إستهلال :

 

   في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة العربية عملية التحول الديمقراطي، تعتبر قضية المساواة بين الجنسين وحصول المرأة على حقوقها وتمتعها بالمواطنة الكاملة أولى أولويات الحكومات والمجتمعات والأفراد على حد سواء .

 

   وقد إلتفت المجتمع الدولي لقضية المرأة ولمشكلة العنصرية القائمة على أساس النوع الاجتماعي في العالم منذ زمن، فعمل بالتالي على إعطائها مساحة خاصة في معاهداته ومواثيقه الدولية.  وضمن هذا السياق، أكد ميثاق الأمم المتحدة في ديباجته على الإيمان بالحقوق الأساسية للانسان، وكرامة الفرد وقدره/ها، وبما للرجال والنساء من حقوق متساوية، ولم يخلُ الاعلان العالمي لحقوق الانسان بدوره من التأكيد على اهمية المساواة وعلى عدم التمييز بناء على النوع الاجتماعي، فقد نصت مادته السابعة على أن " الناس جميعاً ، سواء أمام القانون ، وهم متساوون في حق التمتع بحماية القانون ، ودونما تمييز " وتبعه كل من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ليؤكدان على أهمية المساواة وعلى عدم التمييز بين الناس بناء على الجنس ،العرق ، الدين ... . فالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ساوى بين حقوق الزوجين في قيام رابطة زوجية متينة، وأكد العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الحق في العمل بدون تمييز بين الرجل والمرأة .

 

    وتعتبر إتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة التي إعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في تاريخ 18/12/1979 من أبرز الاتفاقيات التي ناقشت وحرمت التمييز ضد المرأة بكافة أشكاله . ومن أبرز ما جاء بهذه الاتفاقية مناقشتها لمجال الأحوال الشخصية، الذي أكدت فيه على حق المرأة في إختيار الزوج بملء حريتها وتزوجها بمحض إرادتها، وحظر زواج صغار السن من الاناث والذكور وتحديد حد أدنى لزواج الاناث وسن الانجاب ، بالاضافة إلى إبدائها إهتماماً خاصاً بحقوق المرأة الريفية التي تلقى إجحافاً من قبل القوانين السارية في العديد من الدول، إذ جاء في المادة الرابعة عشر من هذه الاتفاقية بأن " على الدول أن تضع في إعتبارها المشاكل الخاصة التي تواجهها المرأة الريفية، والأدوار الهامة التي تؤديها في توفير أسباب البقاء إقتصادياً لأسرتها ، بما في ذلك عملها في قطاعات الاقتصاد غير التقليدية "، ولم يتوقف الامر عند هذا الحد، بل تعداه ليشمل المطالبة بالتمييز الايجابي للنساء وفقاً للمادة الرابعة من هذه الاتفاقية  . ومن الحريّ بالاشارة في هذا الصدد بأن هناك إجحافا قانونيا بحق المرأة? الريفية الفلسطينية، إذ يتم إستثناء العاملين في الزراعة ولا يتم توفير الحماية القانونية لهم أسوة بالقطاعات الأخرى .

 

    تعتبر قضية العنصرية ضد المرأة مشكلة عالمية تواجهها النساء في العالم أجمع ولو بدرجات متفاوتة، بغض النظر عن الثقافة أو الدين أو الموقع الجغرافي، ما يعني أن هذه المشكلة إنما هي ذات طابع عالمي أكثر من كونها محلية تستمد فلسفتها من عقم إجتماعي ذي جذور تاريخية ثقافية عالمية . وكمثال على ذلك،  كل من أفلاطون وارسطو وهما من كبار الفلاسفة في عصر الإغريق, حيث اعتبرا العبودية ( الرق) كوضعُ طبيعيُ وعادل للرجل الذي لا يملك شيئاً، وإعتبرا سيطرة الرجل على المرأة شيئاً تتطلبه الطبيعة البشرية ، والأنكى من هذا, ما نص عليه القانون في العصر الروماني من تقسيم الموجودات في الحياة إلى أشخاص وأشياء ، الأشخاص هم الرجال من ذوي الأملاك ، والأشياء هم العبيد والحيوانات والنساء .

