لعشرة ظواهر
ساهمت في خرق حقوق العمال الفلسطينيين منها ما هو قبل وما هو بعد عملية
اوسلو.
أ) عدم تقديم المعلومات / أو تقديم معلومات غير مُكتملة عن العُمال
حيث أن سُلطة التشغيل في إسرائيل هي المسؤولة عن توظيف العمال الفلسطينيين،
لذلك فعلى أرباب العمل الإسرائيليين أن يقوموا بإبلاغ هذه السُلطة عن احوال
جميع العُمال لديهم. وبالتالي يحصل العُمال الفلسطينيون على أتعابهم
وعلاواتهم تبعا للمعلومات التي يقدمها صاحب العمل. ولكي يُقللوا من نفقاتهم
ويستبدلوا العُمال كيفما شاءوا، يلجأ أصحاب العمل الإسرائيليون إلى التحايل
على القانون من خلال تزويد معلومات خاطئة عن أحوال العُمال مثل عدد ساعات
وأيام العمل، الأُجرة اليومية، أو حتى عدد أولاد كل عامل. في هذه الحالة يقوم
صاحب العمل بتوفير المال، ويدفع مساهمات أقل للدولة، والذي يدفع الثمن هو
العامل الذي يحصل على علاوات وأتعاب أقل تعتمد على المعلومات الخاطئة التي
قدّمها صاحب العمل.
مع أنه من الصعب التكهن بمدى شيوع هذه الظاهرة، إلا أن المجموعة الفلسطينية
لمراقبة حقوق الإنسان لديها الدليل على أكثر من 100 حالة حول "عدم تقديم
المعلومات الكاملة عن العُمال" حصلت عليها من الإتحاد العام لنقابات العمال
في نابلس ومن مركز الديمقراطية وحقوق العاملين في رام الله. أضف إلى ذلك أن
العشرات من العمال إشتكوا من هذا الأمر خلال البحث الذي اجرتة مؤسستنا في
الضفة الغربية وقطاع غزة.
مثال واضح على هذه الظاهرة وتأثيرها السيئ هو حالة "رائـد". (إسم مستعار لأن
العمال الفلسطينيين الذين يطرحون مشاكلهم يخافون من ملاحقتهم من قبل صاحب
العمل أو الحكومة الإسرائيلية) . رائد عامل من مدينة قلقيلية في الضفة
الغربية (مرفق صورة لبطاقة العمل الخاصة به، وبيان الأجر الذي يبيّن الأرقام
كما يقدمها صاحب العمل إلى سلطة التشغيل.
يقول رائـد: (في لقاء له مع المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان، تموز
1998)
انا أعمل في مجال البناء في كفار سابا، في وسط إسرائيل. عُمري 34 سنة وأُعيل
ستة أطفال. أجري اليومي هو 165 شيكل ولكن في البيان هو 97 شيكل فقط. عملت
خلال شهر آذار 26 يوما، ولكن في البيان مُدوّن 20 يوما. ومكتوب أيضا أنني لم
أعمل أية ساعات إضافية مع أنني عملت اكثر من 9 ساعات عمل في اليوم. وفوق ذلك
مكتوب أنه ليس لدي أطفال، مع أنه لدي ستة، وواضح أنني لا أستطيع أن أحصل على
تصريح إذا لم يكن لدي أطفال. (من شروط الحصول على التصريح للدخول إلى إسرائيل
هو أن يكون لديه أطفال وأن لا يقل عمره عن 25 عاما). ويضيف رائد: الآن أنا
مُصاب. قام بقطع رأس أُصبعه أثناء العمل. لا أستطيع العمل الآن ولا يُمكنني
أن أحصل على مُستحقاتي كاملة. فالمفروض أن أحصل على 70% من قيمة الأجر
اليومي. ولأن صاحب العمل أبلغهم أن أجري هو 97 شيكل فأنا سوف أحصل على 70% من
ذلك، بدلا من 165 شيكل، وهو أجري الحقيقي. وهذا لا يكفي لإطعام عائلتي.
والعمال بشكل عام لا يتذمّرون. فهم أولا يحصلون على أجرهم كاملا من صاحب
العمل فلا يشعرون بظُلم مباشر. وثانيا ليسوا على إستعدادا للتبليغ عن تلاعب
صاحب العمل بالمعلومات خوفا من أن تسوء علاقتهم به، وهم يفضلون الأمر كما هو
على أن يبقوا في المناطق حيث البطالة المُنتشرة. ويعترف أهارون برزاني من
سُلطة التشغيل الإسرائيلية التي تُدير وتُشرف على العلاقات ما بين العُمال
وأصحاب العمل الإسرائيليين، أن هذه الظاهرة موجودة، ولكنه لا يُعلّق على مدى
تكرارها. ويقول " نحن لا يمكننا أن نُمسك بأصحاب العمل هكذا إذا لم يشكوهم
العمال".
ولكن سياسة الإغلاق الإسرائيلية زادت من قيمة العمل نفسه بحيث بات العامل
الفلسطيني سعيدا بأي أجر يعود به إلى بيته، وبالتالي هو لا يريد أن يخوض
صراعا مع صاحب العمل حول حقوقه واستحقاقاته، أو أن يتسبب في مشاكل لصاحب
العمل مع سُلطة التشغيل. بل على الحكومة الإسرائيلية نفسها أن تُوفّر المصادر
الكافية لتدعيم قوانين العمل المُعتمدة.
ب) مشاكل مفروضة
إمكانية أن يقوم العامل بالحصول على حقوقه ومُستحقاته من صاحب العمل تُعتبر
ضئيلة حتى لو كان صاحب العمل قد إنتقص وإنتهك هذه الحقوق والمُستحقات. وهناك
سببين رئيسيين لذلك: الأول نتيجة سياسة الإغلاق، والثاني التمييز في نظام
محكمة قانون العمل الإسرائيلي.
1-
"كُل حمار يُمكن تغييره"
: العمال الأجانب في إسرائيل يملأون الآن أشغال كان يقوم بها العمال
الفلسطينيون في السابق، وهؤلاء وجدوا أنفسهم الآن بدون مصادر دخل مناسبة. هذا
النقص في فُرص العمل يخلق الآن حاجة مُلحة للعمال الفلسطينيين للحصول على
الأشغال المتبقية داخل إسرائيل. لذلك إذا قام صاحب العمل بدفع أجر يقل عن
الحد الأدنى، أو لم يقم بتعويض ساعات العمل الإضافية مثلا، فإن العامل يُفضل
أن يُحافظ على علاقة حسنة مع صاحب العمل بدلا أن يشكوه، أو يُطالب بحقوقه.
بسبب طبيعة سوق العمل التي خلقها الإغلاق وتدفُّق العمال الأجانب، فإن صاحب
العمل الإسرائيلي يُعامل العمال الفلسطينيين وكأنهم بضائع مُستهلكة يُمكن
تغييرها بسهولة. هذا المنحى كشف عنه موقف صاحب عمل إسرائيلي عندما طالبه عامل
بمُعاملة لائقة فأجابه: "كُل حمار يُمكن تغييره". (من لقاء المجموعة
الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان مع ن. م من مخيم جباليا/غزة ، 31 تموز 1998)
2
) ضمانات محكمة العمل
أقرّت محكمة العمل الإسرائيلية المنعقدة في شباط 1996 أنه يجب على العمال
الفلسطينيين دفع جزء مُقدّم (سلفة على حساب -عربون) إلى المحكمة إذا هم
أرادوا مُقاضاة أرباب العمل الإسرائيليين. هذا العربون كما فسّروا كان لضمان
أن تتم تغطية أتعاب المحكمة فيما إذا خسر العامل الفلسطيني القضية. ,طبعا
أصبح هذا العربون عبئا ثقيلا على العمال الفلسطينيين الذين قد يرغبون في
المطالبة بحقوقهم. وعندما طلب خط العامل (كاف لعوفيد) من محكمة العدل
الإسرائيلية دراسة الأمر، وجد أن معظم القضاة الإسرائيليون يطلبون عربونا
يبلغ 10% من قيمة المبلغ الكلي للقضية، ,لان الضمانات المطلوبة هذه قد تصل في
كثير من الأحيان إلى ما يزيد على مئات الدولارات. هذه السياسة جعلت العمال
الفلسطينيين يمتنعون عن اللجوء للمحاكم للمطالبة بحقوقهم، ويُفضلون إنهاء
الأمر بالتراضي خارج المحكمة. (نشرة خط العامل، أيلول 1996)
فإذا كانت المحكمة الإسرائيلية تتجنّب تجريم أصحاب العمل الإسرائيليين،
فعليها على الأقل أن تعمل على تذليل الصعوبات التي تعترض سبيل العمال
الفلسطينيين في كسب رزقهم.
