تعريف المجموعة   -  بيانات صحفية - الرقــيب -  مصادر و مراجع -  روابط ذات صلة - الصفحة الرئيسية

العدد الخامس ، كانون الاول 1997

الوفاة في السجون الفلسطينية مثال للتعسف ، اللاشرعية والحصانة

صدر في شهر كانون الاول  1997 ، القدس - فلسطين

6. تقديم المذنبين للمحاكمة

محاسبة أم إعطاؤهم الحصانة ... ؟!                           

مقدمة

إن موضوع معاقبة المسئولين عن الوفاة في السجون هو أمر في غاية الأهمية. وإن مفهوم العدل لا يكتمل إلا إذا شمل على عقاب للذين يرتكبون الجرائم. لقد توصلنا نحن في المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان ومجموعات حقوق إنسان أخرى إلى أن التعذيب يستخدم بشكل كبير وواسع في مراكز توقيف السلطة. في معظم حالات التعذيب التي لا يتوفى فيها السجين بسبب التعذيب، لا يعاقب المذنبون، ولا تنشر القضية. وهذا يترك الضحية دون دفاع ويمنح الذي قام بالتعذيب الحصانة.

في الحالات التي يتوفى فيها الضحية المعذب ، ولا تتمكن السلطة من كشف طبيعة الجريمة، فانها مرغمة على تقبل المسؤولية. في إثنتين من هذه القضايا كانت المحكمة مفتوحة للجمهور. بالرغم من أن هذه القضايا أدت إلى السكوت عن أمور أخرى، وتركت العديد من الأسئلة دون إجابة. والغموض الذي يحيط بارتكاب القتل لم يوضح، والمسئولية عن القتل لم تتبع حسب سلم الرتب.

إن وجود الإجراءات المناسبة ونشر التحقيقات لا يقل أهمية عن المحاكم التي تعد لمعاقبة المذنبين. إن إثنين من هذه القضايا (محمود الجميل وناصر رضوان) عقدت محاكم علنية ، ولكن العقاب بحد ذاته لا يحل القضايا العميقة التي تحيط بوفاتهم. ولهذا السبب فإن المحاكم غير كافية لأنها لا تشمل التحقيق بكافة أبعاده (إذ أنها توثق فقط الإفادات في المحكمة ولا تتطرق إلى أمور لا تذكر في المحكمة والتي عادةً ما تحتاج إلى بحث متعمق)، هناك حاجة لوثائق متكاملة للقضية. في العديد من الأحيان يصرح المسؤولون بعد حدوث الوفاة بأنه سيتم معاقبة المتهمين، في بعض الأحيان نتمكن من جمع معلومات حول المحاكم التي تعقد، ونتمكن من معرفة الأحكام بحق المتهمين. وفي أحيان أخرى نسمع عن اعتقال بعض المتهمين والتحقيق معهم، ولا نتمكن لاحقاً من معرفة إذا تمت محاكمة هؤلاء الأشخاص أم لا، إذ لا يوجد متابعة لهذه الأمور من قبل السلطة، ففي محاولات متكررة للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان مع النائب العام، المدعي العام لمنطقة رام الله ولجنة الرقابة والحريات العامة وحقوق الإنسان في المجلس التشريعي إلا أننا لم نحصل على المعلومات الخاصة بالتحقيق مع المتهمين ومحاكمتهم في الحالات الست عشرة للوفاة في السجون الفلسطينية.

إن محاكمة المذنبين يجب أن تكون جزءاً من نمط للتصرف والذي يشمل محاكمات عادلة، تحقيق تنشر نتائجه علنياً، وتحديد كل المتهمين وليس فقط الأشخاص ذوي الرتب المنخفضة.          