 

   إلا أن هذا لا ينفي سمة الخصوصية  التي تتميز بها المرأة الفلسطينية، إذ أنها  تواجه تمييزاً منظماً ومبرمجاً من عدة جهات وعلى جميع المستويات، ناهيك عن  توفر العنصرين الموضوعي والذاتي في البيئة التي تعيشها النساء     الفلسطينيات، ما يجعل من قضية التمييز ضد المرأة وما يحمل في طياته من حرمان من أبسط حقوق الانسان التي كفلتها جميع المواثيق الدولية مسألة مقبولة ومتعارف عليها بأنها وضع طبيعي لكلا الجنسين .

 

   ولأنه من الطبيعي أن يثور الانسان على الظلم والعنصرية ، فما كان من النساء إلا أن يحاولن إسترجاع حقوقهن المستلبة بكافة السبل، الأمر أدى إلى ظهور توجه عرف بأسم Feminism  الذي يعود جذوره إلى القرن الرابع عشر ميلادي عندما حاولت Christine de Pisan الدفاع عن حقوق النساء في الميراث وفي الانتساب إلى عضوية الجمعيات والاتحادات، إلا أن ظهور هذه النظرية الاجتماعية كحركة فلسفية تعود إلى ظهور المفكرات من النساء أمثالMary Wortley Montagu وغيرها  .

 

    وقد مرت هذه الحركة الاجتماعية كغيرها من الحركات الاجتماعية التحررية الأخرى في عدة مراحل،  خاطبت في كل مرحلة منها شريحة معينة من النساء. فقد إيتدأت المرحلة الأولى في منتصف القرن التاسع عشر وخرجت من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وإتسمت في تلك الحقبة بإهتمامها في النساء المتعلمات من الطبقة الوسطى البرجوازية، وعلى النقيض من هذا، إتسمت الموجة الثانية لهذه الحركة بإهتمامها أيضاَ بنساء الطبقة العاملة الكادحة وبالأقليات  .  

 

    وتعنى هذه الحركة الاجتماعية بمواضيع اللامساواة والتمييز الممارس ضد النساء في المجالات الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية القائمة على أساس النوع الاجتماعي. وتعرف نفسها بأنها حركة ذات جذور إجتماعية تهدف الى لتخطي الحواجز القائمة بين الناس على أسس الطبقة الاجتماعية، الجنس، الثقافة والدين، وبشكل خاص بما له علاقة باللامساواة القائمة بين الجنسين . ومن أكثر المواضيع الشائكة التي واجهت هذه الحركة لسنين طوال، موضوع الاختلاف البيولوجي بين الذكور والإناث، الذي كان ينظر إليه وفقاَ للتفكير التقليدي بأنه يعني (الدونية للنساء مقابل الفوقية والسلطة للرجال )،Inferiority Versus Superiority  .ووفقاً لهذه الرؤية، يعتبر الرجال اصحاب قدرات عقلانية أخلاقية متقدمة في حين تتمتع النساء بصفات طبيعية تؤهلهم بالاهتمام بالآخرين.

 

    ولا تقتصر محاربة هذه الحركة من قبل الرجال والمجتمع، بل تتعداه لتشمل فئات واسعة من النساء، فما حارب من أجله هذه الحركة وما دعت لتطبيقه من مبادىء المساواة وعدم التمييز بين الجنسين، نظر إليه العديد من النساء على أنه أمرٌ غير مقبول, ويهدف إلى تدمير العائلة، فمقولة فرويد بأن النوع البيولوجي هو قدر بحد ذاته، ما زالت يؤمن بها العديد من النساء في العالم أجمع

 

