|
.
·
قمع الحريات الذي أعقب اغتيال محيي الدين الشريف
1.
الرأي والتعبير:
" الصحافة والطباعة حرتان وحرية الرأي مكفولة لكل فلسطيني، وله أن يعرب عن
رأيه بحرية قولاً وكتابةً، وتصويراً، ورسماً في وسائل التعبير والإعلام"
"المادة (2) من قانون المطبوعات والنشر
الفلسطيني الصادر سنة 1995"
لكل إنسان حق في حرية التعبير. يشمل هذا الحق التماس مختلف ضروب المعلومات
والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود سواء بشكل مكتوب أو
مطبوع أو في قالب فني أو بأي وسيلة أخرى يختارها"
"المادة 19 (2) العهد الدولي الخاص
بالحقوق المدنية والسياسية"
حدث انفجار مساء يوم 29 آذار 1998، وبعد يومين أعلن أن الجثة التي وجدت تعود
لقائد كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة "حماس" محيي الدين الشريف. مئات
القصص والتقارير كتبت في هذا الخصوص، وفي تقريرنا هذا لن نتطرق لمناقشة القصة
الحقيقية لحادث الانفجار واستشهاد الشريف لأن ذلك ليس من اختصاصنا من ناحية
ولأن التحقيق لم يكتمل بعد في هذه القضية.
إن السلطة مرتبكة، ولا تتبنى موقفاً محدداً يردده جميع مسؤوليها، بل على
العكس إذ يدلي هؤلاء المسؤولون بتصريحات وقصص متناقضة للحادث، هذا الارتباك
دفع السلطة ليس فقط إلى عدم قبولها بأي رأي آخر بل وقمعه في بعض الأحيان.
وقد سجلت العديد من الانتهاكات التي قامت بها السلطة لقمع حرية الرأي
والتعبير، متذرعة بحجة إثارة الفتنة والعصبية بين أبناء الشعب الفلسطيني ومن
هذه الانتهاكات:
·
في منتصف ليلة 7/4/1997، داهمت قوة من الشرطة الفلسطينية منزل الشيخ عبد الله
الشامي الناطق باسم حركة الجهاد الإسلامي في حي الشجاعية في مدينة غزة
واعتقلته، وتم التحقيق معه حول خطبة العيد، التي تطرقت إلى استبعاد اغتيال
الشريف على يد رفاقه حيث قال "لمصلحة من يتم تبرئة الاحتلال من دم الشهيد
الشريف". كما تحدث الشامي في خطبته عن العذاب الذي يلاقيه المعتقلون
الفلسطينيون في السجون الفلسطينية، والذي لا يقل عن التعذيب الذي يواجه
إخوانهم المعتقلين في السجون الإسرائيلية. وخلال التحقيق معه هدد المحقق طلال
أبو زيد، الشامي قائلاً " أن من يتطاول على السلطة سيقطع لسانه"، وكان الطيب
عبد الرحيم أمين عام الرئاسة قد صرح أن اعتقال الشامي يعود إلى تحريضه على
السلطة الفلسطينية. وقد أطلق سراح الشامي بتاريخ 12/4/1998.
·
مساء يوم 9 نيسان 1998 قامت الشرطة الفلسطينية- قسم المباحث الجنائية-
باعتقال الصحفيين الغزيين الخمسة العاملين في وكالة "رويتر" وهم: طاهر شريتح،
نضال المغربي، أحمد جاد الله، شمس شناعة، وسوداح أبو سيف، ولدى إحضار
الصحفيين إلى شرطة غزة طُلب منهم التوقيع على تعهد بعدم ممارسة العمل وعدم
"إثارة الفتنة والعصبية" غير أن الصحفيين رفضوا ذلك. وبعد تدخل نقيب الصحفيين
في غزة زكريا التلمس، استمرت المفاوضات حتى الساعة الثانية من صباح 10 نيسان
1998، حيث تم الاتفاق على أن يوقع الصحفيون على تعهد بتحري الدقة في العمل،
وعدم إرسال الأخبار إلا بعد التأكد من عدم تعارضها مع قانون المطبوعات
الفلسطيني ، ومراجعة إدارة المباحث العامة فور الطلب، وتحمل المسؤولية
القانونية في حال مخالفة هذا التعهد الذي وقع عليه خمستهم.
- وبتاريخ 9 نيسان 1998، قامت قوة من الشرطة بإغلاق مؤقت لمكتب "رويتر"
الواقع في برج الشوا والحصري في مدينة غزة ولمدة ثلاثة أشهر، وذلك على خلفية
اتهام "رويتر" بتوزيع شريط فيديو يحوي مقابلة مصورة مع عادل عوض الله الذي
اتهمته السلطة بالمشاركة في اغتيال محيي الدين الشريف.
