|
6 - نقطتان
قانونيتان حول سياسة الإغلاق الإسرائيلية
إضافة إلى القانون الإنساني الدولي كما ذُكر على لسان البروفيسور كوتلر
سابقا، هناك مبادئ أساسية أُخرى من القانون يُمكن توظيفها ضد سياسة الإغلاق
الإسرائيلية. الآن سوف نعرض نقطتين قانونيتين شائعتين في القانون الدولي في
جميع أنحاء العالم. النقطة الأولى حسب مبدأ الضمان المُنصف فأن إسرائيل
ونتيجة لسياسة منع العمال الفلسطينيين من العمل بحرية، يجب أن تُمنع من
استغلال هذا الضمان. والنقطة الثانية، حسب مبدأ حق الحكومة في إستغلال
الأملاك الخاصة للأغراض العامة فأن إسرائيل مُلزمة يتوفير تعويض مُلائم
للعمال الفلسطينيين الذين قامت بحرمانهم من أشغال هم يمتلكونها.
أ) الضمان المُنصف والإغلاق الإسرائيلي
هذا مبدأ عام وواسع يقوم على مواقف مُحددة. مُلخص المبدأ هو قيام طرف ما بدفع
طرف ثاني، من خلال عبارات أو أفعال، على التصرف بطريقة مُعينة فيها ضرر للطرف
الثاني. وحسب هذا المبدأ يجب منع الطرف الأول من القيام بذلك. مثلا: لو أن
السيدة س قامت بإبلاغ السيد ص شفهيا أو كتابة أنها تنوي شراء مجموعة
أشياء منه إذا هو قام بتجهيزها. فهنا حتى لو لم يتوفر عقد مكتوب من طرف
السيدة س، فإنها مُلزمة بالشراء إذا قام السيد ص بعمله. وفي مواقف مُعينة قد
تتدخل المحكمة لمنع الطرف الأول (السيدة س) من الرجوع عن أقوالها.
لاستخدام هذا المبدأ يجب توفر عناصر محددة: 1- سلوك طرف ما يؤدي إلى 2- قيام
طرف ثاني بعمل ما، أو عدم قيامه بهذا العمل و3- وقوع ضرر على الطرف الثاني.
هذا المبدأ يُمكن منطقيا تطبيقه على العلاقة بين إسرائيل والعمال الفلسطينيين
من المناطق المُحتلة. منذ الإحتلال الإسرائيلي عام 1967 وحتى عملية اوسلو
سمحت إسرائيل للفلسطينيين بالدخول للعمل فيها لإعالة عائلاتهم. هذا خلق
إعتقاداً لدى الفلسطينيين أنهم أحرار في العمل باستمرار داخل إسرائيل. وقد
إعتمد الفلسطينيون دون إجحاف على العمل في إسرائيل دون البحث عن أشغال داخل
المناطق المُحتلة. وفوق ذلك، منعت إسرائيل قيام إقتصاد فلسطيني مُستقل في
الضفة الغربية وقطاع غزة، وخلقت علاقة إقتصادية متداخلة ما بينها والمناطق
المُحتلة. (أُنظر مثلا كتاب سارة م. روي قطاع غزة: تطور الاقتصاد السياسي/
مركز الدراسات الفلسطينية 1995)
إذن فإن عناصر الضمان المُنصف جميعها متوفرة: سلوك طرف ما
–
يتمثل بسماح إسرائيل للعمال الفلسطينيين بالمرور للعمل فترة تزيد على 30 سنة
، وسياسة إسرائيل في إضعاف الإقتصاد داخل المناطق الفلسطينية. قيام طرف ثان
بعمل ما –
قيام العمال الفلسطينيين بالتركيز على العمل داخل إسرائيل وعدم البحث عن عمل
في مناطقهم. الضرر على الطرف الثاني –
وجد العمال الفلسطينيون أنفسهم يعتمدون كُليا على الأشغال داخل السوق
الإسرائيلية. ولأن جميع هذه العناصر متوفرة، إذن ينبغي منع إسرائيل من
مُناقضة أعمالها الأولى. هذا يعني أن على إسرائيل إلغاء سياسة الإغلاق أو
تحديده في ظروف إستثنائية.
إن إستخدام مبدأ الضمان المُنصف في القانون الدولي أمر مألوف. فعلى سبيل
المثال، تم إعتماده كمبدأ عام في القانون الدولي لدى الدول المُتحضرة.
(القضية المُتعلقة بالمصنع في تشارنو، 1928، خدمة أ، رقم17، ص 33-34). فقد تم
اللجوء إلى مبدأ الضمان المُنصف في القانون الدولي للتأكيد على النوايا
الحسنة المُرافقة للوعي التام للأخطار التي تنجم عن إتباع سلوكيات خاطئة في
بعض الأوقات. (ماكجيبون، الضمان في القانون الدولي، 1958، ص467-468). إن
تغيير سياسة إسرائيل يُعتبر سلوكا خاطئا في بعض الأوقات ويفتقد إلى النوايا
الحسنة المُرافقة للوعي التام.
حسب إحدى نظريات الضمان المُنصف في القانون الدولي فأن " الدولة التي تُعلن
عن وتنتهج سلوكا مُعينا وتُحافظ عليه لفترة زمنية ليس لها الحق في تغيير هذا
النهج إذا كان ذلك يضُر بدولة أخرى. وبالنسبة لسياسة الإغلاق الإسرائيلية فإن
على إسرائيل عدم تغيير موقفها
وسلوكها المُسبق نحو العمال الفلسطينيين لأن هذا يضُر بهم كثيرا.