    وفي إطار الدفاع عن حقوق المرأة ، وكإمتداد للنظرية النسوية Feminism ، تشكلت الحركات والمنظمات النسوية في شتى أنحاء العالم، إلا أن الوضع بالنسبة للحركة النسائية الفلسطينية تميز ببعض الخصوصية الناتجة عن كون هذا البلد رضخ ومازال لاستعمار وإحتلال تلو الآخر، ما جعل من مسألة النوع الاجتماعي بالنسبة لها ولباقي منظمات المجتمع المدني قضية  ثانوية مقارنة بالقضية الوطنية. فعلى خلاف معظم شعوب العالم التي عاشت بكنف دول كاملة السيادة، لم يتمتع الشعب الفلسطيني بهذا الكيان السياسي الذي يعتبر بالعادة المسؤول الأول عن توفير سبل الرفاهية للرعايا، الأمر الذي دفع بالمنظمات الأهلية ومنها النسوية إلى تركيز جلّ إهتمامها للتعويض ولو جزئيا عن غياب الدولة،و هذا جعل من مشاريعها وبرامجها بالمحصلة النهائية إنعكاسا لإحتياجات ومتطلبات المرحلة، إذ إتسمت على الاغلب بنشاطات إغاثية إلى جانب التركيز على المسار النضالي السياسي الوطني على حساب قضايا النوع الإجتماعي ، خاصة أن معظم المنظمات النسوية في الحقبة التي سبقت نشوء سلطة الحكم الذاتي على أرض الوطن، كانت بمثابة إمتداد وأذرع لفصائل م.ت.ف.

 

 وتعقيبا على هذا الموضوع،  ترى ريما نزال بأن القضية الوطنية كانت هي الأساس في تشكيل المنظمات الشعبية الفلسطينية، ومنها الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، والأطر النسائية المنبثقة عن الأحزاب السياسية، أو لدى الجمعيات الخيرية  الأهلية، الانمائية والنسوية ، وتضيف بأن المشكلة في هذه التشكيلات بأنها على الرغم من أنها لم تغب من برامجها مصالح النساء الاجتماعية والديمقراطية، إلا أنها بالممارسة العملية غلبت إلى حد الغلبة البعد الوطني وذلك ضمن الفلسفة الداعية إلى تأجيل القضية الاجتماعية لما بعد التحرير

 

    ومع هذا ، يلاحظ المتتبع لتاريخ الحركة النسائية في فلسطين, يلاحظ بأنه منذ عام 1978، بدأت تظهر للعيان بعض التوجهات النسوية  لهذه المنظمات وذلك من خلال التركيز على قضايا النوع الاجتماعي . وضمن هذا السياق،  عزت دراغمة في معرض تحليله لتاريخ الحركة النسائية في فلسطين، بأن عام 1978 شكل مفصلاً نوعياً في توجهات وأسس عمل الحركة النسائية، بحيث تم التركيز على ضرورة تشكيل حركة نسائية قوية تربط بين السياسي والتحرر الاجتماعي مما أدى بالنهاية إلى تشكيل إتحادات اللجان النسوي. أما Ebba Augustin ،فإنها ترى بأن الانتفاضة الشعبية الأولى جعلت العديد من النساء الطليعيات في الحركات النسائية يدركن أهمية التنسيق والتعاون والتشبيك بين المنظمات النسائية لبناء أسس متينة لهذه الحركة، ففي صيف 1989 ، تشكل المجلس الأعلى للنساء، وتكون من الأطر الأربع السياسية الفلسطينية التي مثلت كافة الفصائل السياسية الفلسطينية في ذلك الوقت، بالاضافة إلى النساء المهنيات، وهذا رمز بدوره الى إزدياد الاهتمام بالمواضيع والشؤون النسوية.

 

    إلا أن قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية إلى أرض الوطن، شكل نقلة نوعية في تاريخ الحركة النسائية الفلسطينية. ومن أبرز ما رافق هذه المرحلة من تطورات، بروز المؤسسات النسوية المهنية المتخصصة التي ركزت جلً إهتمامها على قضايا النوع الاجتماعي، الأمر الذي يمكن إعتباره تتويجاً للتوجه النسوي Feminist     approach في الحركة النسائية الفلسطينية . وكما تطرح كل من أيلين كتاب ونداء أبو عودة في إطار تحليلهم للحركة النسوية الفلسطينية ، بأنه من ضمن ما إتسمت به مرحلة أوسلو، كان بروز مؤسسات نسوية تخصصية ذات إستقلالية عن الأحزاب السياسية،  قامت بتبني قضايا المرأة الاجتماعية وتفعيل الجدل والنقاش الديمقراطي حول قضايا المرأة .

