تقديم
يتصف
الحرم الجامعي الذي يمتاز بمستوى عال من الحرية الأكاديمية بأنه بيئة مفتوحة
يتم فيه تبادل الأفكار بين الطلبة والمحاضرين بكل حرية وانفتاح دون أي خوف من
أية مُخاطرة . والجامعات مؤسسات يتطّور فيها الفكر الناقد ويتم تقديره وهذا
ينطبق على الكتابة الأكاديمية والنشاطات المختلفة في الحرم الجامعي بأكمله ،
وفوق ذلك ، فإن الجامعات توفر المناخ المناسب الذي يتمتع فيه الطلاب بفرص
التعليم المتساوي ويتم تقييم الطلبة والمُحاضرين فيها بمدى تحصيلهم العلمي .
وما تزال
الجامعات الفلسطينية – بعد خمس سنوات من إقامة السلطة الفلسطينية – تعكس
توجهات المجتمع العامة ، وهناك اليوم خطر يتهدد حقوق الإنسان على مستوى
المجتمع وبالتالي في الحرم الجامعي . وتدرك " المجموعة الفلسطينية لمراقبة
حقوق الإنسان " أهمية الدعم والمحافظة على الحريات الأكاديمية كجزء من
المحافظة على حقوق الإنسان بشكل أوسع على مستوى المجتمع الفلسطيني .
تشكل
الجامعات الفلسطينية العنصر الأهم في البناء الوطني الديمقراطي . فليس هناك
مؤسسة فلسطينية أخرى لها نفس التأثير في خلق جيل مثقف ومؤهل فنياً للتطور
المستقبلي ، لهذا فعندما يدخل التفكير الناقد في متاهة حقيقية ، فأن التهديد
يقع عليه في أساسه ، وهذا بالتالي يُضعف إلى حد كبير إحترام وصيانة حقوق
الإنسان .
هناك
افتراض شائع بأن الضفة الغربية تتمتع بحرية أكثر من قطاع غزة ، حيث أظهر بحث
" المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان " أن العقبات التي تعترض سبيل
الحريات الأكاديمية في القطاع هي الأشد والأصعب كمُا ونوعا . فالجامعات في
غزة تعتبر حكومية ، لذلك فهي مُتعاطفة مع السلطة الوطنية الفلسطينية ، وهي
فوق ذلك أكثر قُرباً من السلطة ولهذا فكثير من المرتبطين بها لهم علاقاتهم
بالسلطة ، ويُظهر هذا التقرير أن أولئك الذين لهم ارتباط بالسلطة ممن هم في
الجامعات يتمتعون بفوائد وحماية ، وبينما يُعاني من لا تربطه مثل هذه
العلاقات فيما إذا جهر برأيه .
كما وأن
وجود الجامعات الإسلامية في غزة أثار مزيداً من الشكوك حول السلطة الوطنية
الفلسطينية التي تمارس ضغطاً داخلياً وخارجياً بُغية إخماد المُعارضة
الإسلامية . ولقد إرتاينا أن لا نؤكد على الفوارق بين المنطقتين كي نخلق
نمطاً قد يؤدي إلى قبول أكثر لمضايقات أقل .
إن موضوع
الحريات الأكاديمية ذو حساسية بالغة ، ولهذا قامت بعض الجمعيات الفلسطينية
التي تُعنى بحقوق الإنسان مثل " الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن "
بتغطية هذا الموضوع بإيجاز في تقريرها السنوية ، ( أنظر التقرير السنوي
الرابع ، الأول من كانون ثاني 1998 إلى 31 كانون أول 1998 ، الهيئة
الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن ، مُناقشة اعتقالات الطلاب في جامعتي
النجاح والإسلامية وأيضاً اعتقال الدكتور فتحي صبح ) .
إن النقص
القائم في المعلومات المطبوعة حول هذا الموضوع سببه خوف المُفكرين
الفلسطينيين من فقدان مصدر عيشهم أو فرض عزله مهنية عليهم . بالنسبة للطلبة
فأنهم يخشون فقدان وظائفهم الحالية أو المستقبلية وهذا يُفسر ترددهم في
الإفصاح عن آرائهم بصورة حرة في الحرم الجامعي ، ولكن على الرغم من هذه
الصعاب فإن المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان تعتبر هذا الأمر على
جانب كبير من الأهمية ، وكلنا أمل في أن يُحفز هذا التقرير كلا من السلطة
الوطنية الفلسطينية والُمجتمع الأكاديمي من إداريين ومُحاضرين على تعزيز
احترام حقوق الإنسان .
هناك ذكر
لعدد من حالات كبت الحرية الأكاديمية لدى المًحاضرين والباحثين ، ولكن قضية
الدكتور فتحي صًبح تبرز كمثال واضح على ذلك ، قد يبدو الأمر حاداً وغريباً
نوعاً ما إلا أن حالة الدكتور صُبح تُجسد مجموعة من انتهاكات حقوق الإنسان
التي تُمارسها السلطة الوطنية الفلسطينية ، ولقد إرتاينا في" المجموعة
الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان " أن نذكر الحالات التي من السهل الوصول
إليها بسبب ضيق الوقت ونقص الموارد المالية .