ج) الإساءة إلى العمال
يعاني العمال الفلسطينيون من أشكال متعددة من المعاملة السيئة، تتراوح ما بين
الإهانة من أصحاب العمل والجنود الإسرائيليين إلى العنف الجسدي أو في أسوأ
الأحوال القتل من رجال حرس الحدود أو الجيش الإسرائيلي.
1
) مجزرة حاجز ترقوميا
في واحد من أسوأ حالات إنتهاك حقوق العمال الفلسطينيين، وقعت في 10/3/1998،
حيث تعرّضت سيارة تنقل عمالا فلسطينيين "شرعييّن" عبر حاجز ترقوميا/ الخليل
إلى إطلاق نار من حرس الحدود الإسرائيليين مما أدى إلى مقتل ثلاثة من العمال
واصابة اثنين آخرين.
المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان بحثت في حيثيات الحادث وتصرفات
الجنود الإسرائيليين وفقا لتعليمات إطلاق النار لجيش الدفاع الإسرائيلي فوجدت
ما يلي:
في 10/3/1998 الساعة الخامسة والنصف بعد الظهر، وصلت إلى حاجز ترقوميا سيارة
فورد ترانزيت تحمل سبعة عمال بناء فلسطينيين عائدين من مكان عملهم في "جفعات
يام" قرب تل- أبيب، وهم: محمد الشراونه من دورا - الخليل (السائق)، عدنان
الشرحة 36 سنة متزوج وله 9 أطفال من دورا - الخليل وغالب الرجوب 35 سنة متزوج
وله خمسة أطفال من دورا - الخليل و عقاب السيد أحمد 31 سنة متزوج وله خمسة
أطفال من دورا - الخليل وعلي الشرحة، ومحمد العواودة 25 سنة متزوج من دورا -
الخليل و حمدان الرجوب 35 سنة متزوج وله ثمانية أطفال من دورا - الخليل.
واجهت السيارة حاجزا مزدحما عليه أربعة جنود إسرائيليين يفحصون جميع السيارات
في الإتجاهين، إثنان على كل جانب.
وقال عقاب السيد أحمد: أشار لنا الجندي في الجانب الأيمن كي تتقدم السيارة
إلى الأمام، وفورا تقدمت سيارتنا بضعة أمتار عندما سمعت عدة طلقات نارية.
رأيت السائق الذي كنتُ أجلس خلفه يسقط وارتطم رأسه بمقود السيارة. أكملت
السيارة سيرها ببطء وقبل أن تصطدم بالجدار الأسمنتي للحاجز، أطلق الجنود
النار علينا من بنادقهم الأوتوماتيكية. (من مقابلة مع المجموعة الفلسطينية
لمراقبة حقوق الإنسان)
توفي ثلاثة عمال من جرّاء إطلاق النار من جنود حرس الحدود الإسرائيليين وهم:
محمد الشراونه، عدنان الشرحة وغالب الرجوب، بينما أصيب عقاب السيد أحمد في
فخذه الأيسر ويده. وقد قدّم محمد العواودة شهادته حول الحادث للمجموعة
الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان فقال: سمعتُ عقاب يخبرهم (الجنود) بالعبرية
والعربية أننا عُمال، وفتح الباب حوالي 20سم، عندما فُتح الباب وقف جندي
أمامه وأخذ يُطلق النار داخل السيارة فأصاب عقاب مرتين في كتفه الأيسر، إحدى
الرصاصتين خرجت والأخرى اخترقت رئته اليسرى. ثم صرخ أحد الجنود بالعبرية "إذا
كان في الداخل أحدُ حي فليخرج رافعا يديه". عقاب خرج وهو مُصاب وأنا تبعته.
حالما أصبحنا في الخارج، أنزل الجنود جثتي غالب وعدنان من السيارة ووضعوهما
على قارعة الطريق.
إن سلوك الجنود الإسرائيليين في حادث ترقوميا يدُل ليس فقط على عدم تقدير
حياة الفلسطيني بل أيضا على عدم التزامهم بتعليمات إطلاق النار فيما يتعلق
بالسيارات المشبوهة على الحواجز. حسب تعريف اوامر اطلاق النار لجيش الدفاع
الإسرائيلي فإن "السيارات المشبوهة" هي تلك التي تمر عبر الحواجز العسكرية
دون أن تتوقف في محاولة منها لتجاوز الحاجز. يتم إطلاق النار على مثل هذه
السيارات المشبوهة فقط عندما:
( إذا كان هناك شكّ منطقي في وجود سبب جعل سيارة تقتحم الحاجز العسكري وهذا
الشك مُرتبط بجُنحة خطيرة. إذا لم يكن هذا الإفتراض واضحا فإن إطلااق النار
على سيارة تقترب من الحاجز ممنوعا).
إن إطلاق النار يُعتبر الملاذ الأخير، بعد أن تفشل كل الوسائل في إيقاف
السيارة. وحتى لو تم اللجوء إلى إطلاق النار كخيار أخير، فإن إطلاق النار يجب
أن يكون بطريقة لا تُعرَض أو تُصيب الاشخاص أو الممتلكات القريبة بأي أذى.
أضف إلى ذلك أن هناك عدة خطوات يجب اتخاذها قبل إطلاق النار على السيارة.
أولا، يجب التأشير للسيارة لكي تتوقف، إما باليدين، أو بالأضواء العالية إذا
كانت ليلا. وإذا لم يأت هذا بنتيجة، يتم الصُراخ باللغة العربية، ثم إطلاق
رصاص تحذيري في الهواء. وإذا لم تتوقف السيارة تُطلق النار على الإطارات فقط.
إطلاق النار نحو أي شخص يكون مسموحا به فقط إذا كان هناك فعلا خطر مباشر
يتهدد الجنود المتواجدين على الحاجز.(من كتيب تعليمات اوامر إطلاق النار لجيش
الدفاع الإسرائيلي)
في هذا الحادث ضرب الجنود الإسرائيليون بهذه الاوامر عرض الحائط بكل وضوح،
دون أن يلتفتوا إلى إمكانية منع وقوع قتلى بين الفلسطينيين على الحاجز. حيث
لم يُعط الجنود أية إشارة يدوية بالتوقُّف، ولم يصرخ الجنود باللغة العربية
للسيارة بالتوقُّف، ولم يطلقوا عيارات تحذيرية في الهواء. بدلا عن كل هذا،
أطلق الجنود النيران مباشرة من خلال نافذة السيارة، فقتلوا السائق على الفور.
كما لا يُمكن استيعاب أن الرصاصة الدقيقة التي أُطلقت نحو السائق فأردته
قتيلا مثل رصاص القنص تماما، يُمكن أن تكون مقصودة للتحذير أو نحو الإطارات.
من الواضح أن الجنود أطلقوا النار بقصد قتل الأشخاص في داخل السيارة، وهذا
العمل مسموح به فقط إذا "كان هناك خطر حقيقي مباشر يتهدد حياتهم" . فطالما أن
الجنود لم يطلبوا من السيارة أن تتوقف، فكيف يكون هناك خطر حقيقي يتهددهم؟
الامر الذي يُثبت أن الجنود لم يأخذوا الحيطة من إمكانية تعريض الاشخاص أو
الممتلكات للخطر.
مُحققو جيش الدفاع الإسرائيلي أقروا ببراءة الجنود المشتركين في الحادث من
أية سلوكيات خاطئة، رغم جميع ما ذُكر من تصرفات غير مقبولة. وفشل المُحققين
هذا يجعل من حكومة إسرائيل شريكة في عملية قتل العمال الفلسطينيين وهم
عائدون من أعمالهم داخل إسرائيل إلى بيوتهم في الضفة الغربية.
في 18 تشرين أول 1998، فتح الجنود الإسرائيليون النار على سيارة فلسطينية
تنقل عُمالا عائدين إلى بيوتهم قُرب بلدة الظاهرية، حسب بيان لمركز
الديمقراطية وحقوق العاملين ومؤسسة الحق.
أُطلقت النيران على السيارة بينما كانت تأخذ طريقا فرعية لأنها كانت تحمل
عُمالا ليس لديهم تصاريح. ثلاثة من العمال هم: نبيل طالب حسن القومي 26 سنة،
من مخيم الفوّار، ومراد أحمد البطّاط 21 سنة، من الظاهرية، ومحمد خليل
المصري 33 سنة، من دورا .. أُصيبوا بجراح خطيرة في الهجوم. سائق السيارة
وشهود عيان آخرون أكّدوا أنه لم يقُم أحد بتحذيرهم للتوقف قبل أن يُطلق
الجنود النار. "خلال الحادث قام الجنود الإسرائيليون بمهاجمة العمال الثلاثة
المُصابين وضربهم ولم يسمحوا لأحد أن يقترب منهم وتركوهم مدة نصف ساعة ينزفون
دما دون تقديم علاج طبي". (من بيان صحفي لمركز الديمقراطية وحقوق العاملين
ومؤسسة الحق، الصادر في 19 تشرين أول 1998)
هذا الحادث يُعرّي تماما السلوك الذي أدى إلى مقتل العمال الثلاثة على حاجز
ترقوميا، ويُؤكد أنه جزء من نمط التصرفات التي سوف تتواصل ما لم يتخذ جيش
الدفاع الإسرائيلي عقوبات بحق المُخالفين.