 

    يعتبر المجتمع الفلسطيني كغيره من المجتمعات التقليدية الشرقية، مجتمعاً أبوياً ذكوريا، تسير فيه العلاقات بناء على أسس هرمية تفتقر للعدل والمواءمة من حيث السلطة والمسؤولية، ويتحدد فيه حقوق وواجبات الأفراد بناء على جنسهم الاجتماعي، ما يؤدي إلى ضرب مبدأ المواطنة في العمق، ويسيطر فيه الموروث الثقافي الاجتماعي الذي يتماشى مع مصلحة الجنس الأكثر قوة في المجتمع وهم الرجال على جميع مناحي الحياة على حساب الجنس الأضعف وهم النساء  .  

 

     وضمن هذا السياق، فإن النساء الفلسطينيات وعلى الرغم من أهمية الدور الذي قمن به وما زلن في مسيرة النضال الشعبي الفلسطيني سواء كنَ أفرادا شاركن بطريقة عشوائية، أو مجموعات مؤطرة داخل جمعيات ومنظمات نسوية، إلا أن المتتبع لحال المرأة الفلسطينية يلمس الإجحاف الملحق بحقها على جميع المستويات : القانونية ، الاجتماعية ، الاقتصادية والثقافية, وفي كلا الاتجاهين العملي والنظري، و هذا ما يدحض الرأي القائل بأن التجربة النضالية للمرأة الفلسطينية جعلتها تتخلص في العوائق والقيود الاجمتاعية الثقافية التي تحول دون تقدمها في الحياة .  إلا أن هذا لا يعني النفي الكامل لبعض الإنجازات التي حصلت عليها المرأة الفلسطينية من خلال مشاركتها في الحركة الوطنية ومن أهمها ظهور بعض القياديات الطليعيات من النساء .

 

    تعاني النساء الفلسطينيات من عدة مشاكل تعود جذور بعضها لعوامل موضوعية تتلخص بالاحتلال وسياسة الاغلاق والحصار بالاضافة إلى حداثة نشأة السلطة الوطنية الفلسطينية، وما يترتب على ذلك من فقر وبطالة وأمية وغيرها من المشاكل . أما بعضها الآخر، فتعود جذوره لعوامل ذاتية تأخذ من العادات والتقاليد والثقافة وحتى الدين في بعض الأحيان روافدأ تعليلية تفسيرية لحالة الظلم واللامساواة التي تلحق بالاناث في المجتمع الفلسطيني. وفي هذا الاطار, تحاول المنظمات النسائية كغيرها من المنظمات الأهلية والحكومية، الاستجابة لمتطلبات المرحلة و تخفيف حدة المعاناة التي تعيشها المرأة الفلسطينية، وذلك من خلال تقديم الخدمات المتنوعة والتي قد تكون ذات طبيعة إغاثية أو تنموية أو توعوية ثقافية وغيرها من الأشكال بهدف التقليل من حدة الفقر، الأمية، العنف وغيره من المشاكل التي تواجهها المرأة الفلسطينية  .


هدف الدراسة:

 

    تهدف الدراسة إلى إلقاء الضوء على إحتياجات المرأة الفلسطينية، وعلى المشاكل التي تعترض طريقها وتحول دون تقدمها في الحياة أسوة بالرجل . ومن جهة ثانية، تهدف إلى الإطلاع على النشاطات والخدمات التي تقدمها المنظمات النسائية للخلوص فيما إذا كانت نشاطاتها تتواءم  وإحتياجات الفئة المستهدفة ( المرأة ) وإلى أي درجة .

 

المنهج المتبع في الدراسة :

 

    تعتمد الدراسة على المنهج التاريخي التحليلي المقارن للخلوص بنتائج وتوصيات ذات فائدة لجميع الفئات المعنية .