تُمثل
الجامعات الفلسطينية بكل ما تشمله من نشاطات نموذجاً مُصغراً للمجتمع ككل ،
ومنذ مجيء السلطة الوطنية الفلسطينية شكّلت مسألة العمل والتوظيف أمراً هاماً
لدى المواطنين ، ومع اقتراب الانتهاء من كتابة هذا التقرير حدث إضراب من قبل
العاملين في الجامعات الفلسطينية بسبب عدم حصولهم على رواتبهم لمدة تزيد عن
أربعة شهور . وهذا على ما يبدو يعود لعدم وصول الأموال المُخصصة للجامعات
لهذه الغاية من السلطة الوطنية الفلسطينية . وتنظر " المجموعة الفلسطينية
لمراقبة حقوق الإنسان " إلى هذه القضايا الاجتماعية والاقتصادية بأهمية بالغة
كونها تُمثل عوامل مؤثرة في صراع حقوق الإنسان وسوف نستمر في بحثنا لمسألة
الحريات الأكاديمية وما يعتريها من انتهاكات في المستقبل .
هيكلة التقرير
يعرض هذا التقرير
ملخصاً لبحث حول مدى وطبيعة انتهاكات حقوق الإنسان في أبرز الجامعات في الضفة
الغربية وقطاع غزة ، وتبدأ خلفية التقرير بفحص المعايير الدولية ثم يلي ذلك
طرح لوضع حقوق الإنسان في ظل الاحتلال الإسرائيلي قبل وأثناء الانتفاضة ،
ولأن تاريخ الجامعات الفلسطينية موثّق في مكان آخر فقد كان تركيز هذا التقرير
في مُجمله على الانتهاكات القائمة في الوقت الحالي منذ قيام السلطة الوطنية
الفلسطينية . وفي الجزء الأخير من الخلفية تطرقنا إلى دولتين عربيتين
مجاورتين هما المملكة الأردنية الهاشمية وجمهورية مصر العربية ، وذلك بسبب
قربهما الشديد وتأثيرهما المباشر على النواحي السياسية والقانونية في فلسطين
، وكذلك لأن العديد من الأكاديميين الفلسطينيين تلقوا تعليمهم في هاتين
الدولتين وعادوا بخبراتهم الأكاديمية التي اكتسبوها إلى وطنهم ، هناك فوارق
عديدة بين نظامي التعليم في كل من مصر والأردن والنظام الفلسطيني ، وذكرنا
لهذه الاختلافات ليس لبيان تفوّق نوعي للحياة الجامعية الفلسطينية بل هو فقط
لتحديد خاصية القضية الفلسطينية ولتوضيح مثال تاريخي في تحليلنا للأوضاع داخل
الجامعات الفلسطينية .
القسم الثاني من
التقرير يتطرق إلى موضوع الأمن في الحرم الجامعي وتشكيل إدارة أمن الجامعات
وأيضاً النشاطات الأمنية الأخرى في الجامعات الفلسطينية . فوجود رجال الأمن
في محيط الحرم الجامعي أدى إلى كبت حرية التعبير وروح الزمالة لدى الطلاب
والمحاضرين على حدٍ سواء ، كما أن القسمين التاليين بالتالي يُعنيان من
القيود التي تواجه الطلاب والمُحاضرين تباعاً .
تُشكل الاعتقالات
في صفوف الطلاب من قبل السلطة الفلسطينية وإسرائيل مشكلة هامة . ويُقييم
التقرير عملية الشدّ القائمة بين حماية الحريات والزمالة في الجامعات وبين
العقاب الشرعي للنشاطات التي تحث على العنف وتستمر إسرائيل في الحدّ من حرية
تنقُل الطلاب والمحاضرين بين قطاع غزة والضفة الغربية ، وهذا الانتهاك ينعكس
على الحريات الأكاديمية لذلك فإن التقرير يتعرض له بإيجاز . على أية حال ،
ولكون إقدام جمعيات أُخرى على معالجة ومناقشة هذا الأمر ، فإننا ارتأينا أن
نركز في تقريرنا على جوانب أُخرى من موضوع الحريات الأكاديمية .
يُعتبر التدخُل
في الانتخابات والنشرات الطلابية شكلاً آخر من القيود . حيث يرتبط دور الحركة
الطلابية وعمل المجالس الطلابية بالحرية الجامعية ، ويتعاطى هذا التقرير مع
الانتهاكات الخاصة بالانتخابات .
ولا ينظر هذا
التقرير بإمعان في موضوع وضع الحركة الطلابية الحالي كونه لا يقع في مداه .
(
لمزيد من المعلومات يُمكن مراجعة كتابي : إبراهيم سعادة " تاريخ الديمقراطية
للحركة الطلابية الفلسطينية في جامعة بيرزيت " وغلين روبنسون " الثورة غير
المكتملة / بناء دولة فلسطينية " ) .
|