2. إطلاق سراح القاتل عامي بوبر
إن قرار الرئيس الإسرائيلي عيزر وايزمن الاخير بتاريخ 3/2/1999 القاضي بتخفيف
العقوبة على قاتل العمال الفلسطينيين المُدان عامي بوبر يُشكل مثالا آخر على
عدم مُبالاة حكومة إسرائيل بأرواح العمال الفلسطينيين. ففي 20 أيار 1990 أقدم
القاتل الإسرائيلي على قتل سبعة عمال فلسطينيين وجرح عشرة آخرين في منطقة
عيون قارة الفلسطينية "ريشون ليتصيون" بينما كان العمال ينتظرون الحصول على
عمل في مُفترق (جان هفرديم- حديقة الورود)، العمال ظنّوا أن بوبر زبون عادي
لديه شغل فإقتربوا من سيارته، فقام هو بفتح النار من سلاحة الاوتوماتيكي.
حاول بوبر أن يُقنع المحكمة أنه غير مُتزن عقليا، إلا أن الأطباء الذين
إختارهم الادعاء العام أقروا أن بوبر بكامل قواه العقلية. فحُكم عليه كما
ينبغي في 17 أيار 1991 سبعةمؤبدات وعشرين سنة.
(صحيفة الجروسالم
بوست: بوبر يحصل على سبعة مؤبدات، 18 آذار 1991)
بالرغم من العقوبة القاسية الأصلية، إلا أنه وبفضل قرار وايزمن تخفيف العقوبة
عن بوبر ومعه أيضا أربعة يهود آخرين مُتهمين بمحاولات قتل فلسطينيين، بفضل
ذلك سوف يخرج بوبر قريبا حُرا طليقا. ففي 3 شباط 1999 وقّع وايزمن على توصية
من وزير العدل تساحي هنغبي تسمح لبوبر بإطلاق سراحه بعد سبعة سنوات ونصف من
السجن. أي ما يعادل سنة سجن تقريبا مقابل كل عامل فلسطيني قتله، بدلا من
الحكم مدى الحياة مقابل كل عملية قتل كما حكمت المحكمة مُسبقا.
(صحيفة
نيويورك تايمز: إسرائيل تُخفف عقوبات 5 يهود قتلوا أو حاولوا قتل عرب، 4 شباط
1999)
ماذا يُمكن أن يعني إطلاق سراح بوبر هذا بالنسبة لحياة العمال الفلسطينيين
خاصة والفلسطينيين بشكل عام؟
إن إسرائيل لا تُعير أي اهتمام لحقوق الفلسطينيين، حتى لأبسط حق وهو الحق في
الحياة. وهذا يبدو واضحا عندما رفض رئيس الوزراء نتنياهو إطلاق سراح أسرى
فلسطينيين "أيديهم مُلطخة بالدماء" وفق ما نصت عليه إتفاقيات المرحلة
الإنتقالية مع الفلسطينيين. وأيضا عندما إنتقد نتنياهو إطلاق السلطة الوطنية
الفلسطينية سراح نُشطاء حماس واصفا إياه أنه:
"باب دوّار". هذا عمل مُستغرب في ضوء تصرفات حكومته.
3. سوء المعاملة الجسمانية
لا يقتصر العنف من الجنود الإسرائيليين ضد العمال الفلسطينيين على حوادث
قليلة من مفارقة الحياة، بل إن فترة اتفاقات اوسلو سجّلت ظاهرة من العنف
الجسدي المنتظم. فعلى سبيل المثال في تشرين أول 1996 تم تصوير جنديان
إسرائيليان على حاجز الرام شمالي القدس يقومان بضرب ستة عمال فلسطينيين لم
يحملوا تصاريح لمدة حوالي نصف ساعة. بعد أن بثّ التلفزيون الإسرائيلي هذا
الشريط تمت محُاكمة الجنديان بعشرين شهر بالسجن لكل منهما، منها 12 شهر وقف
تنفيذ والباقي فعليا. وقد علّقت منظمة بتسيلم الإسرائيلية التي تُعنى بحقوق
الإنسان على الحادث فكتبت: "تُعتبر هذه إحدى الحالات النادرة التي يتم فيها
مُحاكمة ومُعاقبة مُقترفي الجرم ويقضون فترة من عقوبتهم في السجن. ومن
المُحتمل أنه وبسبب الضجة الإعلامية حول هذا الحادث أن تلجأ السُلطات مستقبلا
إلى التحقيق وفي مُلاحقة مثل هذه الجرائم". (تقرير "بتسيلم" استمرار وحشية
حرس الحدود الجزء الخامس، النشرة الأولى، 1997). وقد صرّح أحد كبار القادة
العسكريين في وحدة حرس الحدود الإسرائيلي في أحد جلسات لجنة الأمن التابعة
للكنيست فقال: "هذا الحادث الذي يقوم فيه جنود حرس حدود بضرب عمال فلسطينيين
ليس غريبا، هذه ليست حالة مُنفردة في هذه الوحدة. لا يوجد فقط تُفاحتين
فاسدتين في سلّة التفاح الطازج".
(صحيفة يديعوت احرونوت 12 تشرين ثاني 1996)
ولكن بالرغم من الخجل من النشر أمام الرأي العام لحادث حاجز الرام، إلا أن
ضرب العمال الفلسطينيين للذين لا يحملون تصاريح عمل استمر إلى ما بعد تشرين
أول 1996. ففي آب 1997 أصدرت منظمة بتسيلم تقريرا موثّقا حول ممارسات الإساءة
الجسدية من قبل حرس الحدود الإسرائيلي ضد الفلسطينيين الذين يتواجدوا في
إسرائيل بدون تصاريح. كما توضح بتسيلم:
" بالرغم من تصريحات وإستنكارات المسؤولين الإسرائيليين لم تقُم السُلطات
الإسرائيلية بأي عمل من شأنه أن يُغيّر من سلوك قوات الأمن. حيث يظل الضرب
والإساءة والإهانة تصرفات روتينية شائعة كُلما تعامل حرس الحود أو رجال الإمن
الإسرائيلي مع الفلسطينيين".
جميع الحالات التي تم توثيقها (14 حالة) تضمّنت أفعالا وحشية ضد ضحايا
فلسطينيين. معظمها كان ضرب ولكم بأعقاب البنادق وأشياء أخرى حتى في منطقة
الرأس ولفترات زمنية طويلة. نتج عن هذا الضرب كسور في العظام في أربعة حالات،
وفُقدان الوعي في حالتين.
(من نشرة بتسيلم: وحشية شديدة، الضرب مُستمر، آب 1998)
حادث الظاهرية الذي فتح فيه الجنود النار على سيارة فلسطينية ثم قاموا بضرب
العمال المُصابين (ذُكر سابقا) يُوضح أن العُنف الجسدي ضد العمال الذين لا
يحملون تصاريح
أصبح ممارسة شائعة في الشهور الأخيرة. أضف إلى ذلك أن العمال الفلسطينيين
يتعرضون إلى عُنف جسدي من المواطنين الإسرائيليين ايضا.
في الرواية التالية لعامل فلسطيني من منطقة جنين تمثيل للرعب المُخيف الذي
قد يعانيه العامل من شدة قسوة السلطات الإسرائيلية ضد العمال "غير الشرعيين".
وضع عامل فلسطيني في قبر لمدة ساعتين
قام مستوطنون إسرائيليون بخطف العامل جابر عبد الله جابر 28 سنة ووضعوه في
قبر لمدة ساعتين. قال جابر " كنت أعمل في موقع بناء شمال حيفا عندما هاجمني
ثمانية مستوطنين بسكاكين وعصي. أخذوني إلى حُرش مجاور وسحبوني من لحيتي
واتهموني أنني من حماس. قالوا لي: سوف ندفنك حيا الآن. ثم بدأوا بحفر القبر،
وعندما قاومتهم قاموا بضربي ودفعوني داخل الحفرة وقاموا بدفن كل جسمي ما عدا
رأسي. قاموا بالتحقيق معي حول نشاطات وعمليات حماس. أمسكوني من شعري ولحيتي
وقالوا أنني لن أخرج حيا، بل سيتركوني للحيوانات لتأكُلني. وقالوا: أنتم
تستحقون هذا. استمر الأمر حوالي ساعتين وشعرت خلالها أنني على وشك الموت.