وقد أعيد فتح المكتب يوم الأربعاء 15 نيسان 1998. إذ حضر ضباط كبار من الشرطة
برفقة زكريا التلمس نقيب الصحفيين في غزة وتوفيق أبو خوصة نائبه إلى مكتب
"رويتر"، وأعادوا فتحه.
- بتاريخ 12 نيسان 1998، استدعت أجهزة المخابرات الفلسطينية، كلاً من
الصحفيين ماجد العاروري الذي يعمل مصوراً في وكالة "الأسوشيتدبرس"، وعباس
المومني والذي يعمل مصوراً في وكالة "رويتر" للتحقيق معهما حول حصولهما على
شريط الفيديو الذي يحوي مقابلة مصورة مع عادل عوض الله. استمر التحقيق ساعتين
ثم أطلق سراحهما. [وقد ذكر المومني أن شخصاً اتصل به وأخبره عن الشريط
الفيديو، وأن بإمكانه الحصول عليه في مكان معين في رام الله، وفعلاً ذهب
المومني وحصل على الشريط، ثم نقله إلى مقر الوكالة في القدس.]
بتاريخ 5/5/1998 قام اثنان من أفراد المخابرات العامة باعتقال عباس المومني
الساعة التاسعة صباحاً من مكتب صحفي في عمارة طنوس في مدينة رام الله ، حيث
كان في زيارة لأحد زملائه . وقد طلب الرجلان المسلحان من المومني اصطحابهما
دون أن بيرزا أي اعتقال رسمي قائلين " نريدك معنا قليلاً " وقد عرفا على
نفسهما بأنهما من المخابرات العامة ( من إفادة أحد الصحفيين للمجموعة
الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان بتاريخ 10/5/1998 )
وبتاريخ 10/5/1998 فجراً ، فر المومني من سجنه في مبنى المخابرات العامة في
مقاطعة رام الله إثر التعذيب الشديد الذي تعرض له ، وكان المومني قد قفز من
مكان عال في سجن المخابرات ، مما أدى إلى كسر في رجله ، وتوجه المومني الساعة
السابعة صباحاً إلى مستشفى رام الله للعلاج ، ثم ترك المستشفى متوجهاً إلى
بيت عمته في قرية الجيب قضاء رام الله .
ويقول جعفر المومني شقيق عباس " لم اصدق ما رأيت من آثار التعذيب على جسد أخي
الذي كسرت رجله جراء القفز من الطابق الثالث ، إضافة إلى تشوهات في وجهه
ورضوض في رقبته " . ( صحيفة الرسالة في 14/5/1998 )
لم تنشر الصحف اليومية " القدس " ، " الحياة الجديدة " و " الأيام " نبأ
اعتقال المومني ، وقد نشرت " الأيام " ديانا مرضي لدى سؤالها عن سبب عدم نشر
صحيفة " القدس " ماهر الشيخ لمراسلة صحيفة " الصبار " " نحن في صحيفتنا لا
ننشر أخباراً من هذا النوع " وحين سئل أي نوع يقصد ؟ قال " الأخبار المتعلقة
باعتقالات السلطة الفلسطينية " ولدى استفسار المراسلة عن السبب قال الشيخ "
لأننا نخاف ، نخاف من السلطة " .
وقد تم إلقاء القبض على المومني ظهر نفس يوم فراره 10/5/1998 ، بعد أن اصطحب
أفراد المخابرات العامة شقيق المومني جعفر إلى كافة منازل أصدقاء وأقرباء
عباس ، والتي أحدها منزل عمته حيث وجدوا عباس هناك ، ويقول جعفر " اصطحبني
رجال المخابرات العامة إلى بيوت جميع أقاربنا ومعارف أخي عباس ، وأخيراً
وجدناه في بيت عمتي في قرية " الجيب " ... سمح لي الظرف بأن أجلس مع عباس
وأعيده لأفراد جهاز المخابرات الذين كانوا بصحبتي آنذاك رغم صعوبة وضعه الصحي
" . ( صحيفة الرسالة 14/5/1998 )وقال مصدر أمني فلسطيني أن عباس المومني
موقوف لحين إجابته على بعض استفسارات هذه الأجهزة " إذا لم يتم ثبوت تورطه في
القضايا التي استدعي بسببها فسيتم إطلاق سراحه " ومن هذه القضايا أن يكون هو
الذي صور مقابلة عادل عوض الله . ( جريدة " الأيام " 11/5/1998 ) .