بعض المحاكمات كانت قد عقدت في محاكم عسكرية خاصة، حتى تتميز عن المحاكم العسكرية العادية ومحاكم أمن الدولة. إن المحكمة العسكرية الخاصة على حد معرفة المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان، تعمل كجزء لا يتجزأ من النظام القضائي العسكري باستثناء أمر واحد هو أن المحكمة تعقد نتيجة أوامر عليا، -عادةً من الرئيس عرفات- وليس كنتيجة لعمل المدعي العسكري أو أعوانه . أما محاكم أمن الدولة فقضاتها ضباط وليسوا قضاة مدنيين، وهي تعمل بشكل مختلف عن المحاكم العسكرية العادية والخاصة. وقد استنكرت مؤسسات حقوق الإنسان الدولية والمحلية إنشاء محكمة أمن الدولة.

 

لازال يكتنفه الغموض : محمود الجميل

لقد اعتقل محمود الجميل في 18 كانون الأول 1995، وتم توقيفه هو وآخرين من قياديي صقور "فتح" في سجن أريحا وهم أخوه مؤيد، ناصر جمعة وأحمد طبوق . في 26 تموز 1996 نقل الجميل إلى الشرطة البحرية في نابلس للتحقيق. وفي نفس الليلة تم تعذيبه بشدة، مما أدى إلى إدخاله المستشفى. وتوفى بعد ذلك بثلاثة أيام.

وفي المحكمة أتهم ثلاثة أشخاص بتعذيب الجميل : النقيب عبد الحكيم ظاهر حجو، الملازم أول عمر عبد الله القدومي، والرقيب خالد أحمد اللبدي (جريدة القدس 3/8/96) وخلال المحكمة قال المتهمون أنهم استجوبوا الجميل حول بيع وشراء أسلحة وإعادة تفعيل صقور فتح مجدداً.

وقد عقدت المحاكمة في محكمة أمن الدولة بعد ثلاثة أيام من وفاة الجميل في المستشفى. وكان المدعي العسكري في المحكمة هو أحمد البشتاوي، ومحامي الدفاع النقيب محمد يونس. وخلال مقابلة صحفية معه، صرح رئيس جهاز المخابرات أمين الهندي أنه يرفض الانتقادات الموجهة لمحكمة أمن الدولة بأنها تعقد بسرعة بعد الحدث، مما لا يتيح الفرصة للمتهمين بتحضير الدفاع المناسب، معللاً ذلك بأن مؤسسات حقوق الإنسان ستنتقد السلطة إذا لم تتصرف بسرعة، وستتهمها بالتباطؤ. (صحيفة هآرتس 5 آب، 1996).

سأل رئيس القضاة أثناء المحاكمة عن سبب تدخل شرطة البحرية بهذا التحقيق. فأجاب النقيب حجو أنه لا يستطيع أن يجيب على هذا السؤال، لأنه كان ينفذ الأوامر فقط، وأن هذا السؤال يجب أن يوجه إلى مسؤوليه. ولكن هذا التوجه في الأسئلة لم يستكمل. عائلة الجميل من جانبها تؤكد معرفتها للأسباب الكامنة وراء وفاة إبنها، فقد أخبر والد الجميل الصحفيين "أنه [الجميل] عرف أكثر من اللازم" ويعود ذلك إلى نشاطات حدثت خلال الانتفاضة ومعلومات حول شخصيات مركزية في السلطة الآن.     

أما الأشخاص الذين اعتقلوا مع الجميل فكان مصير كل منهم مختلفاً عن الآخر، فحين أطلق سراح ناصر جمعة (صديق محمود الحميم) بعد عدة أشهر من وفاة محمود ترك فلسطين وسافر خارجاً، أما مؤيد أخ محمود فقد تم إطلاق سراحه بصفقة مع الأب، مقابل التعجيل بجنازة الجميل (السلطة أرادت الإسراع بالجنازة حتى تتوقف الجماهير عن المظاهرات والإضطرابات التي اندلعت إثر وفاة الجميل). وأحمد الطبوق، الشخص الشهير بإطلاق الرصاص على الأرجل أثناء الانتفاضة كأسلوب رادع وتأديبي للأشخاص الذي يرتأي أنهم بحاجة لذلك، الذي تم إطلاق سراحه من السجن في شباط 1997. قد أخبر الصحفي خالد أبو طعمة أنه يعمل في جهاز الأمن الوقائي وأنه سيتم ترقيته قريبا لمنصب رفيع في هذا الجهاز. وكان هذا مناقضاً لما تحدث به جبريل الرجوب مسؤول الأمن الوقائي الذي كتب رسالة إلى " بتسيلم " (منظمة حقوق إنسان إسرائيلية)، عام 1995 ذكر فيها :  " أن أحمد الطبوق ليس ضابطاً في صفوف الأمن الوقائي ، ولم يكن في الماضي ، ولن يكون في المستقبل" (هذه الرسالة عقب فيها الرجوب على التقرير الذي نشرته منظمة " بتسيلم " وتضمن معلومات حول التحاق الطبوق بجهاز الأمن الوقائي) .