عندما عاد أصدقائي إلى موقع العمل لم يجدوني فبدأوا بالبحث عني. عندا رآهم
المستوطنون هربوا. أخرجوني من الحُفرة وأخذوني إلى المستشفى حيث رفضوا
مُعالجتي كوني فلسطيني، واتصلوا بالشرطة التي وصلت وقامت بإعتقالي. رفضوا أن
يُقدموا لي أي علاج قبل أن يُحققوا معي. لم يُصدقوا روايتي وقالوا أنني أكذب
وأُحاول أن أُغطي جريمة كنت أنوي أن أرتكبها. أكّدت لهم روايتي فأخذوني إلى
موقع الحادث ثم عُدنا إلى المستشفى ثم إلى السجن، وقُمت بدفع غرامة بقيمة
ألفي شيكل.
4. المُضايقات النفسية والمعنوية
يتحمّل العمال الفلسطينيون أيضا المضايقات الجائرة من الجنود وأصحاب العمل
الإسرائيليين
وذلك من اجل ان يدخلوا للعمل في إسرائيل. أحد أشكال هذه المضايقات هو مصادرة
التصاريح والبطاقات المُمغنطة. حسب وزارة العمل الإسرائيلية، قام جنود حرس
الحدود الإسرائيليون بتجريد العمال الفلسطينيين من ما مجموعه 2400 تصريح خلال
الستة شهور الأولى من سنة 1998. في الكثير من الحالات تكون مًصادرة التصاريح
هذه جزءا من حملة "الإبتزاز الأمني" الذي ذكرناه مُسبقا.
نقاط التفتيش غير الثابتة والفُجائية شكل آخر من المضايقات. فبدلا من نقطة
تفتيش واحدة محددة ، تلجأ السلطات الإسرائيلية إلى إرهاب العمال، ففي أحد
المرات: أوقف جنود إسرائيليون سيارة فورد صباح يوم ، بينما كانت تحمل عمالا
قرب مفترق عراد، أجبروهم على الخروج من السيارة، والوقوف أمام جدار وأيديهم
إلى الأعلى. قام الجنود بالتدقيق في تصاريحهم وأوراقهم. وبالرغم من توفُّر
جميع الشروط والوثائق المطلوبة لإجراءات دخول إسرائيل، إلا أن الجنود قاموا
بمضايقة العمال وتهديدهم. أخبر الجنود العمال أنه في حالة حدوث أي أمر في
المنطقة فإن أسماءهم باتت مُسجلة. ( صحيفة الرسالة: الجيش الإسرائيلي يُصعّد
من إجراءاته ضد العمال الفلسطينيين، 29آب ، 1998)
بالنسبة لعمال غزة فإن عملية دخولهم اليومية إلى إسرائيل تُعتبر صعوبة بحد
ذاتها، بسبب إجراءات العبور الإسرائيلية. ففي حاجز ايرز الذي يشكل نقطة
العبور المركزية إلى إسرائيل على العمال أن يسيروا مسافة كيلومترين في ممر
مُغبر يصلح للماشية أكثر منه للآدميين.
هذا الممر يُطلق عليه الآن أسم "ممر الموت". بعد أن يتخطى العمال ممر الموت
يُجبروا على الوقوف في صفوف طويلة ريثما يقوم الجنود الإسرائيليون بتدقيق
أوراقهم وتفتيش أمتعتهم.
يقوم الجنود في هذه الأثناء بالإساءة إلى العمال وإهانتهم. ولأن العمال لا
يعرف على وجه التقريب كم من الوقت سوف تستغرق عملية المرور من حاحز ايرز،
فأنه يترك بيته في صبيحة كل يوم قبل شروق الشمس كي يصل إلى وجهته في الوقت
المحدد.
يقول أحد العمال من مخيم جباليا: "أستيقظ الساعة الثانية صباحا، وفي الثالثة
وعشرين دقيقة أكون على الحاجز. أصل أحيانا إلى تل أبيب قبل السادسة، مع أن
عملي يبدأ في السابعة، لأنني لا أعرف أبدا كم من الوقت سوف تأخذني الطريق".
وطبعا هناك عملية تأخير مُشابهة في طريق العودة بعد يوم العمل الشاق. العديد
من العمال قضوا نحبهم متأثرين بنوة قلبية أصابتهم من جرّاء الانتظار الطويل
في صفوف مكتظة.
د) العمال غير الشرعيين
يُطلب من العمال الفلسطينيين الذين تعوّدوا العمل في إسرائيل لسنوات أن
يحصلوا على تصاريح لدخول إسرائيل من خدمة التشغيل الإسرائيلية بعد أن يطلبها
صاحب العمل الإسرائيلي. وطالما الأمر كذلك فلا بُد من وجود فلسطينيين يحاولون
الدخول إلى إسرائيل بطُرق غير شرعية (بدون تصاريح) للبحث عن عمل، يحدث ان يجد
هؤلاء طريقهم إلى مكان ما فيلتحقون بسوق العمل السوداء بإنتظار أن يأتي من
يريدهم أن يعملوا لديه ليوم أو لبعض الوقت زهاء مبلغ نقدي يتفق الطرفان عليه.
العُمال غير الشرعيين (لا يحملون الوثائق المطلوبة) هي ظاهرة جاءت بعد
اتفاقات اوسلو وتقتصر على الضفة الغربية فقط. لأن قطاع غزة معزول تماما ولا
يُمكن المرور منه إلا عبر حاجز ايرز حيث يتم التدقيق بالتصريح والبطاقة
المُمغنطة. بينما الضفة الغربية تظل نسبيا شبه مفتوحة على إسرائيل. هؤلاء
العمال غير القانونيين يستطيعون النفاذ إلى إسرائيل من الضفة الغربية ولكن
إذا أمسكهم حرس الحدود الإسرائيلي فإنهم يتعرضون للإهانة والمذلة كما رأينا
سابقا، إضافة إلى دفع الغرامات. وحسب تقرير وزارة العمل الفلسطينية حول وضع
العمال الفلسطينيين الذي نُشر في آب 1998، تم إعتقال 2482 عامل بدون تصاريح
في داخل الخط الأخضر: منهم 260 عامل تمت مُحاكمتهم ودفعوا غرامات زادت عن
3000 شيكل.
(صحيفة القدس: تقرير حول 6 أشهر من الحصار الإسرائيلي للعمال الفلسطينيين، 31
تموز 1998)
وفي بعض الأحيان يلجأ حرس الحدود الإسرائيلي للضغط المُشدد على العمال، كما
حدث في منطقة الخليل (حسب صحيفة الرسالة في 29 آب 1998) حيث قام الجنود
بمُلاحقة العمال عبر التلال وأغلقوا عليهم جميع الطُرق الفرعية والتُرابية
التي يسلكونها لتحاشي الحواجز.
وكما هو متوقع، لا يحصل العمال غير القانونيون على أية علاوات أو زيادات أو
مكافآت أو حماية قانونية، كما أنهم يفتقدون قوة الدفع لمُجادلة أصحاب العمل
في طلب أي شيء.
بينما يتعرض العمال غير القانونيين للمضايقات من قوات الأمن، فإنهم يُقدمون
دورا هاما يفيدون به الحكومة الإسرائيلية التي ضمنيا تؤيد عبورهم للعمل داخل
الخط الأخضر. طبعا بوجود عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين يدخلون في
إسرائيل فإن الحكومة الإسرائيلية على علم ودراية بأن هناك جزء منهم لا يحمل
الوثائق المطلوبة. الذي يتضرر من هذه الظاهرة هم العمال أنفسهم والسلطة
الوطنية الفلسطينية أيضا.
فالسلطة لا تتمكن من تحديد هؤلاء العمال كي تقوم بخصم ضريبة الدخل والضمان
الاجتماعي. ومن ناحية أُخرى فأن حاجة السلطة لتأمين الحد الأدنى من المعيشة
للمواطنين يجعلها مُقيدة اليدين.
العمال غير القانونيين يوفّرون أيدي عاملة رخيصة لأصحاب العمل الإسرائيليين،
مع أنهم مؤهلون للحصول على نفس الضمان مثل العمال القانونيين الذين يحملون
التصاريح. لكن وضعهم المُتزعزع لا يسمح لهم بالمُطالبة بحقوقهم. الحكومة
الإسرائيلية في نفس الوقت تستفيد من هذا الوضع حيث من جهة تتحكم بتدفُّق
العمال إلى إسرائيل ومن جهة أُخرى تُبقي عدد التصاريح محدودا. ولأن هذا كلّه
يحدث في الكتمان فإن الحكومة الإسرائيلية تُمارس الضغط الإقتصادي على
الفلسطينيين دون أن تخشى إنتقاد الرأي العام. (نشرة خط العامل كانون أول
1997)
فيما يلي مقتطفات نشرتها صحيفة الإستقلال تُبيّن الصعوبات التي واجهت بعض
العمال الفلسطينيين الذين يعملون في إسرائيل بطريقة غير قانونية (بدون
تصاريح):
العمال الفلسطينيون يواجهون صعوبات في أماكن عملهم
منع العشرات من العمال من رؤية عائلاتهم
العامل شفيق محمد المشهراوي من غزة والذي يعمل في الناصرة، لم يزور عائلته في
غزة منذ ثمانية أشهر وذلك لأنه يخشى الأمن الإسرائيلي لأنه لا يحمل تصريحا.