 

أقسام الدراسة :

    تقسم الدراسة إلى فصلين، بالاضافة إلى مقدمة وخاتمة . و يقسم الفصل الأول إلى قسمين, يناقش القسم الأول فيه الاحتياجات والمشاكل التي تواجه المرأة الفلسطينية بإسهاب، وذلك بالاستناد إلى تقارير دولية، إقليمية ومحلية، بلاضافة إلى مراجعة القانون الأساسي الفلسطيني والقوانين الأخرى ذات العلاقة بقضايا النوع الاجتماعي. أما القسم الثاني، يناقش أهم الإستنتاجات االمتعلقة بإحتياجات النساء الفلسطينيات.

 

أما الفصل الثاني،فيقسم أيضا إلى قسمين, يناقش القسم الأول فيه طبيعة وماهية النشاطات والمشاريع التي تقوم بها المنظمات النسائية الفلسطينية، وذلك بالاستناد إلى ما ورد من شرح لذلك في الدليل السنوي لعام 2006، الذي يصدر عن مؤسسة باسيا،PASSIA Directory ، 2006 بالاضافة إلى كتيب رقم 3 الصادر عن " مفتاح"، الذي ورد فيه شرحا مفصلا لطبيعة نشاطات وبرامج المنظمات الأعضاء في منتدى المنظمات الأهلية لمناهضة العنف ضد المرأة، الذي يتكون بأغلبيته من منظمات نسوية.  أما القسم الثاني، فإنه يناقش مدى مواءمة نشاطات هذه المنظمات وإحتياجات وأولويات المرأة الفلسطينية.   

 

   

 

القسم الأول :

 

إحتياجات وأولويات المرأة الفلسطينية :

 

    يعاني الشعب الفلسطيني من عدة مشاكل  وعلى جميع المستويات، وذلك  نتيجة للاحتلال وسياسة الاغلاق والحصار والاغتيالات، وما ينتج عن تلك الممارسات من بطالة وفقر ومشاكل وآفات إجتماعية أخرى. وفي ظل هذه الظروف المجتمعة، تعاني المرأة كغيرها من فئات المجتمع، إلا أن درجة معاناتها تعلو تلك التي يمر بها الرجل وذلك لعدة عوامل، لعلَ  أهمها أنها تواجه مشاكل وظلم مبرمجين,الأول ذلك الموجه لها من قبل سلطات الإحتلال، وفي هذا الاطار فإن معاناتها لا تختلف عن تلك التي يمر بها الرجل. أما الثاني، فإنه يعود للمجتمع الفلسطيني الذي تسود فيه المعايير والقيم الذكورية التي تتلقاها المرأة مجبرةً، وذلك, إما بطريقة الإكراه أو بطريقة الإستلاب الثقافي الذي يعمل على تطويع العقل والفكر لمعايير وقيم محددة، بحيث لا تخضع هذه الأخيرة للتحليل والدراسة من قبل الفئة المستهدفة ( المرأة ) ، وإنما يتم تقبلها من خلال اللاوعي على أنها أموراُ عادية.

 

    وكما يطرح الأستاذ قطامش بأن النساء في المجتمع الفلسطيني تفرض عليهن جزيئات حياتهن من شكل الملبس أو الدراسة، أو العمل وحتى الزوج وعدد الاطفال . ومن الملفت للانتباه هنا بأن معظم النساء تتقبل هذه الأدوار التي تفرض عليها وتتعامل معها على أنها أمورا طبيعية، ما يدل على أن معظم النساء الفلسطينيات تعرضن لما يعرف في الاستلاب الثقافي وتعاملن معه على أنه أمراً عادياً .

 

    وفي ظل هذا المناخ الذي تعيش فيه النساء، وخاصة في المجتمعات التقليدية العربية حيث التمييز واللامساواة، إهتم العديد من المؤسسات النسوية والمؤسسات التنموية والحقوقية المعنية بحقوق المرأة وبتمكينها  من دراسة وضع المرأة، بهدف إلقاء الضوء على الاحتياجات والمشاكل الاساسية التي تعاني منها. وقد لاقت المرأة الفلسطينية إهتماماً مميزاً كونها تعاني كما تمت الاشارة إليه سابقاً من الظلم واللامساواة من جهات متعددة، وقامت بالتالي المؤسسات المختلفة بدراسات وأبحاث ومسوحات متعددة لتسليط الضوء على أولوياتها وإحتياجاتها الأساسية . ومن هنا, فإنه و تماشيا مع أهداف المؤسسة في نشر الديمقراطية والمساواة  في المجتمع الفلسطيني، فإن هذا القسم من الدراسة , يهدف إلى تسليط الضوء على المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والقانونية التي تقف عائقاً أمام تقدم المرأة الفلسطينية ومساواتها بشريكها الرجل من خلال  إجراء مراجعة لأدبيات ودراسات عدة بالاضافة إلى  تقارير دولية وإقليمية ومحلية تناولت هذا الموضوع .

