القسم
الثاني
قانونية الحجز والاعتقال
مذكرة الاعتقال
خلال تنفيذ عمليات الاعتقال أفاد معظم الضحايا باستثناء حالة واحدة بأنهم لم
يتسلموا أية مذكرة رسمية تجيز اعتقالهم ، هذا ولم تسجل من بين الحالات ال 68
المستند اليها التقرير سوى 20 حالة تسلموا أمر استدعاء خطياً قبيل احتجازهم
و8 حالات جرى استدعاؤهم شفويا عبر الهاتف أو من من خلال الأهل والأصدقاء ،
في حين أكثر من نصف الحالات جرى اعتقالهم دون مذكرة استدعاء لا خطية ولا
شفوية . والجدير بالذكر أن جميع الاشخاص الذين أعتقلوا لاسباب تتعلق بنشاط
سياسي أو تهمة الانتماء لحركات معارضة لم يتسلم أي واحد منهم مذكرة إستدعاء
شفوية أو كتابية باستثناء حالة واحدة فقط .
الطرق المستخدمة في الاعتقال
معظم حالات الاعتقال لم تكن تتم حسب الاصول ووفقا للقانون فكثير من عمليات
الاعتقال كانت تجري خلال ساعة متأخرة من الليل وبمداهمة قوات كبيرة ومحاصرة
المنزل وأحيانا يتم اقتحام باحات المنازل والدخول الى غرفها دون استئذان
أصحابها ، والتسبب في إزعاج سكان المنطقة ، ونادرا ما يقوم الأشخاص المكلفون
بتنفيذ أوامر الاعتقال بتعريف أنفسهم على المعتقلين أو إعلامهم بسبب اعتقالهم
لحظة الاعتقال .
وفي حالات اخرى جرى اعتقال البعض من أماكن عملهم أو من خلال كمائن تنصب لهم
بالطرقات وبالقرب من أماكن سكناهم . المواطن ( ت. ب ) من مدينة في شمال
الضفة ويبلغ 28 عاماً يقول:
"…
بينما كنت عائدا من عملي وما زلت مرتديا ملابس الشغل حيث أعمل ميكانيكيا
للسيارات حضر الى شخصا يدعى ( ر. ن ) قال لي نريدك خمس دقائق لإصلاح سيارة ،
فأجبته بأنني قد انتهيت من العمل ولا أستطيع الذهاب معك وبعد إلحاح شديد
توجهت معه ،حيث اقتادني الى سجن نابلس ومن ثم الى أحد المكاتب وأنا مازلت
اعتقد بأنه يريد مني إصلاح إحدى السيارات وإذا بأحد الحرس يقتادني لغرفة
ثانية ويصادر مني حاجياتي ، ومن ثم جرى اقتيادي الى زنزانة تحت الأرض حينها
أدركت بأنني معتقل …
" .
ولقد سجلت بعض الحالات التي جرى خلالها الاعتقال بطريقة ارتجالية من قبل
أفراد يمثلون أجهزة أمنية وخصوصا في حالات الاعتقال لأسباب انتقامية أو
إساءة استخدام الصلاحيات من قبل الاشخاص المكلفين بإنفاذ القانون .كما هو
الحال مع الصحفي "د . د . د" الذي ابلغ شفويا بأمر الاستدعاء من
قبل جبريل الرجوب قائد الامن الوقائي في الضفة الغربية حينما التقاه الاخير
في مطعم في احدى مدن الوسط وجرى تعذيبه بتهمة الاساءة لجبريل الرجوب من خلال
احد التقارير الصحفية التي نشرت خارج البلاد .
عدد من الحالات أعلموا في لحظة الاعتقال بأنهم مطلوبون الى قيادة الجهاز لمدة
خمس دقائق فقط وسيجري اعادتهم فورا ، ثم تبين لاحقا بأن بعضهم أمضى اسابيع
وأشهراً رهن التحقيق والاعتقال . هذ1 ولم تخل طرق الاعتقال المستخدمة من قيام
أفراد الوحدة المنفذة للاعتقال بإحتجاز أفراد من أسرة المتهم كرهائن الى حين
قيام المتهم بتسليم نفسه.
(أ
. ب ) البالغ من العمر 63 عاما أحتجز برفقة ولديه (ر . 29 عاماً ) و(ج 22
عاماً ) من سكان احدى قرى قضاء رام الله لمدة 4 ساعات ليلا وتم التنكيل
بأحدهم وهو رياض الى ان قام شقيقهما المطلوب لجهاز الامن الوقائي بتسليم نفسه
:
"
…فور
وصولي المنزل شاهدت أفرادا من جهاز الامن الوقائي يحتجزون والدي المسن 63
عاماً وهو رجل مريض بالضغط والقلب ، اضافة لشقيقي (ج . 22 عاماً) في سيارة
عسكرية للامن الوقائي كل منهما كان جالسا في مقعد تحت حراسة مشددة ، اجبرت
انا ايضا على الصعود للسيارة وجرى احتجازنا كرهائن الى إن قام شقيقي (ص)
بتسليم نفسه بعد اربع ساعات من التنكيل المتواصل بي …".