ويقول شفيق أن هناك العشرات من العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع
غزة الذين يعيشون نفس الظروف في الناصرة ولا يزورون عائلاتهم، بل يعملون لكسب
قوت العيش. "لدينا إلتزامات عائلية ولكننا لا نستطيع أن نذهب إليهم بسبب
حواجز التفتيش" قال شفيق.
العمال "اليوميّون"
هؤلاء منتشرون في الناصرة. ليس لديهم مكان مُحدد يعيشون فيه. يقول نزيه خالد
الغول من رفح " نتجمّع في الساعة السادسة صباحا وننتظر حظّنا. نعيش تحت ظروف
قاسية. ننتظر وصول سيارات المُتعهدين ورجال الأعمال وفي نفس الوقت نُراقب
مدخل الشارع خوفا من سيارات الأمن التي تأتي وتعتقلنا لأننا بدون تصاريح.
عندما تصل سيارة مُتعهد نتجمع حولها وواحد منّا يكون محظوظا".
رحلة من المُعاناة
شاب آخر من رام الله يُدعى سليم أبو طُعمة يحمل شهادة جامعية في المحاسبة
وإدارة الأعمال لم يجد عملا في هذا المجال. لم تُعطه السلطات الإسرائيلية
تصريحا، فجاء إلى الناصرة يبحث عن رزقه اليومي. ينتظر سليم قدوم سيارة
لتلتقطه. "يجب أن نأتي وننتظر بصبر كل يوم" هذا ما يقوله.
الإنتظار بيأس
أخبر نزيه نصر ظاهر من خان يونس صحيفة الإستقلال أن هناك 79 عامل يومي في
الناصرة، منهم 50 من قطاع غزة. ما بين 15-20 عامل يحصل على عمل كل يوم.
الباقون يجلسون طوال اليوم بإنتظار قدوم سيارة. أحيانا تملا أربعة أو خمسة
أيام دون قدوم السيارة.
أمثلة على المُعاناة
هؤلاء العمال تعوّدوا على عدم الحصول على المُقابل الذي يستحقونه. مرزوق
زغاري من رفح قال أن أصحاب العمل الإسرائيليون يعلمون أننا بدون تصاريح
فيستغلون ذلك. قال مرزوق " في الأسبوع اماضي عملتُ أنا و8 عمال آخرين لدي
أحدهم في مزرعته قرب العفولة، عملنا لمدة عشرة أيام دفع لنا 100 شيكل لكل
واحد. وهددنا بأنه سوف يُبلغ الشرطة إذا طلبنا أكثر. ولم يكن أمامنا سوى أن
نرضى بذلك".
ح) الإبتزاز وإبتياع التصاريح
مُنذ أن أصبح الإغلاق مُحكما على قطاع غزة، لجأ العمال الفلسطينيون الذين
يرغبون بشدة للعمل في إسرائيل كمصدر وحيد للدخل، لجأوا إلى طريقة مُبتكرة في
الحصول على تصاريح للدخول إلى إسرائيل. حيث تشكّلت شركات إسرائيلية خاصة تهدف
بالأساس إلى الحصول على تصاريح من الجهات الإسرائيلية مقابل مبالغ مالية
تأخذها من العمال. ويصل ثمن التصريح إلى ألف شيكل أو أكثر مقابل تصريح لشهر
واحد. ولا تضمن الشركة الإسرائيلية توفير عمل بل هي فقط تحصل للعامل على
التصريح.
يروي موسى أ. من مخيم النصيرات مدى هذه الظاهرة فيقول: من مجموع 25 ألف عامل
يعبرون حاجز ايرز يوميا إلى إسرائيل، هناك فقط 10 آلاف لديهم أشغال ثابتة في
إسرائيل. الباقي يُعرف باسم "السوق السوداء" حيث يبحث العامل عن صاحب عمل
ليشغّله ويحصل له على تصريح. وهنا يقوم صاحب العمل إما بأخذ مبلغ من العامل
كرسوم للتصريح أو يقوم بخصم قيمة التصريح من الراتب. وفي بعض الأحيان يقوم
صاحب العمل بتشغيل العامل بضعة أيام وعلى العامل أن يبحث بنفسه عن شغل بقية
الشهر.
وأيضا يصف سمير ف. من مدينة غزة تجربته فيقول: ليس لدي عمل في غزة لذلك أدفع
1500 شيكل مقابل تصريح لمدة شهر ونصف فقط. ثم أُحاول أن أبحث عن أي عمل في
إسرائيل، في البناء أو غيره. في معظم الأحيان أجد عملا لخمسة أو عشرة أيام في
الشهر. اليوم على سبيل المثال، دخلت من الحاجز وإنتظرت أكثر من ساعة ونصف،
ولكن لم يأت أحد يبحث عن عمال، لذلك رجعت بدون عمل.
(من مقابلتين مع المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان في حاجز ايرز، 14
تموز 1998)
هذا الترتيب الغريب يضع عمال القطاع القانونيين (الذين لديهم تصاريح) عمليا
بنفس درجة العمال غير القانونيين. بسبب اعتماد هؤلاء العمال على شركات
التصاريح الإسرائيلية وأصحاب العمل الجزئي فإن دخل هؤلاء العمال يظل غير
مستقر وبدون أية فوائد.
خ) المستوطنات والمناطق الصناعية
عدد لا بأس به من العمال الفلسطينيين يعملون لصالح شركات ومصانع إسرائيلية
موجودة في داخل الأراضي الفلسطينية، في منطقتين بالتحديد: المستوطنات
الإسرائيلية والمناطق الصناعية. ويشكل عام لا يحصل العمال في هذين المكانين
على أية حقوق مثل الإجازة السنوية أو التأمين الصحي وغيرها.
من خلال نقل عمل هذه الشركات إلى المناطق المحتلة فإنها تكون قد حصلت على
طاقة عامله رخيصة ومتوفرة بعيدا عن أعين الهيئات الإسرائيلية. وتشرح منظمة خط
للعامل: العمال في هذه الأماكن يحصلون على بعض الحقوق كما نص عليها قانون
العمل الأردني القديم (قانون 2 لسنة 1965) الذي تم تعديله في الأردن ولكنه ما
زال مطبّقا في المناطق دون تعديل. فهم مثلا لا يحصلون على بدل مواصلات، أو
إجازة سنوية، أو بدل ملابس وغيرها. بينما يحصلون على بدل نهاية الخدمة،
والإجازة المرضية وإصابة العمل، ولكن بنسب أقل مما نص عليها القانون
الإسرائيلي. هذا بالرغم من أن الإدارة المدنية الإسرائيلية أصدرت الأمر رقم
(967 ) الذي يُجبر أصحاب العمل الإسرائيليين على تأمين العمال ودفع الحد
الأدنى من الرواتب لهم. (نشرة خط للعامل رقم 9 / 93)
تم فصل العامل سهيل شعراوي 29 سنة من مخيم جباليا وأب لأربع أطفال من عمله في
مصنع النسيج في منطقة ايرز الصناعية فقط لأنه كان عضوا في لجنة العمال التي
طالبت ببعض الحقوق للعمال. يقول عن ذلك: " عملت لفترة 14 شهر في مصنع الصوف
في منطقة ايرز، وفي نيسان 1998 قمنا بتنظيم إضراب عن العمل للمطالبة بزيادة
الرواتب وتعويض الساعات الإضافية. فالراتب كان 50 شيكل لليوم الواحد ، والحد
الأدنى 101 شيكل. وتم فصل العمال السبعة أعضاء لجنة العمال جميعهم.
(من مقابلة مع مركز الديمقراطية وحقوق العاملين في غزة 14 تموز 1998)
المُضايقات لا تقتصر على غزة، فالعامل فؤاد أحمد حجة من قلقيلية في شمال
الضفة الغربية يتذكر تجربة عمله في مستوطنة "كارني شومرون" فيقول : " تم
تشغيلي من خلال مكتب عمل يُديره عرب للعمل في مصنع للحبال. لم يكن هناك أي حد
أدنى للأجور، أو تأمين صحي أو بدل إجازة أو أي شئ. إذهب إلى بيتك إذا لم يكن
الأمر يعجبك كان الجواب لمن يتذمر. فتركت العمل وإنتقلت إلى مصنع آخر ظروف
العمل فيه أفضل بكثير.
تشتهر منطقة برقان الصناعية في الضفة الغربية أنها تنتقص من حقوق العمال
الفلسطينيين. فحسب صحيفة الرسالة: تم فصل 60 عاملا لأنهم إعترضوا على
الإنتهاكات الحاصلة.
قال بعض العمال أنهم يعملون اكثر من عشرة ساعات في اليوم، كل أيام الأسبوع.
,انه إذا تغيب عامل بسبب المرض فإنه يُعطى أسبوعا كاملا للراحة بدون راتب.