 

     هذا وبعد مراجعة الدراسات والأدبيات المعنية بموضوع المرأة الفلسطينية وأولوياتها ، يمكن تصنيف المحاور الأساسية التي شملتها الدراسات موضع البحث إلى سبعة محاور تتضمن كل من المجالات التالية : العمل ، التعليم ، السياسة ، الفقر ، القانون ، الصحة والعنف .

 

 

1-     العمل والمرأة الفلسطينية :

 

    تشكل النساء الفلسطينيات حوالي خمسين بالمئة من المجموع الكلي للسكان، فحسب ESCWA، بلغت نسبة النساء في العام 2003 49.1 % من المجموع الكلي  للسكان، إلا أن هذا التقارب شبه المتكامل في نسبة العدد الإجمالي بين الجنسين في المجتمع الفلسطيني لم ترافقه نسب متساوية في مجموع القوى العاملة. وليس أدل على ذلك من المعلومات المتوفرة بهذا الشأن وفقاً للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، والتي تشير إلى أن نسبة النساء في القوى العاملة والتي تتراوح أعمارهن من 15 سنة فما فوق, وصلت في العام 2004 إلى 13.2% من المجموع الكلي، في حين تصل نسبة الرجال من نفس الفئة العمرية في القوى العاملة إلى 66.6% من المجموع الكلي وإرتفعت هذه النسبة إرتفاعاً طفيفاً في العام 2005، لتصل إلى 14.1% مقارنة ب67.8% للرجال

 

    وحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للعام 2004، فإن نسبة 90.5% من النساء في الأراضي الفلسطينية هي خارج القوى العاملة ما يستدعي الوقوف برهة للتحليل، أنه وفقا لهذه المعطيات, فقد يكون الأمر تخطى معضلة البطالة المتفشية كعامل وحيد وراء هذه النسب العالية جدا لبطالة النساء، وتعداه ليشمل مواضيع أخرى ذات علاقة وثيقة بقضايا النوع الإجتماعي.

 

  وضمن هذا السياق التحليلي، حريّ بالإشارة ما ذكره شاكر خليل ويوسف عدوان، بأنه كنتيجة للأوضاع الإقتصادية الصعبة وللبنية المجتمعية الذكورية، فقد إعتبرت المرأة في المرتبة الثانية من حيث الأحقية في المنافسة على فرص العمل ، وبالتالي عكس هذا الأمر نفسه بلاضافة إلى عوامل بنيوية و أخرى ثقافية مجتمعية على نسبة النساء الفلسطينيات في القوى العاملة .

 

    هذا ناهيك عمٌا آلت إليه الأوضاع في الأراضي الفلسطينية على غرارالإنتفاضة الفلسطينية الثانية، حيث شهدت المنطقة تقطيعاً لأوصال المدن الفلسطينية وإغلاقأً للمعابر إلى إسرائيل، مما أدى بالمحصلة النهائية إلى إرتفاع البطالة بين العاملات الفلسطينيات. وكمثال على ذلك، ما أشارت إليه الإحصائيات في العام 2000،حيث تراجعت معدلات البطالة لتصل 12.3% بعدما كانت حوالي 20% في عام 1997 ، إلا أنها  عادت واستمرت في الإرتفاع لتصل في العام 2003 إلى 18.6%   .

 

    وضمن نفس السياق، فقد نوٌه تقرير فريدم هاوس حول حقوق المرأة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى وجود نسبة كبيرة من النساء خارج نطاق القوى العاملة في الأراضي الفلسطينية، في الوقت الذي تعمل فيه نسبة كبيرة