أين تكمن قانونية الاعتقال ؟
هل المتهم برئ الى أن تثبت إدانته أم أنه مدان الى أن تثبت براءته ؟
جميع
الحالات التي قابلناها لم تقدم لائحة اتهام ضد أيّ منهم ، ومعظمهم جرى إطلاق
سراحهم دون ثبوت أية تهم عليهم ، كما لم يمثل أي شخص منهم أمام سلطة قضائية
أو أي سلطة أخرى خلال 24 ساعة من لحظة توقيفه . في بعض الحالات وخاصة
المتهمين بقضايا مدنية وجنائية عرضوا على المدعي العام لتمديد فترة اعتقالهم
وتحرير أقوالهم بعد أسبوعين في الحد الأدنى من تاريخ الاعتقال ، في حين لم
يعرض أي من المعتقلين المتهمين بنشاط سياسي أو أمني أمام مدع عام أو محكمة
إلا فيما ندر.
إننا في المجموعة الفلسطينية ندرك التقييدات التي تفرضها الاتفاقية
الفلسطينية - الإسرائيلية بعدم محاكمة المتعاونين او حتى في عدم اعتقالهم من
الأساس ، إلا أن باقي المعتقلين وخصوصا المتهمين منهم بنشاط سياسي هم أيضا لم
تقدم ضدهم لائحة اتهام ولم يعرضوا على محكمة وإن العديد منهم ما زالوا رهن
الاعتقال الامر الذي يتنافى والمعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وخصوصا
تلك التي تحدد الأسس القانونية والحقوق الواجب مراعاتها أثناء تنفيذ أوامر
الحجز والاعتقال .
الرأي القانوني في الطرق المستخدمة أثناء الحجز أو الإعتقال
لقد حددت الاتفاقيات الدولية وكافة المواثيق والمعاهدات الدولية والإقليمية
الخاصة بحقوق الإنسان أسسا قانونية واجباً اتباعها خلال أعمال الحجز أو
الاعتقال . فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 ، والوثيقة
الخاصة بالقواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء التي تبناها المجلس
الاقتصادي والاجتماعي التابع للامم المتحدة في تموز عام 1957 ، والعهد
الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966 ، والقرار الصادر عن
الجمعية العامة التابعة للامم المتحدة عام 1988 ، جميعها وضعت معايير محددة
تتعلق بحماية الاشخاص الذين يتعرضون لاي شكل من أشكال الحجز أو الاعتقال .
فقد نصت المادة 9 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان على انه :
"يعترف بحق كل
انسان في عدم التعرض للقبض عليه أو حجزه أو نفيه تعسفًا " .
في حين نصت المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على ان
:
1 ـ لكل فرد الحق
في الحرية وفي الامان على شخصه ولا يجوز توقيف احد او اعتقاله تعسفا . ولا
يجوز حرمان احد من حريته الا لاسباب ينص عليها القانون وطبقا للاجراء المقرر
فيه .
2 ـ يتوجب ابلاغ
اي شخص يتم توقيفه بأسباب هذا التوقف لدى وقوعه كما يتوجب ابلاغه سريعا بأيّة
تهمة توجه اليه .
وهنالك مواد اخرى تتطرق الى الاجراءات السليمة في عمليات الحجز والاعتقال مثل
المبدأ 10 و 11 من مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الاشخاص الذين
يتعرضون لاشكال الحجز والاعتقال والتي اكدت على ضرورة وجود مذكرة رسمية عند
القاء القبض وانه لا يجوز الابقاء على شخص رهن الاعتقال دون ان تتاح له فرصة
حقيقية للادلاء باقواله في اقرب وقت امام سلطة قضائية او سلطة اخرى
…
ويكون للمحتجز الحق في مساعدة محام في الطريقة التي يحددها القانون وتزويده
هو او محاميه بمعلومات كاملة عن أية امور تتعلق بالاحتجاز واسبابه .
أما المبدأ رقم 12 الصادر بموجب قرار الجمعية العامة سابق الذكر فقد نص بهذا
الخصوص :
" انه
تسجل حسب الاصول : أ ـ أسباب القاء القبض على الاشخاص . ب ـ وقت القبض ووقت
اقتياد الشخص المقبوض عليه الى مكان الاحتجاز وكذلك وقت مثوله لاول مرة أمام
سلطة قضائية أو سلطة أخرى . ج ـ هوية الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين
المعنيين . د ـ المعلومات المتعلقة بمكان الحجز . وتبلغ هذه السجلات الى
الشخص المحتجز أو الى محاميه إن وجد بالشكل الذي يقرره القانون" .