كما أن العمل الاضافي لا يتم تعويضه ولا يُدفع الحد الأدنى. أيضا ليس هناك أي
ضمان اجتماعي أو تأمين صحي. أجبرت الإدارة جميع العمال التوقيع من خلال مكتب
متعهد ما على أنه ليس من حقهم أية علاوات أو فوائد أو تعويضات.
ففي أحد المرات أصيب العامل خالد الصريفي في مكان العمل في مصنع البلاستيك في
المنطقة الصناعية المذكورة، فلم يتم تعويضه وإضطر إلى أن يدفع تكاليف
المستشفى من جيبة الخاص.
يجب على الإدارة المدنية الإسرائيلية بصفتها المسؤولة عن المستوطنات والمناطق
الصناعية وبالتنسيق مع محكمة العمل الإسرائيلية أن توقف التصرفات غير العادلة
لأصحاب العمل
الإسرائيليين بحق العمال الفلسطينيين في هذه المستوطنات والمناطق الصناعية.
ز) الإبتزاز الأمني:
لقد جعل الإغلاق الذي أصبح حقيقة واقعة على الفلسطينيين من مسألة التصاريح
والبطاقات المُمغنطة شر لا بد منه. لقد رأينا مُسبقا كيف أن بعض الشركات
أصبحت تستغل الوضع للحصول على مبالغ مالية كرسوم للتصاريح. ولسوء الحظ لم يكن
أصحاب العمل الإسرائيليون الوحيدون الذين إستفادوا من الحاجة المُلحة للعمل
لدى الفلسطينيين. فلقد لجأ جهاز الأمن العام الإسرائيلي إلى إبتزاز العمال
الفلسطينيين حيث يطلب منهم الإلتزام بالتعاون معه مقابل منحهم التصريح
والبطاقة المُمغنطة. وفي بعض الحالات يُصادر منهم تصاريحهم وبطاقاتهم سارية
المفعول ويطلب منهم التعاون مقابل إرجاعها.
(صحيفة الرسالة: رجال الأمن الإسرائيليون يُقايضون التصاريح مقابل "الإلتزام"
معهم، 2 تموز 1998)
مُراقب عمال اسمه نزار مبحوح من مخيم جباليا والذي يعمل لدى شركة إسرائيلية
أخبر المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان عن تجربته فقال: طوال عملة في
إسرائيل فترة تزيد عن 16 سنة كان دائما لدي تصريح أحصل عليه بواسطة الشركة
التي أعمل فيها. الشركة تحصل عليه من إدارة حاجز ايرز المُرتبطة بجهاز الأمن
الإسرائيلي. طبعا في كثير من الأحيان يرفضون منح التصاريح "لأسباب أمنية".
قبل حولي أربع سنوات ونصف أخبروني أن تصريحي مرفوض لأسباب أمنية فتوجهتُ
لمقابلة مسؤول هناك كان واضحا أنه من جهاز الأمن العام. قال لي أن شخصا
مخبولا قد أخبره عني، وأنني إذا أردتُ أن أحصل على التصريح فعليّ أن أتعاون
معهم. فأجبته: كي أصبح مخبولا. فقال أنه لم يقصد ذلك فعليا. بالطبع رفضت
طلبه. رأيت محاميا كي يساعدني فأخذ مني 1800 شيكل بدون نتيجة، ولم أحصل على
التصريح إلا بعد ثلاث سنوات ونصف.
عامل آخر من قلقيلية اسمه جميل، أب لطفلين، أخبر المجموعة الفلسطينية
لمراقبة حقوق الإنسان في مقابلة أمام اتحاد نقابات العمال في قلقيلية: أخذوا
مني التصريح قبل ستة أشهر، فذهبتُ إلى نقطة العبور لكي أطلب تصريحا جديدا.
فقالوا لي: إذا ساعدتنا فسوف نُساعدك.
رفضتُ بالطبع. ولا أزال بدون تصريح حتى الآن.
وسيم، 28 سنة من كفر جيّوس، ضحية أُخرى لمحاولات الإبتزاز الأمني: بدأتُ
العمل في مصنع للملابس في كانون ثاني 1993، ثم حدث إغلاق قي آذار من نفس
العام، عاد العمال بعد ذلك إلى أشغالهم في إسرائيل ولم أحصل أنا على تصريح
جديد. ذهبتُ أسأل في نقطة "كدوميم" لدى جهاز الأمن، فقال لي الضابط المسؤول:
إذا ساعدتنا سوف نساعدك. فأجبته بالرفض. فقال أنه في الكمبيوتر هناك ورقتين
سوداء وبيضاء، واسأل الكمبيوتر في أي ورقة أنت مُسجل. ولا أزال حتى الآن بدون
تصريح، مع أنني لم أُسجن أو أُعتقل في حياتي. ولقد توجهت لهم من خلال محامي
وكتبت لهم وزارة العمل الفلسطينية حول وضعي ولكن بدون نتيجة.
(المقابلات جرت في قلقيلية في 25 تموز 1998)
يقوم جهاز الأمن العام الإسرائيلي بخبثٍ ودهاء شديدين بإفتراس حاجة العمال
الفلسطينيين البائسة للعمل، هذا يُشكل بلا شك خرقٌ واضح لحقوق العمال وأيضا
نوعا من الضغط عليهم للتعاون مع إسرائيل.
س) نقابات العمال
عانى العمال الفلسطينيون كثيرا من ضعف أداء النقابات العمالية. مع أنه حدث
تطور نسبي في فاعلية نقابات العمال بعد قيام السلطة الفلسطينية، إلا أن دعم
النقابات للعمال يظل دون المستوى المتوقع وذلك لعدة عوامل نوجزها فيما يلي:
الطبيعة السياسية التاريخية للنقابات العمالية الفلسطينية، غياب العملية
الديمقراطية داخل النقابات، الوضع غير القانوني لأداء النقابات داخل إسرائيل
ثم العلاقة ما بين "الهستدروت / نقابة العمال الإسرائيلية" ونقابات العمال
الفلسطينية والعمال أنفسهم.
تنضوي جميع النقابات العمالية تحت مظلة الإتحاد العام لنقابات العمال
الفلسطينية. المفهوم عن أية نقابة عمالية أنها تضم وترعى مصالح العمال أصحاب
المهنة أو الحرفة الواحدة لدعم مواقفهم وحقوقهم في أشغالهم. قبل اتفاقات
اوسلو ومجيء السلطة الفلسطينية كانت النقابات العمالية عبارة عن أجسام سياسية
تتبع هذا الحزب أو تلك الجهة. ووفق هذا الإطار كان العامل إذا واجهته مشكلة
يتوجه إلى النقابة التي ينتمي إليها سياسيا، وليس إلى النقابة التي ترعى
المهنة التي يعمل بها. فربما مثلا يتوجه سائق تاكسي إلى نقابة المُزارعين
لأنها ذات نفس اللون السياسي الذي يحمله.
يُمكن فهم التوجه السياسي للنقابات بسبب وجود الإحتلال الإسرائيلي. حيث كانت
النقابات العمالية تُعتبر مراكز للنضال ومقاومة الإحتلال. وأصبح قادة العمال
النقابيين رموزا للمقاومة ضد الإحتلال مما جعل مسألة دعم ورعاية حقوق العمال
أمرا ثانويا في تلك المرحلة.
حدث تغيّر لا يُمكن إنكاره مع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث أنه مع
زوال الإحتلال (جزئيا) أصبح تركيز النقابات العمالية أكثر على مصالح وحقوق
العاملين. ورغم أن هناك مزاعم قوية على إرتباط قادة النقابات العمالية
بمؤسسات السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية إلا أن هذا غير مُثبت حتى الآن.
أما أهم الأمور العالقة حتى الآن فهو غياب العملية الديمقراطية في انتخاب
الأتحاد العام لنقابات العمال الفلسطينية. يُعلق النقابي محمد العاروري على
هذه النقطة فيقول أن عملية الفصل القائمة ما بين الضفة وغزة تجعل إنتخاب جسم
واحد للإتحاد أمرا صعبا في الوقت الحالي على الأقل، ولكن يُضيف العاروري أن
الإتحاد رغم ذلك لديه إصرار على التحول الديمقراطي في المستقبل القريب، لأن
الجسم الديمقراطي المستقل قادر على طرح قضايا العمال التي هي عنصر هام من
العمل النقابي بصورة أفضل. لذلك فإن المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق
الإنسان تدعو الإتحاد العام لنقابات العمال الفلسطينيين للعمل بشكل مُنفصل عن
أجهزة السلطة الوطنية الفلسطينية من اجل حقوق العمال.
ففي اتحاد نقابات العمال / فرع قلقيلية لاحظت المجموعة الفلسطينية لمراقبة
حقوق الإنسان ان هناك عمالا يأتون في يوم إجازتهم الوحيد للتدريب وحضور
الدورات وتلقي المساعدة. مثل هذه النشاطات يجب تشجيعها من خلال نقابات عمالية
فاعلة يُديروها أعضاؤها وترعى مصالحهم.
