|
العدد الخامس ، كانون الاول 1997
الوفاة في السجون الفلسطينية مثال
للتعسف ، اللاشرعية والحصانة
صدر في شهر كانون الاول 1997 ، القدس - فلسطين
5. التعويض: هل هو شراء للصمت أم وسيلة للاعتذار ... ؟!
لقد قدم ممثلون عن السلطة الفلسطينية و الأجهزة الأمنية عروضاً
بالتعويض للعديد من العائلات.
وكانت هذه العروض تختلف بشكل كبير من حالة لأخرى، فبعضها شمل عروض عمل
ومبلغاً من المال، وأخرى قطعة أرض واعتبار المتوفى شهيداً من شهداء
الثورة الفلسطينية. ومن ناحية أخرى لم يقدم أي تعويض لبعض العائلات كما
لم يقدم أي اعتذار. وعلى الأقل في حالة واحدة طلب من العائلة أن تصمت
أو أنها ستتعرض لاعتقال فرد آخر من عائلتها.
وليس من الواضح أيضاً من المسؤول عن التفاوض في هذه الصفقات. فهؤلاء
المفاوضون يتراوحون بين مسؤولين كبار، أو ممثلين عن الرئيس عرفات، إلى
صائب عريقات، إلى النائب العام السابق خالد القدرة. وطالما أن
المسؤولية غير معروفة، لا تعرف العائلة إلى من تتوجه إذا لم تنفذ
الوعود التي وعدت بها.
تعويض غير كاف : توفيق سواركة ورشيد الفتياني
بعد أربعين رشيد الفتياني، طلبت والدته من وزير الحكم المحلي صائب
عريقات إعطاءها مصاريف الجنازة وبيت العزاء، فقدم لها 9000 شيكل. بعد
ذلك تحدثت على الملأ أنها غاضبة بسبب وفاة ابنها وأنها ستتوجه إلى لندن
لترفع قضية على السلطة هناك. علم الرئيس بذلك وطلب مقابلتها. وخلال
المقابلة اعتذر الرئيس عن وفاة رشيد، وسألها إذا كان هناك أي شيء
يستطيع أن يفعله ليرضيها، وأعطاها شيكاً بقيمة 2500 دولار يصرف في
وزارة المالية في رام الله.
إن وفاة توفيق سواركة نتيجة التعذيب في مركز اعتقال دير البلح أغضب ليس
العائلة فقط ولكن القبيلة كلها. بعد وفاته توجه 100 رجل للمستشفى لتسلم
الجثة "لقد ذهبنا إلى مستشفى الشفاء ولم يقبلوا إعطاءنا الجثة ،
فتوجهنا إلى المنتدى (مقر الرئيس عرفات ) وكنا مائة رجل، وأخبرنا
الرئيس أنه سيشرف على التحقيق مع الأشخاص الذين حققوا مع توفيق بنفسه،
وقال أنه سيعين إبن توفيق كميكانيكي في سجن السرايا. وأعطانا 3000
دولار للجنازة وبيت العزاء، وتلقينا ألف دولار أخرى من السجن. وقد
أرسلت لنا لجنة إصلاح من قبل الرئيس وعدت بإعطائنا قطعة أرض، ولكننا لم
نحصل عليها." 27 (مقابلة المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان مع
أحمد قعيص صهر توفيق سواركة في 9/8/1997)
شراء صمت: يوسف الشعراوي وسامي عبد ربه
وقعت السلطة صفقة مع عائلة يوسف الشعراوي. قامت السلطة بعمل جنازة
عسكرية ليوسف واعتبروه شهيداً، كما قامت بدفع مصاريف بيت العزاء،
ووعدوا بدفع شهرية شهيد وتعييني أنا وأخي في وظيفتين في الدفاع المدني.
وفي المقابل وقعت العائلة على عدم التعرض لقاتل يوسف أو لأي فرد من
أفراد عائلته، وكذلك عدم مطالبة عائلة القاتل بتعويض. ولكن السلطة لم
تفِ بوعودها لأنه "لم يتم توظيفي أنا وأخي في الدفاع المدني، كما أنهم
لم يعطونا شهرية الشهيد"28 (المقابلة التي أجرتها المجموعة الفلسطينية
لمراقبة حقوق الإنسان مع أخ يوسف اسماعيل الشعراوي بتاريخ
8/8/1997)
كما قامت السلطة بعقد صفقة مع مختار عائلة عبد ربه، والتي بموجبها تطلق
السلطة سراح ثلاثة من أفراد العائلة من السجن، وبالمقابل وقع المختار
وأحد أفراد العائلة على وثيقة تفيد بأن العائلة لا تريد تشريح جثة سامي
عبد ربه. كما أنه وعد السلطة بعدم قيام العائلة بمقاضاة السلطة. تسلم
المختار الجثة ولم يسمح لأحد من العائلة برؤيتها حتى والدة سامي التي
رجته بإلقاء النظرة الأخيرة على إبنها إلا الشخصين اللذين قاما بتغسيل
الجثة.