إن معظم الحالات التي يتناولها تقريرنا بالفحص والتدقيق أثبتت أن الإجراءات
المتبعة من قبل الأجهزة الأمنية الفلسطينية المختلفة خلال أعمال الحجز
والاعتقال لا تنسجم والشروط او المعايير التي حددتها المعاهدات والمواثيق
الدولية انفة الذكر فحسب ، وإنما تتخطاها مخالفة بذلك القوانين المعمول بها
محليا وهي قانون اصول المحاكمات الجزائية من القانون الاردني لعام 1961
الساري المفعول في الضفة الغربية وقانون اصول المحاكمات الجزائية لعام
1924 الساري المفعول في قطاع غزة .
فقد نصت المادة 111 (1) من القانون الاردني السابق الذكر على ان "للمدعي
العام في دعاوى الجنحة ان يكتفى باصدار مذكرة حضور على ان يستبدلها بعد
استجواب المشتكى عليه بمذكرة توقيف اذا اقتضى التحقيق ذلك"
. وتشير المادة 115 من نفس القانون الا انه "يوقع
على مذكرات الدعوى والاحضار والتوقيف المدعي العام الذي اصدرها ويختمها بخاتم
دائرته ويذكر فيها اسم المشتكى عليه وشهرته واوصافه المميزة بقدر الامكان
ونوع التهمة"
، وفي نص المادة 117 "يجب
ان يبلغ المشتكى عليه بمذكرات الحضور والاحضار والتوقيف ويترك له صورة عنها"
.
اما قانون اصول المحاكمات الجزائية (القبض والتحري) لعام 1924 فقد نصت
المادة 10 ( 1 ) منه :-
"
يقتضى إحضار المقبوض عليه بموجب مذكرة قبض ، أو المقبوض عليه دون مذكرة قبض ،
والموقوفين بمقتضى المادة 3، أمام حاكم الصلح خلال ثمان وأربعين ساعة من حين
القبض عليه .. وإذا لم يؤت بالشخص المقبوض عليه أمام حاكم الصلح خلال هذه
المدة فيفرج عنه "
أما عن نص المادة الثالثة من نفس القانون فيشير الى أنه :
"
يجوز لاي مأمور بوليس أن يقبض بلا مذكرة قبض على أي شخص : (1 ) إذا صدر أمر
من حاكم صلح بالقبض عليه بمقتضى المادة 6 أو
(ب) إذا كانت لديه أسباب معقولة تحمله على الاعتقاد
بانه ارتكب جناية ، أو (ج) إذا ارتكب بحضوره أو مؤخرا جرما يستوجب عقوبة
الاعدام أو الحبس مدة تزيد على ستة أشهر ..." .
وتجدر
الإشارة الى أن مدير عام الشرطة العميد غازي الجبالي وبناء على قرار من
الرئيس ياسر عرفات كان قد أصدر في 20 / 5 / 1994 تعميما يقضي بسريان القوانين
والأنظمة والأوامر التي كانت سارية المفعول قبل تاريخ 5 / 6 / 1967 وبموجب
ذلك يكون قانون اصول المحاكمات الجزائية الاردني لعام 1961 وقانون المحاكمات
الجزائية لعام 1924 سابقي الإشارة معمولا بهما في الأراضي الفلسطينية .
على
اي حال فإن المخالفات التي ترتكبها الأجهزة الأمنية الفلسطينية لا تقتصر
علىالقانون الدولي لحقوق الإنسان ولا على القوانين المحلية المعمول بها فحسب
، وإنما هي تتناقض تماما والتوجهات التشريعية المنصوص عليها في مشروع النظام
الدستوري الفلسطيني للسلطة الوطنية الفلسطينية للمرحلة الانتقالية الوارد
ذكرها في فصل الحقوق والواجبات الأساسية ، التي تشير إلى الإجراءات القانونية
السليمة في عمليات الاحتجاز والاعتقال ، فتنص المادة 12 منه على :
"ان
الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مكفولة لا تمس وفيما عدا حالة التلبس لا يجوز
القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد أو منعه من التنقل
الا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع الفلسطيني ، ويصدر هذا
الامر من القاضي المختص أو النيابة العامة وذلك وفقا لأحكام القانون ويحدد
القانون مدة الحبس الاحتياطي " .
وتنص
المادة 14 من نفس المشروع على أنه :
"
يبلّغ كل من يقبض عليه أو يعتقل بأسباب القبض عليه أو اعتقاله ويجب اعلامه
سريعا وبالتفصيل بلغة يفهمها بطبيعة التهمة الموجهة إليه وأسبابها وان يعطي
من الوقت ومن التسهيلات ما يكفيه للاتصال بمحام يختاره بنفسه وان يقدم
للمحاكمة دون تأخير" .
|