 أغلق ملف قضية الجميل رسمياً. نحن نعلم الأشخاص الذين عذبوا الجميل حتى الموت ونعلم كذلك أنهم لازالوا في السجن.ولكن التحقيق المتكامل هو وحده الذي يثبت صحة أو بطلان شكوك والده، وكيف يفسر سبب نقل الجميل إلى سجن الشرطة البحرية بعد عدة أشهر من توقيفه الامحدود .  ما هو جــوهر الفضيحة التي أدت إلى وفاته ؟  اما زميله ناصر جمعة فقد تم تعذيبه بشدة مما اضطره بعد اطلاق سراحه الى مغادرة البلاد ، والوعد المقدم لأحمد طبوق بمنصب رفيع في جهاز الأمن الوقائي . اذ كان من المفروض عقد المحكمة بعد الانتهاء من التحقيق الشامل من قبل جهة رسمية لا تأتمر بإمرة الأجهزة أمنية. إن الأشخاص الذين أمروا الشرطة البحرية بالتحقيق مع الجميل يجب أن يكونوا بالمحكمة أيضاً للإجابة على هذه الأسئلة.

 

الأسئلة المجابة : ناصر رضوان

اعتقل أفراد القوة 17، حرس الأمن الرئاسي، ناصر رضوان في 23 حزيران 1997.  وعذب بشدة مما أدى إلى حدوث كسر في الجمجمة، رقد بعدها في المستشفى أسبوعاً قبل وفاته في 30 حزيران 1997. والقصة في اعتقال رضوان تعود إلى أن أحد ضباط القوة 17 أراد تلقينه درساً بعد أن قال لزوجته بأن عليها أن تحتشم لدى خروجها من البيت.

أثناء رقود رضوان في المستشفى، حددت السلطة المسؤولين عن وفاته، وعقدت محكمة عسكرية لمحاكمتهم في 3 تموز 1997ترأس المحكمة العقيد إبراهيم الشافي وعضو أيسر محمد الجعيدي، وعضو أيمن إبراهيم الهدهود. كان المتهمون الرئيسيون هم العقيد محمد فتحي فريحات (المعروف بأبو ناصر)، رقيب أول محمود زايد، ورقيب أول وائل غانم اتهموا بالتسبب بالموت باستخدام العنف  (بضرب رأسه بالحائط) و "إثارة الجماهير" ضد السلطة الفلسطينية (المادة 384 فقرة أ ، ب والمادة 165، من قانون العقوبات الفلسطيني لعام 1979.) وحكم عليهم بالموت رمياً بالرصاص.كما حكم على النقيب حسن أحمد طلالقة والجندي باسم أحمد خضربالتسبب بالموت عن غير قصد - بالاعتداء بالضرب مادة 382 أ ، ب من قانون العقوبات لعام 1979 : السجن 5 سنوات، وقد عمل المذكوران في مركز توقيف بيت حانون التابع للقوة 17 ، وتسلما ناصر دون أن يتلقيا الوثائق اللازمة لذلك. ومحمد شبات مسؤول الموقع حكم بالسجن لمدة ستة أشهر، وذلك لأنه أمر بقص شعر ناصر بطريقة مشوهة والمشاركة في ضربه. وأطلق سراح متهمين آخرين. 37 (من الأوراق الموثقة لمحاكمة رضوان).