رفض التعويض: ناصر رضوان ومحمود الجميل
بعد وفاة ناصر رضوان، حضرت لجنة إصلاح مرسلة من قبل الرئيس إلى بيت
العائلة، وعرضت على العائلة 000و30 دولار وقطعة أرض، ولكن العائلة رفضت
أي تعويض عن حياة ناصر. " إذا ملأوا هذه الغرفة بالذهب، لن أقبل بها،
وسأدفع ضعفها ليعيدوا لي أخي حياً"29 ( إفادة زكي رضوان، أخ ناصر في
تاريخ 12/8/1997)
تم تعذيب محمود الجميل (القائد السابق لصقور فتح في نابلس) من قبل
الشرطة البحرية حتى الموت. ورفضت عائلة الجميل عرض السلطة بإقامة جنازة
عسكرية لمحمود وتغطية جثمانه بالعلم الفلسطيني. 30(جريدة القدس في
2/8/1996). وكان الجميل من القادة الوطنيين في نابلس والمعروفين بأنهم
دائماً مطلوبون لسلطات الاحتلال خلال الانتفاضة). ( للمزيد من
المعلومات أنظر الفصل السادس، العقوبات)
مساومة بدل التعويض: فريد أبو جربوع
بعد وفاة فريد أبو جربوع، أول سجين فلسطيني توفى في السجون الفلسطينية،
العديد من المسؤولين وعدوا بالتحقيق في الموضوع. ولكن الذي حصل
بالمقابل أن النائب العام خالد القدرة هدد والد فريد باعتقال ابنته،
حديثة الزواج، إذا حاول المطالبة بحقوقه. بعد عشرة أيام من وفاة فريد
استدعى النائب العام أخت فريد إلى مكتبه. واصطحب الوالد ابنته لمكتب
النائب العام. وهناك أخبرهم النائب العام أنه سيقوم بتوقيف الابنة. ثم
ذهب الوالد باتجاه النافذة وهدد بأن يلقي نفسه من النافذة إذا تم
اعتقال ابنته. وعلى الفور حضر حارسان ومنعا الأب من القفز من النافذة،
وقال له القدرة أنه سيقوم بإطلاق سراح الإبنة إذا تعهد الأب بعدم
المطالبة بحقوقه. 31(من إفادة هاشم جربوع والد فريد التي أخذت من قبل
المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان بتاريخ 9/8/1997) وافق هاشم
جربوع ولم يطالب بأي تعويض.
بدون تعويض
معظم الأشخاص الذين لم يعرض عليهم أي تعويض توفوا "كما أعلن رسمياً"
وفاة طبيعية أو انتحار.
كان ذلك في حالة ناهض دحلان، خالد الهبل، حكم قمحاوي، فايز قمصية وسامي
عبد ربه. إن تخلي السلطة عن المسئولية في حالات الوفاة هذه أدى لوجود
أكثر من رواية للوفاة وتأكيد العائلة ومؤسسات حقوق الإنسان على
مسؤوليتها حول هذا الموضوع، والذين يدعون بأن الوفاة ناتجة عن التعذيب
أو عن إهمال وضع صحي للسجين سابق للاعتقال. إن ادعاء السلطة في هذه
الحالات بأنهم لم يكونوا ضحايا التعذيب كان ناجحاً في البداية، إذ أن
السلطة لم تكن مضطرة تبعاً للرأي العام والبحث المتعمق في هذه القضايا
(من قبل الجمهور، مؤسسات حقوق الإنسان، الدبلوماسيين، ...إلخ) لأن تقدم
التعويض للعائلات.
الإستثناء الوحيد هو يوسف البابا الذي اعترفت السلطة بأن اعتقاله كان
غير قانوني، وأنه عذب حتى الموت من قبل الاستخبارات العسكرية في نابلس،
ولم تقدم السلطة أي اعتذار للعائلة أو تعويض.