تبرر إسرائيل سياسة الإغلاق بحجة الأمن القومي. وهذا تفسير قوي في القانون
الدولي، إلا أنه ليس بدون حدود. كما هو مُوضح في القسم الخامس للبروفيسور
كوتلر. ولكن التبرير الأمني يبدو باطلا أكثر منه حقيقة. كما بيّن نبيل شعث
وزير التعاون والتخطيط الدولي الفلسطيني في ردّه على الإغلاق المُشدد الأخير
في شهر آذار من العام الماضي. لم تقُم إسرائيل بإيقاف أي عامل فلسطيني يحمل
تصريحا ساري المفعول بحجة محاولة تنفيذ عمل إرهابي. (تصريح الوزير في السلطة
الفلسطينية في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية: الإغلاق يضُر بالسلام، 1 آذار،
1999).
يصف أحد المُعلقين الإسرائيليين الدوافع وراء الإغلاق فيقول:-
"قوات الأمن دائما تقيس مدى فاعلية الإغلاق بعدد الهجمات التي تحدث. ما يهمهم
إذا ساد الجوع والبؤس في المناطق؟ أو إذا ظل أصحاب العمل الإسرائيليون بدو
أيدي عاملة؟
لدى الضباط الكبار في الأمن الإسرائيلي فهم أفضل لآثار الإغلاق البعيدة
المدى. والدوائر الأمنية العُليا في إسرائيل حقيقة لا تُدرك الحكمة الكامنة
وراء سياسة الإغلاق".
(صحيفة هآرتس: إغلاق عادي، 1 آذار 1999).
إذن، فإن عبارة "الإغلاق أمر ضروري للأمن" ليست ذات قناعة تامة حتى في
المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
ب) الإغلاق الإسرائيلي و"حق الحكومة في إستملاك الأملاك الخاصة للأغراض
العامة"
حتى لو إفترضنا قبول التفسير الأمني كمبرر للإغلاق، فإن سياسة الإغلاق تظل
غير شرعية وفق مبدأ حق الحكومة في إستملاك أملاك الآخرين لأغراض عامة. هذا
مبدا متعارف عليه لدى الحكومات، عندما تلجأ الدولة إلى "أخذ" أملاك خاصة
لخدمة مصالح عامة. إلا أن هذا المبدأ ينطبق على ظروف محددة تشمل:
عندما تقرر الحكومة مثلا إجبار صاحب أرض على إسكان أُناس، أو حفظ أشياء في
أرضه لاغراض عامة لصالح المجتمع ككل، مع أن هذا قد يكون فيه مضرّة لصاحب
الأرض نفسه.
(بوير وآخرون، قانون المُلكية، الطبعة الرابعة، 1991، ص434)
في مثل هذه الحالات، فإن الحكومة تستخدم المُلكية الخاصة لصالح المجموع العام
من المواطنين دون أن يكون هناك مجال لصاحب هذه المُلكية لإستخدامها بنفسه.
ولكن الدولة تقوم بتعويض صاحب العمل عن هذا. و "كمقدمة أساسية فإن قانون
التعويض العادل يعني أن صاحب المُلكية له الحق في الحصول على قيمة المُلكية
في السوق مقابل الضرر الذي وقع عليه". (المرجع السابق ص 435)
ما هي العلاقة بين أخذ المُلكية ومنع إسرائيل للعمال الفلسطينيين من الوصول
إلى أعمالهم في إسرائيل؟
إن حق العمال الفلسطينيين في العمل وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان ، يجعل
من إمتلاكهم لهذا الأشغال مُلكية خاصة لهم. وتنص قوانين دولة إسرائيل على
الحق في إمتلاك العمل. هذا يعني أن الدولة مُلزمة بتوفير عمل ملائم لكل
مواطن. و"مُلكية العمل" يُمكن أن توضع على سُلّم المُلكيات الشخصية مثل
مُلكية الأرض والعقار وغيرها. إلا أن المُلكية حسب آراء بعض الباحثين
الإقتصاديين المُعاصرين أصبح لها معنى جديد يُضاف الى المفهوم القديم.
فالمعنى الجديد يؤكد أن "المُلكية تمنح الفرد القوة لإدارة حياته الخاصة
للبقاء بصورة سليمة يرضىعنها". (أُنظر مثلا كتاب تشارلز ليش، المُلكية
الجديدة، 1964)
إذن فإن إمتلاك العمال الفلسطينيين لأشغالهم داخل إسرائيل ومصالحهم مع أرباب
العمل الأسرائيليين تُعتبر مُلكية خاصة لهم تمنحهم المقدرة على تسيير حياتهم
وحياة اُسرهم بصورة صحيحة. وعندما تقوم إسرائيل بفرض الإغلاق على الضفة
الغربية وقطاع غزة، وتأتي بعمال أجانب ليقوموا بالعمل، فإنها بذلك تنزع
المُلكية من العمال الفلسطينيين وتضُر بمصالحهم. ويُمكن لإسرائيل أن تقوم
بهذا الإجراء وفق "حق الدولة في إستملاك أملاك الآخرين لتحقيق أهداف عامة"
شريطة أن تقوم بدفع تعويض عادل للعمال الفلسطينيين. وحتى الآن يظل الإغلاق
غير شرعي لأن إسرائيل لم تُقدم أي تعويض مقابل فُقدان العمال الفلسطينيين
لأعمالهم.
|