عقدت المحكمة في محكمة عسكرية خاصة بأمر من الرئيس عرفات، بعد ثلاثة أيام من وفاة رضوان وصدر الحكم خلال جلسة واحدة فقط، ولم يلاحظ وجود أي أمور غير عادية، وكانت الجلسة مفتوحة سمح خلالها للإعلام بالتغطية الصحفية.

 

محاكمة الجناة

رشيد الفتياني

 اعتقل رشيد الفتياني في 15 كانون الثاني مع صهره سليمان جلايطة وآخرين. بعد أن اتهمهم جهاز الأمن الوقائي بالتورط في قتل أحد أعضاء حركة "حماس" والعمالة مع إسرائيل. وبقي الفتياني في السجن لمدة 23 شهراً وكان من المفروض إطلاق سراحه في 5 كانون الأول 1996. في 4 كانون الأول (يوم واحد من إطلاق سراحه)، أطلق عصام جلايطة أحد حراس سجن أريحا 13 رصاصة على الفتياني وأرداه قتيلاً.   

في نفس اليوم عقدت محكمة برئاسة المقدم مروان أبو فضة. وحكم جلايطة بالسجن مدى الحياة. وهناك قصتان وراء قتل الفتياني، الأولى أنه حدثت مشادة كلامية بين جلايطة والفتياني أدت إلى عراك، أطلق جلايطة خلاله النار على الفتياني، والقصة الثانية أن الفتياني حاول الهرب فعاجله جلايطة ب13 طلقة ، القصة الأولى ذكرت في إفادة أما الثانية فلم تؤكدها أي إفادة.

 

عزام مصلح 

عزام مصلح كان مواطناً فلسطينياً عاش في الولايات المتحدة عدة سنوات، وكان في قريته الأم عين يبرود للزيارة، حين اعتقله أفراد الأمن الوقائي في 27 أيلول، 1995.   

لم يسمح لعائلة مصلح بزيارته أثناء توقيفه. وأعاد المستشار القانوني للأمن الوقائي فهمي شبانة جثمانه إلى قريته عين يبرود، الساعة الثالثة صباحاً في 29 أيلول (بعد يومين من اعتقاله). (أنظر الفصل الخامس: إعلام العائلة عن الوفاة في السجون)

في ذلك اليوم أخبر ضابط الأمن الوقائي وكالة الأنباء الفرنسية بأن مصلح توفى نتيجة جلطة قلبية 38 (صحيفة النهار في 30 أيلول 1995). وكان مصلح متهماً بقتل إثنين. 

   بعد تدخل القنصل الأمريكي (بعد شهرين من الوفاة) أعيد فتح ملف القضية. هذا أدى إلى عقد محكمة عسكرية خاصة بأمر من الرئيس. وفي المحكمة حكم على ثلاثة أشخاص بتهمة قتل مصلح وهم: غسان حسين سالم وحكم بالسجن لمدة سبع سنوات، وعلي عبد السلام حسان أبو دية وعدنان حماد حامد أبو عيشة بالسجن لمدة سنة واحدة.39 (صحيفة النهار 30 أيلول 1995) .

 

محاكمات غير معروفة

توفيق سواركة 

اعتقل شخصان بتهمة التسبب بوفاة سواركة وهما برتبة مقدم ونقيب يعملان في جهاز الأمن الوقائي. وقد تم اعتقالهما في سجن تابع للاستخبارات العسكرية. المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان لم تتمكن من معرفة أسميهما أو إذا كانا قد عرضا على محكمة.

 

يوسف البابا

 إن وفاة يوسف البابا كانت ناتجة عن التعذيب طبقاً لأقوال وزيرالعدل فريح أبو مدين الذي قال "نحن الآن سنتعامل مع هذا الحدث بيد من حديدحتى تعرف جميع الأجهزة الأمنية أنها لا تستطيع اعتقال أي شخص دون اتباع الخطوات القانونية اللازمة" 40 (صحيفة هآرتس في 4 شباط 1997) وقد اعتقلت الشرطة الفلسطينية رئيس الاستخبارات العسكرية في نابلس هاني عياد بتهمة التورط بالقتل، وقد وقع الرئيس بنفسه على مذكرة اعتقاله. كما اعتقل مساعده بالإضافة إلى ممرضتن وطبيب.