ملخص التعويض
|
التعويض |
الاسم |
|
أُخبر الأب أن عليه بالصمت. ولم يقدم أي تعويض |
فريد أبو جربوع |
|
لم يقدم أي تعويض |
سلمان جلايطة |
|
بدون تعويض |
محمد الجندي |
|
قدم تعويض، ولكنه غير معروف للمجموعة |
محمد العمور |
|
جنازة عسكرية، ومصاريف بيت العزاء |
يوسف الشعراوي |
|
4000 دولار ، وتعيين إبنه بوظيفة ميكانيكي |
توفيق السواركة |
|
لم يقدم أي تعويض |
عزام مصلح |
|
عرض على الأهل إقامة جنازة عسكرية، لكنهم رفضوا |
محمود جميل |
|
لم يقدم أي تعويض، هناك اختلاف على سبب الوفاة
|
ناهض دحلان |
|
لم يقدم أي تعويض، هناك اختلاف على سبب الوفاة |
خالد الهبل |
|
9000 شيكل اضافةً الى2500 دولار |
رشيد فتياني |
|
لم يقدم أي تعويض، هناك اختلاف على سبب الوفاة |
فايز قمصية |
|
لم يقدم له أي تعويض |
يوسف البابا |
|
لم يقدم أي تعويض، هناك اختلاف على سبب الوفاة
|
حكم قمحاوي |
|
كان هناك صفقة لإطلاق سراح ثلاثة من أفراد العائلة، لم تقدم عروض
تعويض أخرى |
سامي عبد ربه |
|
اقترحت السلطة تعويض 30000 دولار وقطعة أرض، رفضتها العائلة |
ناصر رضوان |
الخلاصـــة
إن الأمر المقلق في موضوع التعويض هو أن السلطة لا يوجد لديها إجراءات
محددة للتعويض تطبق على جميع الحالات، كما لا يوجد معيار محدد لتقدير
التعويض، ولكنها تتعامل مع كل حالة بشكل مستقل عن الأخريات. في بعض
الحالات، لا يعطى التعويض إلا بعد أن تطلب العائلة من السلطة ذلك، وفي
أخرى يتم إرسال لجان الإصلاح، وفي البعض الآخر لم يقدم أي تعويض.
والعروض المقدمة تراوحت بين مصاريف الجنازة، ومبالغ مختلفة، إلى وعود
بالتوظيف، إلى إعتبار أن الضحية شهيد. في العديد من الحالات، يظهر أن
التعويض المقدم بهدف العلاقات العامة وليس بهدف العدالة.
إن عدم التزام السلطة هذا، له العديد من التأثيرات السلبية. أولاً،
طالما أنه لا يوجد إجراءات معروفة لتقدير التعويض، تكون العائلة جاهلة
لحقوقها، وللتعويض المناسب الذي يجب أن تقبله. ومن الممكن أن تستغل
السلطة هذا الجهل بتقديمها مبلغاً تافهاً من المال مقابل انهاء القضية
إلى غير رجعة. العديد من العائلات عانت من وضع اقتصادي سيء جداً بسبب
وفاة اقربائها. على سبيل المثال وافقت عائلة السواركة على قبض 300
شيكل كشهرية من وزارة الشؤون الاجتماعية، ولكن زوجة توفيق سواركة اشتكت
"إن هذا المبلغ لا يكفي لشراء لوازم المدرسة للأولاد" والآن إبنها
البالغ 17 عاماً هو العائل للعائلة.
إن عائلة محمد الجندي تعاني من نفس المشاكل، فوالده أحمد (70 عاماً)
الآن يعيل أسرة محمد المكونة من ثمانية أفراد، بالإضافة إلى عائلته.
ويتراوح ما يجنيه أحمد من 4 إلى 10 شيكل يومياً من خلال نقله نقلات
خفيفة من مكان لآخر على حماره. هذا بالإضافة إلى ال420 شيكلاً الذي
تتلقاه العائلة شهرياً لا يكفي لسد لتغطية الأحتياجات الأساسية
للعائلة. إن فاتورة الكهرباء غير المدفوعة قد وصلت إلى 1500 شيكل
و"الأولاد دائماً يشتكون [نحن الوحيدين في المدرسة الذين ليس لديهم
نقود لشراء الحلوى]. من أين نجلب النقود؟" تسأل أم محمد، فتحية الجندي.
ثانياً لعدم وجود أي جهة رسمية تابعة للسلطة مسؤولة عن التعامل مع
الدعاوى والشكاوى الخاصة بالتعويض، فلا يوجد أي شخص يمكن التوجه إليه
إذا ما خرقت الاتفاقيات من جانب السلطة، وهذا يحدث في بعض الأحيان.
فمثلاً جزء من الصفقة مع عائلة الشعراوي توظيف إثنين من أفراد العائلة
في الدفاع المدني وتقديم شهرية شهيد للعائلة، ولكن السلطةلم تلتزم
بالاتفاقية.
من الواضح أنه يجب وضع بعض الخطوط العريضة. إن التعويض هو قضية قانونية
ويجب أن يتم التعامل معها بالتزام وذلك من خلال قانون الضرر ساري
المفعول حالياً حتى يجد المجلس التشريعي حلولاً أخرى. ويجب على
العائلات التي فقدت أحد أقربائها، أن تصطحب محامياً معها أثناء التفاوض
مع السلطة حتى تحصل على جميع حقوقها كاملةً، وكذلك الحصول على التعويض
الكافي. وكما هو مفصل في هذا الفصل، فإن غياب المحامي يؤدي إلى فقدان
عائلة الضحية لحقوقها، واستغلال السلطة للحزن الذي تعاني منه العائلات
في تهدئة الخواطر وحل القضية بصمت.
إن الأمر المثير للإشمئزاز أن تضيف السلطة المعاناة الاقتصادية
بالإضافة إلى المعاناة النفسية التي يعانوها نتيجة فقدانهم أحد
أحبائهم. (أنظر مقالة برفسور إروين كوتلر في هذا التقرير |