فاعلية وأداء الاتحاد العام لنقابات العمال الفلسطينية تتأثر بالضرورة
بقوانين العمل الإسرائيلية من جهة، وبالعلاقة مع "الهستدروت" نقابة العمال
الإسرائيلية من جهة أخرى. القانون الإسرائيلي يمنع الاتحاد العام لنقابات
العمال الفلسطينية من الاشتراك في أية صفقات عمل داخل إسرائيل. (نشرة صادرة
عن الخارجية الأمريكية: تقرير عن حقوق الإنسان في إسرائيل والمناطق المحتلة،
1997)
هذا يعتبر مُخالفا لحقوق الإنسان المُتعارف عليها في المواثيق الدولية، ومنها
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. إضافة إلى ذلك، فإن الاتحاد العام لنقابات
العمال له علاقات مع الهستدروت والهدف منها بالأساس هو تحسين أوضاع العمل
للعمال الفلسطينيين، الذين لا يُمكنهم الإنضمام للهستدروت حسب قانون إسرائيل.
مقابل هذه العملية يخصم الهستدروت 7,.% من أجر كل عامل قانوني فلسطيني، 0,1 %
من المجموع يذهب كعمولة إلى خدمة التشغيل الإسرائيلية، مكتب العمل. (مقابلة
المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان مع أفيتال شابيرا مسؤولة العلاقات
الدولية في الهستدروت، 27 تموز 1998)
لاحقا للتوقيع على اتفاقيات اوسلو، تم في 5 آذار 1995 الإتفاق ما بين الاتحاد
العام لنقابات العمال الفلسطينية والهستدروت /نقابة العمال الإسرائيلية على
أن تقوم الأخيرة بدفع ما قيمته 50% من الأموال التي تتلقاها من العمال
الفلسطينيين للاتحاد العام للنقابات. وخلال ثلاث سنوات ونصف وبداعي العجز
المالي لم تدفع الهستدروت سوى جزءا صغيرا من الذي التزمت به، وهذا الجزء
يُقدر بملايين الشواقل. والآن الاتحاد العام لنقابات العمال يُطالب الهستدروت
بالمبالغ المُتراكمة التي هي من حقه كي يسعى لتحسين ظروف العمال الفلسطينيين.
ش) تمييز التأمين الوطني
كما أوضحنا في القسم 2 مُسبقا، فإن دولة إسرائيل تُمارس التمييز ضد العمال
الفلسطينيين أيضا من خلال مُمارسات مؤسسة التأمين الوطني:
بالرغم من أن المبالغ التي يخصمها التأمين الوطني من العمال الفلسطينيين
والإسرائيليين واحدة، إلا أن الفوائد التي يحصلون عليها مختلفة تماما.
فالعمال الفلسطينيون يحصلون على مبالغ عند الإصابة في العمل وعند إفلاس صاحب
العمل فقط. بينما يتمتع العمال الإسرائيليون بالعديد من الفوائد مثل: ضمان
التقدم في السن (الشيخوخة)، بدل الإعاقة، بدل البطالة، ضمان الدخل، علاوات
الأولاد وغيرها. حتى أن عمال المناطق لا يحصلون على "منحة الولادة" إلا إذا
قامت الزوجة بالولادة في مستشفى إسرائيلي داخل الخط الأخضر.
(حسب منظمة خط للعامل "كاف لعوفيد" تشرين ثاني 1993)
في كانون ثاني 1994، أقامت منظمة خط للعامل "كاف لعوفيد" قضية ضد التأمين
الوطني بالنيابة عن ثلاثة عمال فلسطينيين يُطالبون بتعويضات مقابل المبالغ
التي كانوا يدفعونها للتأمين الوطني ولا يحصلوا مقابلها على أية فوائد أو
علاوات. وقد وصل الأمر إلى نتيجة أنه كادت القضية أن تُتخذ كموضوع عام يخص
جميع العمال، بحيث يتم تغيير موقف التامين الوطني ويحصل جميع العمال
الفلسطينيين على مُستحقاتهم.
هُنا تدخل الاتحاد العام لنقابات للعمال الفلسطينية مُعتبرا الأمر ذو بُعد
سياسي، حيث قال إن هذه مُحاولة من جسم إسرائيلي (منظمة خط للعامل) لتمثيل
عمال فلسطينيين في هذه القضية، وهذا شيء مرفوض. وطالب الاتحاد العام لنقابات
العمال الفلسطينية مؤسسة التأمين الوطني بدفع مُستحقات العمال للسلطة
الفلسطينية أو له وليس للعمال مباشرة. وكما سوف نرى فإن استئمان السلطة
الوطنية الفلسطينية على أموال العمال الفلسطينيين أمرٌ مشكوك فيه. ولقد كان
اعتراض الاتحاد العام لنقابات العمال الفلسطينية حادا في بعض الأحيان مما دفع
منظمة خط للعامل إلى سحب الاستئناف الذي كانت تنوي أن تتقدم به للمحكمة.
ولكن المحكمة العليا أيّدت القضية وسوف تنظر بها قريبا.
تم تعريف مدى وطبيعة العلاقة الاقتصادية بين إسرائيل والسلطة الوطنية
الفلسطينية حسب ميثاق باريس ومن بعده اتفاقية القاهرة بين إسرائيل والسلطة
الوطنية الفلسطينية، وذلك خلال فترة تطبيق معاهدات اوسلو. (أنظر صيغة ميثاق
باريس الموقع بين إسرائيل ومنظمة التحرير، باريس 2 نيسان 1994) القسم الخاص
بقضايا العمل، مادة 7، يُحاول أن يُعالج المشكلة في تباين موضوع التأمين
الوطني. في الجزء الثالث من هذا القسم يطلب من إسرائيل
"أن تقوم بتحويل مبالغ شهرية للسلطة الوطنية الفلسطينية مُساوية للخصومات حسب
التشريع الإسرائيلي". هذه المبالغ سوف تستخدمها السلطة الفلسطينية حسبما تشاء
في أغراض التأمين الاجتماعي والرعاية الصحية للعمال الفلسطينيين المعنيين.
وطبقا للاتفاق فإن كل الخصومات التي قامت بها إسرائيل بعد توقيع المعاهدات،
بالتحديد بعد اتفاق القاهرة، سوف تُحول للسلطة الوطنية الفلسطينية. أي أن
الأموال التي كانت تُخصم من رواتب العمال فيما سبق ذلك، ما يُقارب الثلاثين
سنة، تم تجاهلها. قامت إسرائيل عقب هذه الإتفاقية بإصدار قانون ينص على أن
جميع الأموال في الفترة السابقة التي قامت مؤسسة التأمين الوطني بخصمها من
رواتب العمال الفلسطينيين (أطلقوا عليها اسم الخصومات المتساوية) تُعتبر
مدفوعة وتم تسليمها !. (حسب نشرة خط للعامل، ايار 1995). بالطبع هذه
التطورات سوف تنعكس على القضية التي رفعتها منظمة خط للعامل أمام القضاء، حيث
من الممكن أن يصدر قرار بدفع المُستحقات للعمال كأفراد وليس كمجموع، وإعتبار
القانون الأخير الذي ذكرناه غير شرعي.
لم تقُم إسرائيل بدفع أية مبالغ من هذه الأموال للسلطة الفلسطينية. ويتذمر
المسؤولون في وزارة العمل الفلسطينية من هذا الأمر كثيرا، إلا أن إسرائيل ترد
بالقول بأن الإموال موجودة في البنك بإنتظار أن تضع السلطة نظام تأمين
اجتماعي معقول فتقوم إسرائيل بتحويل هذه المبالغ. والذي يُعاني ولا يأخذ شيئا
في هذه الأثناء هم العمال الفلسطينيون.
ص) السلطة الوطنية الفلسطينية تُسيء إستخدام أموال التقاعُد الخاصة بالعمال
هناك ادّعاءات بأن الفساد المالي أصبح مُتفشيا في السلطة الوطنية الفلسطينية،
حتى على مستوى الوزراء أنفسهم. ومصداقية الحكومة الفلسطينية في الأمور
المالية باتت محط شك في معظم الأحوال. ولسوء الحظ لم يسلم العمال الفلسطينيون
من وباء الفساد هذا. فبدلا من أن يقوم رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ياسر
عرفات ومُستشاره المالي خالد سلام بحماية أموال التقاعد الخاصة بالعمال،
قاموا بتحويلها إلى أنشطة ليس لها أية علاقة بالعمل أو العمال. وقد وصل هذا
الأمر إلى الصحافة الأجنبية (صحيفة ديرشبيغل الألمانية، ولي باريسيان
الفرنسية) فقامت بوصفه والتعليق عليه. ولقد قمنا بصياغة ما جاء في صحيفة دير
شبيغل مُرفقة بنسخة من رسالة من عرفات حول نقل الأموال المعنية. وقام كاتب
المقال بمقابلة وزير العدل الفلسطيني فريح أبو مدين، خالد سلام وأريه جلعون
مُدير صندوق التقاعد الإسرائيلي، فلم يُنكر أي منهم الأمر ولم يتذمر حول
النشر.