 

الإعلام   

نقل أخبار، علاقات عامة، تغطية

 

إن التغطية الصحفية لأخبار الوفاة في السجون في الإعلام الفلسطيني تقتصر عادةً علىالحقائق الرسمية مع اقتباسات لمسؤولين في السلطة، وهذا يناقض دور المحقق الذي يجب أن يلعبه الإعلام. فالواحد منا يتوقع أن إعلان السلطة عن وفاه أحد المعتقلين نتيجة الانتحار، سيتم تغطيته بنشر الخبر الرسمي واقتباس من أحد أفراد العائلة الذي يقول أنه كان ضحية التعذيب أو الإهمال، كما نتوقع من الصحفيين أن يكونوا مهتمين بالكشف عن الحقيقة وتقديمها لقرائهم.   ‏

 في بعض الأحيان تحقق الصحافة هذا الهدف، على سبيل المثال بعد وفاة ناهض دحلان نشرت ثلاث صحف 42  (البلاد في 14-15 آب 1996، الأيام في  13 آب 1996 ، والنهار في 14 آب 1996) أن دحلان قد انتحر (حسب ما أعلنته السلطة) كما ذكرت أيضاً تعليق مؤسسة الضمير من خلال بيانها الصحفي الذي ذكرت فيه أن الوفاة ناتجة عن التعذيب، وطالبت بالتحقيق. هذه النوعية من التقارير الصحفية هي الإستثناء وليس القاعدة، وهي ناتجة عن البيان الصحفي للضمير وما ترتب عنه من اعتقال مدير مؤسسة الضمير محمد دهمان لمدة 15 يوماً.

ولكن بعد وفاة خالد الهبل كانت التغطية الصحفية للحادث تمثل بشكل كبير التغطية الصحفية بشكل عام للوفاة في السجون. والتالي هو ما نشرته صحيفة " القدس " عن الهبل :

"نفى أسامة علي شراب مدير عام دائرة إعلام الرئاسة. ما أذاعته وكالتاالصحافة الفرنسية ورويتر يوم 16/8 من أنباء ملفقة عن وفاة معتقل فلسطيني في ظروف غامضة في مفوضية الشرطة في مدينة رام الله في الضفة الغربية. وقال أن هذا الخبر عار عن الصحة تماماً وملفق بهدف الإساءة إلى الشرطة الفلسطينية التي تقوم بواجبها لحماية الوطن والمواطن وحماية حقوق الإنسان وكرامته."   

وإذا سأل الصحفي العائلة، فكانت ستقول له ما قالته للمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان: بأن خالد الهبل تم تعذيبه في زنزانة قريبة من الزنازين التي وضع بها أولاده، وأن صرخات الألم التي كان يصدرها كانت تسمع من مسافة ليست قريبة.

من خصائص التغطية الصحفية للوفاة في السجون أن صوت الصحفيين في التدخل والتعليق على هذه الأحداث غائب. وفي الحالات التي يذكر فيها مسؤولون في السلطة أن الوفاة قد حدثت نتيجة التعذيب، فلا يهتم الصحفيون في طرح أسئلة لمعرفة تفاصيل هذه القضية.

على سبيل المثال، في التغطية الصحفية لنبأ وفاة توفيق سواركة (27 آب 1995)، فقد كان الخبر في "القدس" عبارة عن مقتطفات مقتبسة من حديث الناطق الإعلامي بإسم الرئيس مروان كنفاني . وجميع التفاصيل التالية غير معروفة للقارئ وهي: اسم المتوفى، في أي سجن توفى، اسم الجهاز الأمني المسؤول عن وفاته، أو أي تفاصيل عن أسباب اعتقال سواركة. وذكر أن كنفاني يعترف بمسؤولية السلطة عن الوفاة، وأنه تم اعتقال المتهمين حتى انتهاء التحقيق. إن إعطاء التفاصيل الضرورية غير المذكورة لا يضر بمصلحة السلطة طالما أن السلطة اعترفت بالخطأ، ولن يحدث أسوأ مما حدث.