من إفادة عباس المومني للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان
بتاريخ 16/5/1998
" قام أحدهم بتقييد يداي للخلف بكلبشات معدنية ، وكذلك جرى تقييد رجلاي أيضاً
بكلبشات معدنية وأمر مسؤول التحقيق الذي عرفت أنه يدعى ( أبو العبد ) بأن يتم
اقتيادي خارجاً وبالفعل تم اقتيادي إلى غرفة كبيرة المساحة 4×4 م2 في سقفها
بكرات للرفع ، عصي ، أسلاك مجدولة ، عصي خيزران وحبل ، وفي الغرفة شباك واحد
مغلق وفور إدخالي للغرفة قاموا بربط قدماي بواسطة جنزير معدني متصل مع البكرة
في السقف ، وقاموا برفعي بحيث أصبح رأسي للأسفل يكاد يلامس شعري أرض الغرفة
وقدماي لأعلى ، ثم قام أربعة من المحققين بضربي مستخدمين الأسلاك والعصى على
مختلف أنحاء جسمي باستثناء الرأس ، وبعد نصف ساعة من الشبح والضرب المتواصل
أنزلوني ونقلوني إلى غرفة مجاورة ، وغمروا جسمي في مياه داخل بانيو لمدة خمس
دقائق ، ثم أعادوني مرة ثانية للشبح والضرب بنفس الطريقة يتخللها أسئلة
استجواب مع توجيه الشتائم البذيئة ، واستمر الوضع على هذا المنوال لمدة ثلاثة
أيام متواصلة بحيث أتعرض للشبح بالسقف بواسطة البكرة لمدة نصف ساعة مع الضرب
ومن ثم التغطيس بالمياه الباردة خمس دقائق ثم يتم إعادتي للشبح وهكذا دواليك
خلال الأيام الثلاثة الأولى ، ولم أذوق طعماً للراحة أو النوم ، باستثناء
لحظات تناول وجبات الطعام والبالغة وجبة واحدة في اليوم فقط ولمدة عشر دقائق
. وخلال الأيام الثلاثة هذه أصبت بحالات إغماء حوالي 8 – 10 مرات ، وفي كل
مرة أستيقظ والمياه تنسكب على وجهي وجسمي وبعد استيقاظي يتم إعادتي للتعذيب .
في اليوم الرابع نقلت إلى زنزانة لوحدي مساحتها 1,5 × 1,5 م2 بداخلها فرشة
وبطانية ، وتركت في الزنزانة بدون كلبشات ، وطوال هذا اليوم لم أتعرض لجولات
تحقيق وقدمت لي ثلاث وجبات طعام ، كذلك استطعت النوم ، وحوالي الساعة العاشرة
صباح اليوم الخامس تم إعادتي إلى قسم التحقيق وأدخلت إلى غرفة مرحاض وتم
تقييد يدي اليمنى بإحدى حلقات الكلبشة المعدنية والحلقة الثانية تم رفعها
وربطها بطاقة ( نافذة صغيرة بأعلى المرحاض على ارتفاع حوالي 240 – 250 سم ،
بحيث يصبح جسمي مرفوعاً وفقط مقدمة أصابعي تلامس الأرض ، وفي والوقت نفسه
تكون نيجرة الحمام فاصلة ما بيني وبين الحائط ، بحيث لا أستطيع الاتكاء بجسمي
عليه ومكثت مشبوحاً بهذه الطريقة من العاشرة صباحاً لغاية الساعة الواحدة ظهر
اليوم التالي ( أي اليوم السادس ) وبعدها قدمت لي وجبة طعام أي بعد حوالي 27
ساعة متواصلة دون أي وجبة طعام ، وحينما كنت أطلب ماءً للشرب كان المحقق يسكب
المياه في فمي ، بعد تناولي وجبة الطعام في اليوم السادس أعدت إلى المرحاض
وتم شبحي بطريقة ثانية بحيث أرغمت على الوقوف تجاه الحائط ويداي مقيدتان
للخلف ، واستمر شبحي على هذا الحال حتى الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي
( أي السابع ) وبعدها نقلت إلى الزنزانة مكثت فيها إلى الخامسة مساءً ، ثم
أعادوني إلى مكتب التحقيق الذي أدخلت إليه لحظة اعتقالي ، قدمت لي فرشة قمت
بالإستلقاء والنوم عليها ، وحوالي الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف
الليل ، وبينما لم يكن أحداً من المحققين
متواجداً قمت بالقفز من نافذة الغرفة بعد أن نزلت بواسطة ماسورة مجاري مجاورة
للنافذة لمسافة قريبة على الأرض وقفزت من ارتفاع حوالي ستة أمتار ، ونتيجة
ارتطام قدماي بالأرض شعرت بإصابة في ساقي اليسرى ، لكني تمالكت نفسي واستطعت
المسير لمسافة 200 م من المقاطعة ودخلت إلى إحدى حظائر الغنم المجاورة
للمنطقة ، مكثت بداخلها حتى السابعة صباحاً ومن ثم قام أحد المواطنين بنقلي
إلى مستشفى رام الله ، وهناك أدخلت إلى غرفة الطوارئ ، وأجريت لي فحوصات
سريرية وشعاعية ، وتبين وجود كسرين أحدهما في كعب القدم اليسرى والثاني في
مشط القدم اليسرى ، وقام الطبيب المناوب بوضع الجبس على القدم اليسرى ، ثم
طلبت سيارة متوجهاً إلى منزل دار عمتي الكائن في قرية الجيب قضاء رام الله ،
وحوالي الثانية بعد الظهر حضر رجال المخابرات يرافقهم شقيقي وأعادوا إلقاء
القبض علي ونقلوني إلى قسم المخابرات في مقاطعة رام الله ، وأعادوا التحقيق
معي دون ضرب أ, شبح وتعرضت لثلاث جولات من التحقيق على مدار ثلاثة أيام أخرى
، وبعدها توقف التحقيق وأمضيت هذه الأيام في أحد المكاتب ، واختلفت معاملتهم
لي حيث كانوا يقدمون لي وجبات الطعام ويسمحون لي بالنوم .