فيما يلي نص ما جاء في صحيفة دير شبيغل الألمانية، العدد 45 ، سنة 1997:
الدعم غير المُعلن إلى غزة
هل أساء ياسر عرفات زعيم منظمة التحرير استخدام أموال التقاعد العائدة للعمال
الفلسطينيين؟
كتبت مجلة "دير شبيغل" الالمانية في عددها رقم 45/1997 ، التقرير التالي :-
قام عددٌ من الرسُل من طرف ياسر عرفات بجولة لسؤال عدد من الدول الصديقة
تقديم المساعدات للسلطة الوطنية الفلسطينية خلال الشهور الأخيرة، وذلك لأن
رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو رفض باصرار دفع 40 مليون دولار للسلطة
الوطنية الفلسطينية كما هو منصوص عليه في اتفاقية اوسلو. نتيجة لذلك وجد
عرفات نفسه غير قادر على دفع رواتب رجال الإدارة والأمن في السلطة.
وبسبب هذه الحاجة المُلحة، لجأ عرفات إلى سلوك ماكر. ففي يوم الثلاثاء الماضي
تم تحويل مبلغ 28 مليون دولار إلى حساب صندوق التقاعد الفلسطيني في البنك
العربي المحدود/ فرع مدينة غزة، من بنك الائتمان السويسري في زيوريخ. حتى تلك
اللحظة كان بنك الائتمان السويسري يحتفظ بمبلغ 150 مليون دولار هي كُل ما في
صندوق التقاعد الخاص لقطاع غزة. سبق هذه التحويلة الخفية من ملايين الدولارات
نقاشات جرت في غزة. فقد هدد فريح أبو مدين وزير العدل الفلسطيني بالاستقالة
بصفته رئيس مجلس صندوق التقاعد الفلسطيني، وهدد زميلين آخرين معه بترك
منصبيهما أيضا.
وقد أخبر أبو مدين صحيفة دير شبيغل أن عرفات عرض علية صفقة في آب الماضي يقوم
بموجبها صندوق أموال التقاعد بمنح السلطة الفلسطينية قرضا بعدة ملايين من
الدولارات.
في ذلك الحين احتج أبو مدين بشدة ضد الاقتراح، وأصر على أن هذه الأموال من حق
الذين دفعوها ولسنين طويلة للصندوق. وقال لعرفات: "لا تلمس هذه الأموال !"
وأضاف أبو مدين أنه لا السلطة ولا مجلس إدارة الصندوق مُخوّلين بالعبث في هذه
الأموال مهما كانت المشاريع المطروحة. وقال "لقد كان ذلك نقاشا حادا !"
ولكن عرفات مضى في خطته. ففي 13 آب عام 97 وصل فاكس مُوقّع من عرفات وأبو
مدين معا إلى آرية جلعون الوكيل المالي في زيوريخ يطلبان فيه تحويل مبلغ 20
مليون دولار إلى حساب البنك العربي في غزة لصالح صندوق التقاعد.
جلعون، الذي يعمل كمدير مالي في شركة لإدارة الأموال في زيوريخ (Balesta
Asset Management AG))
كان يعمل أيضا كأمين على صندوق أموال التقاعد. وقد وصل إلى هذا المنصب بطريقة
ما !. كان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق اسحق رابين قد وعد في إطار اتفاقية
اوسلو بإعادة ما مجموعه 430 مليون شيكل إلى الفلسطينيين في غزة وهي الأموال
التي كانوا دفعوها إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية خلال الفترة من
1967-1993. وبناء على طلب من عرفات فإن الأموال سوف تُدفع بالدولار. رابين
أصر أن يتولى بنك أمريكي المسألة (US Bank Morgan
Stanley)
ولكن عرفات أصر أن تظل الأموال في اوروبا خشية أن تقوم الولايات المتحدة
بتجميد الأموال حسب التطورات السياسية.
تم حفظ الأموال لبعض الوقت في بنك في فرنسا. ولكن بعد إغتيال رابين إنتقلت
الأموال إلى مؤسسة الائتمان في زيوريخ. ومن خلال الاستثمار الذكي تمكنت شركة
إدارة الأموال Balesta Asset Management AG
من إحراز ربح بنسبة 18% في العام. ومع أن جلعون ومؤسسته يرفضون أن يُعطوا أية
معلومات عن معاملات عرفات وأبو مدين المالية، إلا أنه نفسه يُساوره الشك في
قانونية التحويلة المالية الأخيرة.
بناءا على التعليمات الأولية، فإن المبلغ (20 مليون) يجب أن يُحوّل إلى فرع
البنك العربي في غزة، تحت اسم "السلطة الوطنية الفلسطينية 2-
PNA2
" رقم 100071 . والشخصان الوحيدان المُخوّلان بالصرف هما رئيس منظمة التحرير
ياسر عرفات والمستشار المالي محمد برهان رشيد المعروف باسم خالد سلام الذي
أشغل ولسنوات منصب المسؤول المالي في منظمة التحرير الفلسطينية التي قيل عنها
في وقت من الأوقات أنها من أغنى حركات التحرر في العالم. ويحتفظ هذان الرجلان
بكل ما يتعلق بأموال المنظمة .
أراد جلعون ومؤسسته السويسرية أن يتأكدوا أن الأموال تذهب بالفعل إلى حساب
صندوق التقاعد كما هو مُبين في الإجراءات القانونية. ولكن في أيلول 1997
وصل فاكس جديد إلى زيوريخ من مجلس إدارة صندوق التقاعد في غزة الذي يضم في
عضويته أبو مدين ووزير المالية الفلسطيني يؤكدون فيه أن بإمكان خالد سلام أن
"يُحلل ويُشرف على نشاطات مؤسسة الاستثمار السويسرية". وبالفعل في الثالث من
أيلول، وصل رجُل عرفات المالي الغامض إلى زيوريخ ليقوم "بواجباته".
وقد أكّد أبو مدين وصول تحويلة بقيمة 28 مليون دولار بُعيد ذلك إلى غزة من
صندوق التقاعد في سويسرا. في هذه الأثناء قرر عرفات التراجع عن دفع الأموال
كرواتب للأمن، خاصة بعد أن أفرجت إسرائيل عن بعض الأموال للسلطة، وبدلا من
ذلك قرر أن يقوم بقليل من الاستثمار في غزة، هذا ما صرح به أبو مدين إلى دير
شبيغل.
فبدأ البحث عن مشاريع استثمارية مُربحة في غزة. مثل بناء فنادق راقية في مركز
مدينة غزة الصغيرة لتشجيع صناعة السياحة. بينما أبو مدين كان يُفضل الاستثمار
في "خطط مُحافظة أكثر". الرئيس عرفات نفسه كان يُفكر في مشروعين: إما بناء
محطة إنتاج طاقة أو تنفيذ شبكات للإتصالات. أبو مدين كان يبدو مقتنعا بهذه
المخططات. "إذا تم عمل هذه المشاريع سوف تجني أرباحا 100%، لا يُمكن أن يحدث
أي خطأ" حسب قوله.
كل هذه التفاصيل كانت غائبة عن المجلس التشريعي الفلسطيني. وحالما وصلت بعض
الأنباء عن إساءة إستخدام أموال التقاعد، تم جمع 20 توقيع من الأعضاء لطرح
الموضوع للنقاش داخل المجلس. لكن رئيس المجلس التشريعي أبو علاء رفض بشدة هذه
المحاولة. وهاجم الأعضاء الذين طالبوا "بمثل هذا الحوار المُستهجن" وأعلن
تلقائيا أنه سوف يتخذ كل الإجراءات لمنع المجلس من مناقشة هذه "الإشاعات
الوقحة". الكثير من أعضاء المجلس التشريعي يُشككون في السلوكيات المالية
للسلطة الفلسطينية. فقبل ثلاثة أشهر تمكنت لجنة مالية تابعة للمجلس من إثبات
الدليل على سوء استخدام المال العام ومُحاباة الأقارب بعشرات الآلاف من
الدولارات. ويزداد الشك لدى أعضاء المجلس حول أموال صندوق التقاعد يوما بعد
يوم. وطالما أن عملية السلام تبقى غير واضحة المعالم، فإن أي استثمار في غزة
يكون مُجازفة لا يقدر أحد على ضمانها. أحد أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني
أبدى مخاوفه قائلا: "يجب علينا حفظ أموال مُتقاعدينا من الضياع".
صورة من الفاكس الذي وصل إلى جلعون في سويسرا من مكتب الرئيس عرفات
منظمة التحرير
الفلسطينية
13 آب 1997
السلطة الوطنية الفلسطينية< |