في حالات خالد الهبل، رشيد الفتياني، فريد أبو جربوع وآخرين، لم يعط الخبر في الصحف أي تفاصيل شخصية (مثل عمره، حالته الاجتماعية، مهنته ... ألخ) وتفاصيل أخرى تجعله ليس مجرداً بل إنساناً حياً، كما تقتضيه مهنتهم. والمستثنون في هذه القضية هم محمود الجميل، يوسف البابا، ناصر رضوان. وحتى في هذه الحالات كان التركيز على الجناة وتعليق مسؤولي السلطة حول هذا الموضوع.

في حالات فريد أبو جربوع، ناهض دحلان، محمود الجميل ، يوسف البابا، ناصر رضوان كانت التغطية الصحفية أكبر من العادة. كل منها لسبب يختلف عن الأخرى، مما يسمح بالمزيد من حرية الصحافة. فأبو جربوع كان أول حالة وفاة في السجون، عام 1994، قبل أن تتبنى الصحافة القواعد غير المكتوبة للسلطة. وفاة دحلان أخذت هذا الزخم لأنه صحبها اعتقال مديرمؤسسة الضمير محمد دهمان. والضحايا الثلاثة المذكورون آخيراً " أبرياء " بمعنى أنه لا يوجد أي أمر خاص بهم "يدعو" إساءة معاملتهم. فكان الجميل بطلاً من أبطال الانتفاضة المحبوبين في بلده نابلس، والبابا كان ضحية مجموعة من المجرمين قاموا باعمال لا علاقة لها بالأعمال العادية للأجهزة الأمنية، أما رضوان فكان ضحية خلاف شخصي، وكان معروفاً بوقاره واحترامه في المجتمع . في كل من هذه الحالات، وجدت الجماهير والصحافة أنه من " المسموح " الاعتراض وإظهار الغضب على أحداث الوفاة هذه. كما كان من المسموح للجماهير إظهار إحباطهم من السلطة بشكل عام، وسمح للصحافة بعكس هذه الصورة. وكانت التظاهرات التي حدثت بعد كل من هذه الحالات تعكس خوف الجماهير بأنه إذا تحول هؤلاء الأبرياء إلى ضحايا، فمن الممكن أن يتحول أي منهم إلى ضحية في المستقبل دون أن يرتكب أي ذنب.

في مكانة حقوق الإنسان في فلسطين 1(الرقيب # 3، أيار 1997، صفحة رقم 20)، المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان كتبت " في الأحداث والقصص المعروفة للصحفيين، والتي تشكل مشكلة حقيقية مع الأجهزة الأمنية، فإن مكتب الرئيس عرفات مسؤولين في السلطة، سيخبرون الصحيفة بتأجيل نشر القصة حتى يحل الموقف، وتنشر القصة والحل حتى تكون قصة ناجحة للسلطة". وهذا يفسر سبب تأجيل نشر أخبار الوفاة في السجون الفلسطينية من 2 إلى 7 أيام، وعادةً هذه الأخبار التي تنشر بفضل مؤسسات حقوق الإنسان والصحافة الأجنبية خلال 24 ساعة. وفي هذه الحالة يركز الخبر على الصيغة الرسمية للخبر والتي تحتاج أياماً حتى يتم صدورها. ولقد ذكرنا أعلاه حول قضية وفاة الهبل أن الاقتباس من أسامة شراب يستنكر الخبر الذي وزعته وكالة الأنباء الفرنسية ورويتر، دون ذكر ماهية الخبر.

الإعلام عادةً لا يتابع او يسأل الناطقين الرسميين حول ما حدث في التحقيق ، وعما اذا كان المعتقلون على ذمة التحقيق قد وجدوا مذنبين، أو إذا قرروا قوانين جديدة خاصة بالتحقيق.

 

 تعريف المجموعة  -  بيانات صحفية - الرقــيب -  مصادر و مراجع -  روابط ذات صلة - الصفحة الرئيسية