وفي اليوم التاسع لاعتقالي سمح لي بالزيارات ، وفي اليوم الحادي عشر الموافق
14/5/1998 أطلق سراحي الساعة العاشرة ليلاً فيما كان مندوبو " رويتر " في
زيارتي ، وذلك بعد التعهد شفوياً بعدم التصريح بأية أقوال حول الحادثة .
صحيفة "الجيروساليم بوست" نشرت أقوالاً على لسان د.عبد العزيز الرنتيسي لم
يدل بها:
·
نشرت صحيفة "الجيروسالم بوست" الإسرائيلية الناطقة باللغة الإنجليزية مقابلة
مع الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الناطق الرسمي باسم حركة "حماس"، وحسب ما نشر
في المقابلة فقد اتهم د.رنتيسي الأمن الوقائي بأنه وراء مقتل الشريف. وأن
أفراداً من الأمن الوقائي كانوا قد اعتقلوا الشريف وقاموا بتعذيبه حتى الموت،
ثم فجروا الجثة حتى يتخلصوا من الأدلة التي تشير إليهم.
وقد استدعي الصحفي محمد نجيب الذي يعمل مراسلاً للصحيفة والذي قام بمقابلة
الرنتيسي للحضور بتاريخ11نيسان 1998، إلى مقر جهاز الأمن الوقائي في أريحا،
وقد أخلي سبيل نجيب في نفس اليوم بعد أن سلمهم شريط التسجيل الذي يحوي مقابلة
الرنتيسي، والتي لا يتطرق فيها بأي شكل لما ورد بالخبر.
تذرع السلطة في هذه الانتهاكات بالحفاظ على "عدم إثارة الفتنة والعصبية بين
أبناء الشعب الفلسطيني"، هي حجة واهية، إذ أن تعدد وجهات النظر المطروحة لا
يثير الفتنة بل يعزز الديمقراطية وأسس المجتمع المدني، وتخلق شعباً واعياً
حراً في اختيار وجهة نظره.
2.
الحرية الأكاديمية
إن دور المؤسسات الأكاديمية لا يقتصر على الدور الأكاديمي فقط بل يتعداه إلى
الاجتماعي والسياسي وغيرها. وهذه الأدوار جميعاً مهمة جداً لبناء شخصية
الطالب الجامعي، ومساعدته في بناء شخصيته الاجتماعية والأكاديمية والسياسية
حسب رغبته. ولذلك من المفترض أن تعطى الجامعة الحرية الكاملة دون أي تدخل أو
ضغط خارجيين والذي سيكون بمثابة تشويه للبناء الذي تقوم فيه هذه الجامعات.
إثر استشهاد الشريف، قام الطلاب في بعض الجامعات بنشاطات ومهرجانات حول هذه
القضية. ولكن تم قمع هذه النشاطات واعتقال القائمين عليها من قبل الأجهزة
الأمنية الفلسطينية. ولم يكن هذا الانتهاك الوحيد للحريات الأكاديمية بل هناك
انتهاك خطير آخر وهو قيام الطلبة العاملين في الأجهزة الأمنية بملاحقة
زملائهم النشيطين من الطلبة وتهديدهم داخل الحرم الجامعي والعمل كوسيط لنقل
الرسائل بينهم وبين الأجهزة الأمنية، والتنافس بين هؤلاء العاملين في الأجهزة
الأمنية بإقناع نشيطي الحركة الطلابية بتسليم أنفسهم كلٌ للجهاز الذي ينتمي
إليه.
|